لماذا تخشى تركيا التغيير في إيران؟

الهتافات المطالِبة بالتغيير السياسي التي تعلو هذه الأيام في شوارع إيران، لا تُفهم في الممرات الاستراتيجية لتركيا بوصفها «نداءً من أجل الحرية»، بل تُقرأ باعتبارها مصدر قلق جيوسياسي.

الهتافات المطالِبة بالتغيير السياسي التي تعلو هذه الأيام في شوارع إيران، لا تُفهم في الممرات الاستراتيجية لتركيا بوصفها «نداءً من أجل الحرية»، بل تُقرأ باعتبارها مصدر قلق جيوسياسي.
فبالنسبة لأنقرة، لا يُعدّ نظام طهران مجرد جار صعب أو منافس إقليمي؛ بل يشكّل في الوقت نفسه «جدارًا أمنيًا» حافظ لسنوات على استقرار الحدود الشرقية لتركيا.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات في إيران، تنظر الحكومة التركية إلى ما يجري هناك باعتباره اهتزازًا في السلطة المركزية بفعل قوى «أجنبية»، وتعتقد أن هذا التطور قد يهدد أمن حدودها مباشرة.
وهذا المنظور الأمني، الذي لا يقتصر على الدولة وحدها، يعكس فجوة عميقة بين المجتمع المدني والطبقة السياسية في تركيا من جهة، والحركات الاحتجاجية في إيران من جهة أخرى. إذ يسود اعتقاد راسخ بين السياسيين الأتراك، وحتى بين شخصيات أكاديمية وإعلامية، مفاده أنه إذا سقط النظام الإيراني، فستكون تركيا الهدف التالي.
ولهذا السبب، يجري تفسير المطالب الشعبية المشروعة في إيران من خلال نظريات مؤامرة مثل «السيناريوهات الخارجية» و«عمليات الموساد»، وهو ما يصعّب في هذه اللحظة الحساسة قيام تضامن ديمقراطي حقيقي بين الشعبين.
ومن ناحية أخرى، فإن الهشاشة الاقتصادية التي تعانيها تركيا، إلى جانب ملفاتها المعقدة وغير المحسومة في سوريا، تزيد من حاجتها إلى الحفاظ على الوضع القائم في المنطقة.
سياسة الاستقرار
يصف رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان، إلى جانب كبار المسؤولين الحكوميين، مثل وزير الخارجية، الاضطرابات في إيران بأنها «سيناريو مُعدّ سلفًا»، ويعتبرونها جزءًا من عملية خارجية تهدف إلى دفع المنطقة نحو الفوضى.
وفي جذور هذا الموقف تكمن خشية استراتيجية من أن يؤدي فقدان السلطة المركزية في إيران إلى خلق «ممر إرهابي» على الحدود الجنوبية والشرقية لتركيا، بما يضع البلاد أمام تهديد مباشر لبقائها.
وإضافة إلى القلق من التحركات القومية والعرقية، تُعدّ إحدى أهم الهواجس الدبلوماسية لأنقرة هي تفادي الاصطفاف في جبهة واحدة مع إسرائيل. فمنذ اندلاع حرب غزة، حذّر مسؤولون أتراك من احتمال هجوم إسرائيلي، ومع اتساع جبهات الصراع، تصاعدت هذه المخاوف.
إن الدعم العلني الذي تبديه الحكومة الإسرائيلية لتغيير النظام في إيران، دفع تركيا إلى تبني موقف أكثر حذرًا، بل وأقرب إلى الدفاع عن استقرار الوضع القائم في طهران. ويعتقد المسؤولون الأتراك أن خلف الخطاب الغربي «المطالب بالديمقراطية» تختبئ استراتيجية إسرائيلية للتوسع الإقليمي، وأن إضعاف إيران سيعزز نفوذ إسرائيل في المنطقة بطريقة قد تُطوّق تركيا وتحول إسرائيل إلى اللاعب الإقليمي الأبرز.
وبالتوازي مع ذلك، تنظر الإرادة السياسية في تركيا إلى احتجاجات إيران بوصفها «إنذارًا مبكرًا» لأمنها الداخلي، وترى أن الحل يجب أن ينبع حصريًا من الديناميات الداخلية لطهران.
وتعكس تصريحات وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، التي شدد فيها على أن «المشكلات القائمة» ينبغي حلها دون تدخل خارجي، رغبة أنقرة في منع زعزعة الاستقرار في إيران وتفادي موجات هجرة محتملة. وقد أدى هذا النهج إلى أن تعتمد تركيا خطابًا أمنيًا بدلًا من الإدانة الصريحة لانتهاكات حقوق الإنسان في إيران.
حرب محتملة
في الأوساط العسكرية التركية، يُعدّ ضعف الدفاع الجوي الإيراني أمام التفوق التكنولوجي لإسرائيل والولايات المتحدة مصدر قلق حقيقيًا ، إلا أن القوة الصاروخية الإيرانية تثير مخاوف من نوع آخر. ففي أحد البرامج التلفزيونية على قناة «هابر تورك»، طرح نائب في البرلمان تساؤلًا لافتًا:
«ماذا لو وُجهت هذه الصواريخ نحو إسطنبول بدلًا من تل أبيب؟»
هذا القلق المزدوج دفع أنقرة إلى تبني مقاربة محافظة وحذرة تجاه طهران.
ويجد المحللون العسكريون الأتراك أنفسهم أمام معضلة متناقضة: فهم يخشون بقاء النظام الحالي في إيران، كما يخشون في الوقت نفسه سقوطه. فالتحدي الأساسي، من وجهة نظرهم، لا يكمن بالضرورة في الهزيمة العسكرية لطهران، إذ يرون أن إيران قد لا تمتلك قدرة دفاع جوي كافية في حرب شاملة، بل في تداعيات ما بعد الانهيار.
وبرأيهم، فإن إيران التي تُهزم جوًا قد تلجأ، اعتمادًا على عمقها الاستراتيجي، إلى تحويل الصراع إلى حرب عصابات إقليمية عبر الميليشيات، ما سيخلق فراغًا أمنيًا غير قابل للإدارة بالنسبة لتركيا.
من هذا المنطلق، فإن منع اندلاع حرب في إيران لا يُعدّ مجرد موقف دبلوماسي، بل ضرورة عسكرية. ويضع الجيش التركي في اعتباره سيناريوهات «الملاحقة الساخنة» وعمليات برية محدودة كخطط طوارئ لمواجهة صعود جماعات مثل حزب العمال الكردستاني (PKK) و«بيجاك» في حال حدوث فراغ في السلطة داخل إيران.
ويحذر محللون مقرّبون من النظام من أن موجات الهجرة الجماعية والفوضى العابرة للحدود الناجمة عن مثل هذا الانهيار ستضع العقيدة الدفاعية وبقاء تركيا الإقليمي أمام كلفة تفوق بكثير ما واجهته البلاد خلال الأزمة السورية.
هل الهدف هو تركيا؟
تتكرر في وسائل الإعلام التركية هذه الأيام مقولة: «إذا سقطت إيران، فسيكون الهدف التالي هو تركيا». وهذه الفكرة، في نظر صناع القرار في أنقرة، ليست مجرد نظرية مؤامرة، بل تهديدًا وجوديًا تم اختباره بالفعل خلال الحرب الأهلية السورية.
ويتوقع محللون أن يؤدي انهيار السلطة المركزية في إيران إلى خلق فراغ أمني شبيه بشمال سوريا، يوفر ملاذات جديدة لهياكل مثل حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، وهو ما سيضع تركيا في كماشة أمنية تطوق حدودها الشرقية والجنوبية بالكامل.
وبحسب هذا التصور، فإن أي زعزعة للاستقرار في طهران نتيجة تدخلات مدعومة من الغرب ستُطلق موجة من التفكك العرقي، من شأنها أن تهز التوازنات الداخلية الحساسة داخل تركيا نفسها.
ولهذه المخاوف، شرعت وزارة الدفاع التركية منذ الأيام الأولى من عام 2026 في تنفيذ إجراءات عسكرية استثنائية على طول الحدود. كما تؤكد تصريحات المتحدث باسم الوزارة، الذي شدد على أنه «لن يُسمح بتكرار سيناريو شبيه بسوريا»، أن الحكومة التركية تنظر إلى تطورات إيران على أنها أكثر من مجرد حركة داخلية، بل خطر يتمثل في تدفق ملايين اللاجئين وتسلل عناصر إرهابية إلى أراضيها.
ومن اللافت أيضًا اصطفاف حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، مع هذا النهج؛ إذ تجاوز خلافاته الأيديولوجية واعتبر وحدة الأراضي الإيرانية «القلعة الشرقية» لتركيا.
حتى وسائل إعلام قريبة من المعارضة، مثل «ميدياسكوب»، روّجت لطرح غير دقيق يزعم أن أحد أسباب العنف في إيران هو تهريب السلاح عبر الحدود الغربية. والمفارقة أن هذه القوى المعارضة نفسها كثيرًا ما تُتهم من قبل الحكومة بالتعاون مع أطراف أجنبية، لكنها في هذه القضية تحديدًا، وعلى الرغم من معرفتها بطبيعة سلوك الجمهورية الإسلامية، وجدت نفسها متناغمة مع خطاب الدولة.
إيران أكثر ديمقراطية؟
تشير المؤشرات في المشهد السياسي التركي إلى تقارب غير مسبوق بين المؤسسات الرسمية والقاعدة المدنية في مقاربة تطورات إيران؛ إذ ينصبّ اهتمام الطرفين، أكثر من تركيزه على طبيعة المطالب الداخلية الإيرانية، على تداعياتها المحتملة على وحدة الأراضي التركية.
وفي هذا السياق، لم تُبدِ التيارات العلمانية التركية دعمًا ملموسًا للتحولات في إيران، وهو ما يُعزى جزئيًا إلى غياب التواصل والضغط الفعّال من جانب معارضي الجمهورية الإسلامية مع هذه التيارات.
ويبرز هذا الواقع الحاجة إلى تعزيز المشاورات الإقليمية للمعارضة الإيرانية مع النخب السياسية والفكرية في دول الجوار، بهدف تقديم صورة دقيقة عن حقيقة الأوضاع داخل إيران.
وتتأثر بعض المخاوف الأمنية لأنقرة بخلفيات تاريخية وقراءات متشائمة لدور أطراف ثالثة وجماعات كردية مسلحة، وهي رؤية تتغذى إلى حد كبير من تقارير صحفيين أتراك متمركزين داخل طهران. ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن الرغبة الاستراتيجية لتركيا في الحفاظ على الاستقرار في إيران لا تعني بالضرورة امتلاكها القدرة على التأثير في مسار الأحداث.
فتركيا اليوم تواجه تحديات اقتصادية داخلية وملفات عالقة في الأزمة السورية، ما يحدّ من قدرتها على المناورة خارج حدودها. كما أن التحول التدريجي لأنقرة نحو مواقف أقرب إلى الغرب، وإعادة ضبط علاقاتها مع روسيا استجابة لمطالب واشنطن، يعكس إعادة ترتيب أولويات في سياستها الخارجية.
ورغم أن المسؤولين الأتراك يرون في «إيران متطورة ومنسجمة مع النظام الدولي» شريكًا أكثر تفضيلًا، فإن تكاليف الانتقال والغموض الذي يكتنف مستقبل إيران السياسي لا يزالان يشكلان العقبة الرئيسية أمام أي مراجعة جوهرية لمقاربتهم الأمنية.