الصواريخ بدل الدبلوماسية.. مؤشرات تصعيد نهج النظام الإيراني "التصادمي" تحت الضغط

في خضم الحراك الوطني للإيرانيين واحتمال تدخل أميركي وشيك دعمًا للمتظاهرين، يبدو أن النظام الإيراني يوجّه اهتمامه بشكل متزايد إلى برنامج الصواريخ الباليستية.
صحفي

في خضم الحراك الوطني للإيرانيين واحتمال تدخل أميركي وشيك دعمًا للمتظاهرين، يبدو أن النظام الإيراني يوجّه اهتمامه بشكل متزايد إلى برنامج الصواريخ الباليستية.
وتعززت هذه التكهنات بعدما أعلن مجلس الدفاع الوطني الإيراني، في بيان صدر يوم الثلاثاء 6 يناير (كانون الثاني)، أنه في حال رصد مؤشرات واضحة على وجود تهديد، قد تقدم طهران على تنفيذ ضربة استباقية.
وجاء في البيان: "في إطار الدفاع المشروع، لا يعتبر النظام الإيراني نفسه مقيّدًا بالرد بعد وقوع الفعل، ويعدّ المؤشرات العينية على التهديد جزءًا من المعادلة الأمنية".
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت الحرب الكلامية بين مسؤولي طهران وواشنطن.
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد حذّر مؤخرًا من أنه إذا واصلت القوات الأمنية في إيران قتل المتظاهرين، فإن الولايات المتحدة ستتحرك دعمًا لهم.
إيران تسعى إلى الردع
في مثل هذا المناخ، سعى مسؤولو النظام الإيراني، بجانب إظهار الجاهزية، إلى التقليل من أهمية احتمال اندلاع حرب وشيكة.
وقال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أبو الفضل ظهرة وند، يوم الثلاثاء 6 يناير: "إيران لن تكون بادئة بالحرب، ولن تقع في فخ العمليات الاستباقية، إلا إذا اقتضت الخلاصة النهائية لكبار القادة العسكريين ذلك".
ويشير هذا الموقف إلى أنه رغم إمكانية تفادي تصعيد التوتر بين الطرفين، فإن خيار الضربة الاستباقية لا يزال مطروحًا بجدية على جدول الأعمال.
وخلال الأيام الماضية، أفادت تقارير لوسائل إعلام دولية، من بينها "يورونيوز"، إلى جانب روايات شهود عيان على منصات التواصل الاجتماعي، بمشاهدة آثار صواريخ في أجواء عدد من المدن، من بينها طهران ومشهد وكرمانشاه.
ولم يعلّق مسؤولو النظام الإيراني علنًا على هذه التقارير، غير أنهم عززوا في الوقت نفسه الانطباع القائل إن البرنامج الصاروخي بات الركيزة الأبرز في منظومة الردع لدى النظام.
وذكر موقع "خبرآنلاين"، في تقرير بتاريخ 6 يناير، أن هناك "تغييرًا في استراتيجية إيران تجاه إسرائيل"، مشيرًا إلى أن طهران باتت تضع إعادة بناء قدراتها الصاروخية في صدارة أولوياتها، فيما جرى تهميش البرنامج النووي.
الاستعداد للمعركة
تناولت بعض وسائل الإعلام المتماهية مع النظام هذا الموضوع بوضوح أكبر. فقد كتب موقع "آسيا نيوز" الإخباري، يوم الثلاثاء 6 يناير، أن المناورات الصاروخية وتمارين الدفاع الجوي الأخيرة نُظمت بهدف اختبار وعرض القدرات العسكرية للنظام، وتعزيز التنسيق بين الحرس الثوري والجيش ووحدات الدفاع الجوي، فضلًا عن توجيه رسالة ردع إلى إسرائيل وأميركا.
وبحسب هذا التقرير، نُفذت عمليات ليلية بهدف رفع الجاهزية القتالية في ظروف انخفاض الرؤية.
وبالنظر إلى أن "آسيا نيوز" هو في الأساس موقع اقتصادي ولا يمتلك تخصصًا عسكريًا، يرى محللون أن مثل هذه المواد لا تعكس تقييمًا مستقلاً بقدر ما تمثل صدى لرسائل أعدّتها مصادر عسكرية في النظام الإيراني.
ويعتقد محللون أن تراجع حضور البرنامج النووي في مواقف النظام قد لا يكون ناتجًا عن تغيير جوهري في الاستراتيجية بعيدة المدى، بقدر ما يعود إلى القيود المالية ومحاولة عدم استفزاز أميركا في مرحلة أصبحت فيها المنشآت النووية للنظام الإيراني تحت تركيز شديد.
وأضاف "خبرآنلاين" في ختام تقريره أن هذا التغيير "قد يهيئ، على المدى الطويل، أرضية لمنافسات أمنية أكثر تعقيدًا بدلًا من خفض التوتر".

أدلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال أسبوع واحد من بدء الاحتجاجات في إيران، بتعليقين مباشرين بشأنها حتى الآن. في اليوم الأول، أدان النظام الإيراني بسبب إطلاق النار على المتظاهرين، وفي اليوم السادس هدد بأنه إذا استمر قتل المتظاهرين، فإن واشنطن ستتدخل لإنقاذ الشعب الإيراني.
وهذا هو أسرع وأصرح رد فعل لرئيس أميركي على موجة احتجاجات في إيران خلال الـ 45 عامًا الماضية، لكن فاعلية هذا الموقف مرتبطة بالخطوات اللاحقة.
وسيكون الاختبار الحقيقي للإدارة الأميركية ما إذا كان هذا الموقف سيؤدي إلى إجراءات دبلوماسية وعسكرية ملموسة، أم سيبقى مجرد رسالة رادعة ورمزية.
وفي عام 2009، تصرف الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، بحذر في رد فعله على احتجاجات الحركة الخضراء في إيران. وفي ذلك الوقت، كان قد أرسل رسالة ثانية إلى المرشد الإيراني، علي خامنئي، ولم يتلقَ ردًا بعد.
وكان أوباما قلقًا من أن الدعم العلني للمتظاهرين قد يضعف الدبلوماسية السرية والقناة السرية التي كان يسعى لإنشائها مع خامنئي لحل ملف إيران النووي.
وفي الوقت نفسه، حذّره مستشاروه من أن الدعم الأميركي الصريح قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ إذ يمكن اتهام المتظاهرين بأنهم "عملاء أجانب"، مما يعطي النظام ذريعة لقمع الحركة بشدة أكبر.
وهذه المخاوف لا تنطبق على ترامب- على الأقل في الوقت الراهن- إلى حد كبير. من ناحية، لا يوجد حاليًا قناة دبلوماسية نشطة وذات معنى بين إيران وأميركا يمكن لموقف واشنطن الحاد أن يضعفها أو يغلقها.
ومن ناحية أخرى، فإن مسؤولي النظام الإيراني يصفون المتظاهرين منذ سنوات بأنهم "عملاء العدو"، كما فعل خامنئي في خطابه، يوم السبت 3 يناير (كانون الثاني)، بشأن الاحتجاجات، مما جعل هذا الوصف فارغًا من المعنى.
كما لا يبدو أن المتظاهرين يخشون الدعم الأجنبي أو اتهام الارتباط بدول أخرى.
واعترف أوباما بعد سنوات بأن نهجه الحذر تجاه "الحركة الخضراء" كان خطأً، وأكد أن الولايات المتحدة يجب أن تدعم الحركات الشعبية المناهضة للاستبداد في أي مكان في العالم.
ويظهر رد فعل ترامب السريع والصريح أنه لم يقع في خطأ أوباما حتى الآن.
وقد أظهرت تجربة إدارة أوباما أيضًا أن مجرد اتخاذ موقف حاد لا يكفي. في إحدى الفترات الحساسة في تحولات الشرق الأوسط، اتخذت إدارة أوباما موقفًا قاطعًا وتحذيريًا ضد النظام السوري، لكنها في النهاية لم تنفذه.
وكانت عواقب هذا التراجع، من حيث المصداقية والردع، أكثر تكلفة بكثير من موقف حذر.
هذا في حين أن أوباما كان قد حذر عام 2012 من أن استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيميائية يُعتبر "خطًا أحمر" لأميركا.
ولكن بعد عام، وبعد هجوم الأسد الكيميائي بصواريخ تحمل غاز "السارين" في منطقة الغوطة الذي أدى إلى مقتل مئات المدنيين، لم تشن الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا.
وفي ذلك الوقت، سعى أوباما إلى السيطرة على الأزمة عبر مسار دبلوماسي، وفي النهاية تمكن من خلال اتفاق دولي من جمع الأسلحة الكيميائية المعلنة لحكومة الأسد.
وقلل هذا الإجراء من استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا ولكنه لم ينهِه، وأضعف بشكل كبير مكانة أوباما والإدارة الأميركية حينها بين معارضي الأسد.
ولكن ترامب يعرف أن التهديد بدون عمل يشوه قوته وعرض قوة أميركا.
وقد نفذ ترامب تهديداته ضد إيران في حالتين: أولًا بقتل قاسم سليماني في يناير 2020 (قبل ست سنوات بالضبط)، وثانيًا بهجوم على منشآت نووية إيرانية قبل نحو 200 يوم.
وفي 3 يناير الجاري، نفذ ترامب تهديداته الأخيرة ضد رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، حيث أعلن أن الولايات المتحدة نفذت هجومًا واسعًا على فنزويلا واعتقلت مادورو وزوجته وأخرجتهما من البلاد.
وأظهر التاريخ أن نجاح مواقف أميركا يكمن في مزيج من الرد السريع والصريح والعمل به، ويبدو أن ترامب مدرك لذلك.
وتظهر ردود الفعل السريعة من مسؤولي النظام الإيراني على تهديد ترامب بدعم المتظاهرين أنهم- على الأقل- يأخذون هذا التهديد على محمل الجد.

لا يُعد وصف جناح النساء في سجن "إيفين" بأنه "فندق" من قِبل فائزة هاشمي، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق، مجرد تصريح شخصي؛ بل أصبح هذا التعبير، على نحو يتعارض مع تقارير وتجارب السجناء، مسألة مهمة في الرواية العامة حول السجن وحالة حقوق الإنسان في إيران.
ما كان بالنسبة لفائزة "فندقًا"، هو جحيم بالنسبة لبقية السجناء الذين- إن لم يكن لديهم المال- لا يختلف وضعهم عن معسكرات العمل القسري النازية.
السجن يبقى "سجن"
الحرمان من الحرية، وقيود الخروج، وانقطاع الاتصال الحر مع العالم الخارجي، والعيش تحت الإكراه والمراقبة، لا يتوافق مع أي تعريف معروف لـ "فندق"، حتى كمجاز. تحسين نسبي في ظروف جناح معين بسبب "صلة" السجين أو المعاملة المختلفة لمجموعة محددة، لا يغيّر من طبيعة الاحتجاز. بالنسبة لغالبية السجناء السياسيين، السجن ليس مكانًا للإقامة أو الراحة أو أداء المسؤوليات الاجتماعية، بل هو هيكل مصمم للضغط النفسي والإرهاق التدريجي للإنسان.
وتجاهل هذه الحقيقة يُعد تحريفًا لتجربة السجناء؛ وبالنسبة لشخص كان سجينًا بالفعل، يدل على أنه ربما لم يكن قد عاش تجربة السجن الحقيقية. فالتجربة التي مرت بها فائزة رفسنجاني ليست ما يختبره بقية السجناء. فهي تتحدث عن السجن وكأنه "تجربة ممتعة" لشخص ثري عاش كل الملذات في الحياة والآن فقط اختبر السجن. فكونك ابن رفسنجاني والدخول إلى "إيفين" يختلف تمامًا عن كونك حسين شنبه زاده (محرر أدبي ومترجم وسجين سياسي) والدخول إلى "إيفين".
تعميم تجربة فردية.. تحريف للواقع الجماعي
المسألة الأساسية هي تقديم تجربة فردية لسجين "مميز" كرواية عامة للسجن. ما كان مقبولًا للبعض غالبًا نتيجة امتيازات لا تتوفر لغالبية السجناء، خاصة السياسيين والدينيين. هذا التعميم خاطئ تحليليًا ومشكوك أخلاقيًا. فائزة رفسنجاني تستعرض أنها حتى في السجن كانت في "فندق"؛ والجمهور المستهدف ليس الشعب، بل من كانوا وراء اعتقالها، لتقول لهم: "عائلة رفسنجاني لديها القوة لتحويل "إيفين إلى فندق".
وبالنسبة للعديد من المعتقلين، بمن في ذلك الشباب، الذين اعتُقلوا بسبب نشاط مدني أو التعبير عن الرأي، فإن سجن "إيفين" بيئة منهكة ومهيّنة؛ حيث يشكل الضغط النفسي، وانعدام الأمان، وعدم الاستقرار جزءًا من التجربة اليومية.
فائزة هاشمي نفت استفادتها من "امتيازات خاصة" في السجن، بينما وصفتها السجينة السياسية السابق، آتنا دائمي، بـ "الكاذبة".
ماذا تقول التقارير عن واقع جناح النساء في "إيفين"؟
تقارير متعددة عن جناح النساء في "إيفين" تقدم صورة مختلفة: نقص في الخدمات الطبية، سوء الأوضاع الصحية، الضغط النفسي المستمر، انعدام الأمان، والإهانة النظامية. بالنسبة للعديد من النساء السجينات، يمثل الاحتجاز عقوبة مضاعفة مصحوبة بالإرهاق النفسي والجسدي.
أحد أفراد أسر السجينات علق بأن مواجهة الواقع الملموس للجناح، حتى بمشاهدة أبسط شروط المعيشة، كافية لفهم خطأ التعبير عن "فندق".
تجميل السجن وعواقبه
وصف السجن بـ "الفندق" ليس مجرد خطأ لفظي؛ بل يؤدي إلى تطبيع العنف البنيوي وتقليل الانتباه لانتهاكات حقوق السجناء السياسيين. في ظل تقارير عن زيادة الغرف الانفرادية وقيود الزيارات، يمكن أن تصرف هذه الروايات انتباه الرأي العام عن الواقع القائم.
والرواية السجنية تصبح موثوقة فقط إذا جاءت من السجناء وعائلاتهم، لا من موقف استثنائي. فابنة رفسنجاني لا يمكن أن تمثّل واقع "إيفين". لو كانت تعيش كما باقي السجناء، كان بالإمكان قبول كلامها، لكنها تؤكد أنها كانت في "فندق"، وليس في سجن.
والفارق بين "المرور عبر السجن" و"العيش في السجن" فارق حقيقي وحاسم. وبالنسبة للعديد من السجناء السياسيين، "إيفين" ليس فندقًا؛ بل مكان مصمم لممارسة ضغط مستمر وإرهاق الإنسان تدريجيًا. تجاهل هذه الحقيقة يعني تجاهل المعاناة اليومية المفروضة على السجناء.

كان الدفاع عن العقوبات وتقديس المعاناة الناجمة عنها، في الماضي، حكرًا على وعّاظ أيديولوجيين لا يفقهون في الاقتصاد، قبل أن يكشف اليوم تماهي شخصيات تنفيذية ودبلوماسية مع هذا الخطاب عن القطعة المفقودة في لغز الاقتصاد السياسي في إيران.
إن الإشادة بـ "بركات العقوبات" إعلان رسمي عن "تطبيع الفقر"؛ أي حالة لا تعود فيها العقوبات "أزمة قابلة للحل"، بل تتحول إلى أرضية ضرورية لبقاء طبقة ارتبطت مصالحها بتطبيع الأوضاع غير الطبيعية.
ما يُسمَع اليوم على ألسنة المسؤولين هو إعلان رسمي عن "تطبيع الفقر"؛ ووضع تصبح فيه العقوبات ليست "أزمة قابلة للحل"، بل باتت شرطًا لازمًا لحياة طبقة ربطت مصالحها بعَادية الظروف الاستثنائية.
في مطلع القرن العشرين، نشطت في الولايات المتحدة حركات دينية وأخلاقية ضد استهلاك الكحول. وكانت ترى في الكحول جذر الفقر والعنف والانحلال الأخلاقي. وأدّى ضغط هذه الجماعات في نهاية المطاف إلى إقرار "التعديل الثامن عشر للدستور"، الذي حظر إنتاج الكحول وبيعه ونقله بين عامي 1920 و1933 في أنحاء الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق التاريخي، لعب الوعّاظ والجماعات الدينية دورًا محوريًا، إذ مارسوا ضغوطًا على السياسيين عبر التظاهرات والوعظ في الكنائس، ومنحوا هذا القانون شرعية أخلاقية.
ولكن مع حظر الكحول، لم يختفِ الطلب، بل انتقل إلى السوق السوداء، ما أدى إلى ظهور طبقة من مهربي الكحول، كان أشهرهم "آل كابوني".
وحين كان الكحول قانونيًا، كانت هوامش الربح عادية، وتُفرض عليه الضرائب، وكانت الشركات القانونية تتنافس في إنتاجه وتوزيعه. غير أن الحظر أدّى إلى ارتفاع الأسعار، كما أن السلعة المحظورة لم تعد خاضعة للضرائب، فتضاعفت هوامش الربح في إنتاج الكحول وبيعه عدة مرات.
وفي عام 1983، تناول الاقتصادي بروس ياندل هذه المرحلة التاريخية في مقاله الشهير "المهربون والوعّاظ"، وشرح كيف أن الوعّاظ الدينيين ومهربي الكحول، رغم اختلاف دوافعهم، انتهوا إلى هدف مشترك: الفريق الأول بدافع الخلاص الأخلاقي، والفريق الثاني بدافع ملء الجيوب، كلاهما أراد استمرار الحظر والقيود.
وقد انبثقت "نظرية ياندل" من حقيقة تاريخية مفادها أن إقرار بنية قانونية معدومة الكفاءة والحفاظ عليها يتطلب دائمًا تحالفًا خفيًا: مجموعة تسعى لإقناع الناس بلغة الأخلاق ومنح البنية عديمة الكفاءة شرعية، ومجموعة أخرى تدعم تلك البنية من وراء الكواليس بالمال والقوة.
وإذا وضعنا تصريحات عباس عراقجي عن "بركات العقوبات" في إطار نظرية ياندل، تتضح الصورة بالكامل، مع فارق واحد: في النظام الإيراني، كثير من وعّاظ العقوبات هم أيضًا مستفيدون منها.
والسؤال هنا: ما هي هذه "البركات" اقتصاديًا ولصالح أي فئات؟
العقوبات بطبيعتها تخلق ندرة مصطنعة وأنظمة متعددة الأسعار. والفارق بين الريوع الحكومية والسعر الحقيقي يُوزّع بين المرتبطين بالسلطة.
وبذلك، يصبح تحديد الرابحين والخاسرين في النشاط الاقتصادي أكثر فأكثر مرهونًا بإرادة النظام.
وعندما تغادر الشركات الدولية إيران، تختفي المنافسة، وتتحول الشركات شبه الحكومية أو التابعة للسلطة إلى اللاعبين الوحيدين المسموح لهم بالاستيراد والإنتاج.
وبذريعة العقوبات والحرب الاقتصادية والأمن، يُخفّض مستوى الشفافية عمدًا، وتُصنّف المعلومات الاقتصادية كأسرار. ويُحتكر الوصول إلى القنوات المالية والتجارية من قِبل الموثوقين والموالين، ما يؤدي إلى القضاء على القطاع الخاص المستقل وروح المبادرة.
وترفع العقوبات كلفة التبادل في التجارة الخارجية، ويُحرَم البلد من الوصول إلى الشبكات المصرفية والائتمانية الدولية. وفي المقابل، تسيطر شبكة من الصرافين والشركات الوهمية والوسطاء على الاقتصاد تحت الأرض.
ويقتطع هؤلاء الوسطاء نسبة من كل معاملة تحت مسمى كلفة المخاطر أو كلفة الالتفاف على العقوبات. وهذه الكلفة الهائلة تُحمَّل في نهاية المطاف على المستهلك، أو تُدفع من جيوب الإيرانيين عبر الريوع الحكومية.
وفي ظل العقوبات، ترتفع مخاطر الاستثمار. فيغادر المستثمر الأجنبي والقطاع الخاص الحقيقي، غير القادرين على تحمّل هذه المخاطر. في المقابل، تملأ المؤسسات العسكرية وشبه الحكومية، التي تمتلك النفوذ السياسي والأمني، هذا الفراغ، وتنقل كلفة المخاطر إلى المجتمع.
ومع مرور الوقت، تهيمن هذه المؤسسات على كامل سلسلة التوريد في الاقتصاد، ويصبح بقاء إمبراطورياتها الاقتصادية مرهونًا باستمرار الأوضاع الأمنية والحربية.
وفي المحصلة، أفضت العقوبات في إيران إلى ظهور "مستفيد مؤسسي" من استمرار الأزمة. طبقة جديدة تدين بثروتها لانعدام الشفافية، والريع المرتبط بالعملة، والاحتكار الناتج عن العزلة. ولذلك، يواجه أي مسعى لرفع العقوبات مقاومةً شرسة من هذه الطبقة القوية.

أصبحت المقاهي، وأنماط الحياة الاجتماعية التي تشكّلت حولها، ساحة المواجهة الأحدث بين المتشددين في إيران، الذين باتوا يشعرون بأن سيطرتهم على السلوك اليومي للناس تتراجع وتفلت من أيديهم.
وبرز هذا التوتر هذا الأسبوع عندما هاجم سعيد جليلي، أحد أبرز وجوه التيار المتشدد للغاية في إيران، ثقافة المقاهي واعتبرها "مخططًا غربيًا" يهدف إلى تقويض مؤسسة الأسرة.
وقال جليلي: "إنهم يعرّفون ثلاثة فضاءات: السكن الجامعي، ومكان العمل، وفضاء ثالث، مثل المقهى للهروب من الوحدة. في هذا النموذج تفقد الأسرة معناها، وهذا يتعارض مع فلسفة الإسلام بشأن الزواج".
وبالنسبة للتيارات المحافظة، التي لطالما أصرت على الفصل الصارم بين الجنسين والتطبيق المتشدد للحجاب الإجباري، فإن انتشار المقاهي لا يمثل مجرد تغيّر في عادات الترفيه، بل يشير إلى تراجع سلطتها على كيفية تواصل الناس اجتماعيًا واستخدامهم للفضاء العام.
حتى في المعاقل الدينية
أفاد أشخاص زاروا إيران مؤخرًا بتوسع لافت في ثقافة المقاهي، بما في ذلك في مراكز دينية مثل "قم"، التي كانت تُعد تقليديًا من أكثر المدن مقاومة لمثل هذه التحولات الاجتماعية. ويشير محللون إلى أن هذا الاتجاه لا يعكس فقط تفضيلات الأجيال الجديدة، بل أيضًا الضغوط الاقتصادية.
وكتب موقع "جريان24" الإخباري: "في وقت أُلغيت فيه كثير من أشكال الترفيه التقليدية بسبب الصعوبات الاقتصادية، باتت المقاهي المكان الوحيد القادر على سد الفراغ الترفيهي لدى الشباب"، واصفًا هذه الظاهرة بنسخة من "تأثير أحمر الشفاه".
وكان انتشار المقاهي في مدن، مثل "قم" و"مشهد"، مقلقًا بشكل خاص للمتشددين للغاية.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أدان النائب المتشدد عن مدينة "قم" في البرلمان الإيراني، منان رئيسي، افتتاح مقهى جديد في المدينة، محذرًا من أن "الناس أنفسهم" سيتدخلون.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة من الحدث شبانًا وشابات يتواصلون اجتماعيًا في تجمع يقوده منسق موسيقي (دي جي)، وهي مشاهد أثارت غضب المحافظين في مدينة تضم أهم الحوزات العلمية الشيعية في إيران.
وأُغلق المقهى خلال يوم واحد فقط. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلن أحد أعضاء مجلس مدينة "قم" إلغاء رخصة المالك، ورفع دعاوى جنائية ضده بتهمة "الترويج للفساد الأخلاقي".
وتفاقم هذا القلق مع ما يراه المتشددون تراجعًا من قِبل السلطات عن تنفيذ قانون "الحجاب الإجباري"، الذي أقره البرلمان عام 2023، ثم جُمّد لاحقًا بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي، خشية ردود فعل شعبية واسعة.
المجتمع تجاوز هذا الخطاب
أثارت تصريحات جليلي موجة انتقادات واسعة في وسائل الإعلام الإيرانية وعلى منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر منتقدون أن هذه التصريحات تكشف عن فجوة متزايدة بين أيديولوجيا المتشددين وواقع الحياة اليومية للمجتمع.
ووصف رئيس التحرير السابق لموقع "قم نيوز"، سيد علي بورتباطبائي، ثقافة المقاهي بأنها "الكابوس الجديد لسعيد جليلي وأنصاره".
وقال: "إن جليلي لا يخشى المقاهي لأنه يعتقد أن الغرب يدمّر الأسرة، بل لأنه يرى فيها رمزًا لمجتمع لم يعد بحاجة إليه أو إلى أيديولوجيته، ولا يصوّت لها".
وذهب الخبير القانوني، محسن برهاني، إلى أبعد من ذلك، فكتب أن هذا النوع من التفكير "لا يمنح أي قيمة لحرية اختيار المواطنين"، مضيفًا أنه حتى الأنظمة الاستبدادية في الماضي لم تسعَ إلى تنظيم أو ضبط المقاهي.
وما تكشفه هذه السجالات لا يتعلق بالقهوة بقدر ما يتعلق بالسلطة. فمع تراجع آليات السيطرة التقليدية، اكتسبت أماكن تبدو عادية دلالة سياسية، لتتحول إلى مساحات يتجسد فيها- بهدوء وبوضوح- الصراع على مستقبل إيران الاجتماعي.

يتبع مقال وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، الأخير في مجلة "فورين أفيرز"، نمطًا مألوفًا في سردياته: إعادة صياغة تصعيد طهران العسكري وقمعها الداخلي؛ بوصفهما ردود فعل على الضغوط الخارجية، بدلاً من كونهما خيارات داخلية مقصودة.
ويجادل ظريف بأن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة علقت منذ فترة طويلة في دورة من "الأمننة"؛ حيث يرد كل طرف بشكل دفاعي على تصرفات الآخر.
وكتب أن إيران "أُجبرت" على إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري على التنمية، بسبب هجمات العراق وإسرائيل والولايات المتحدة.
غير أن هذا الطرح يقلل من دور إيران نفسها في تشكيل هذا المسار.
وعلى العكس من رواية ظريف، فقد اكتسب ميل النظام الإيراني نحو "الأمننة" الزائدة زخمًا بعد الحرب مع العراق، لا سيما في عهد الرئيس الراحل، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي ساهم في ترسيخ دور العسكر في السياسة والاقتصاد كركيزة لإعادة الإعمار والبقاء بعد الحرب.
مع ذلك، يُلقي ظريف بمسؤولية التطور غير المتوازن في إيران على الخارج.
ويُلقى باللوم على الضغوط الغربية، وليس على قرارات قيادة إيران، في نظام توسعت فيه برامج الصواريخ، بينما تراجعت قطاعات الرفاهية مثل الإسكان والتوظيف والرعاية الصحية.
والانطباع الذي يرسمه هو أن الأولويات الاستراتيجية لإيران فُرضت عليها بدلًا من أن تكون خيارًا لها.
ويقترح ظريف أيضًا أن تخفيف الضغط من واشنطن سيدفع طهران إلى خفض التصعيد، لكن هذا الادعاء يتناقض مع روايته الخاصة لما حدث بعد الاتفاق النووي لعام 2015.
فمن بين الإنجازات، التي كان ظريف يشير إليها كثيرًا، رفع العقوبات، ليس فقط عن البرنامج النووي الإيراني، بل أيضًا عن القيود المتعلقة بالسلاح، بما في ذلك العقوبات على "إيران إير"، ما سمح للخطوط الجوية الإيرانية بتحديث أسطولها.
ومع ذلك، حسب رواية ظريف، لم تؤدِ تسهيلات العقوبات إلى ضبط النفس.
وفي مقابلة عام 2021 مع الاقتصادي سعيد لیلاز، أقر ظريف بأن رحلات "إيران إير" استُخدمت من قِبل الحرس الثوري لنقل الأسلحة إلى سوريا، مع زيادة هذه الرحلات بشكل حاد بعد الاتفاق النووي. وعندما أبدى ظريف مخاوفه لقائد فيلق القدس حينها، قاسم سليماني، أجابه سليماني بأن "إيران إير أكثر أمانًا".
ووصف ظريف لاحقًا هذا الديناميك بـ "هيمنة ساحة المعركة على الدبلوماسية"، وهو اعتراف بأن القرارات الرئيسة بشأن التصعيد العسكري اتُخذت داخل هيكل السلطة الإيراني، وليست مفروضة من الخارج.
فعليًا، شهدت الفترة التي أعقبت الاتفاق النووي توسعًا في الاستثمار ببرامج الصواريخ وتعميق شبكة الوكلاء الإقليميين لإيران، بتمويل جزئي من الموارد الجديدة المتاحة.
ومع ذلك، يعرض ظريف في مقاله بمجلة "فورين أفيرز" (الشؤون الخارجية) زيادة تخصيب اليورانيوم وقمع الاحتجاجات الداخلية كاستجابات للضغوط الغربية، مجدّدًا بذلك نقل المسؤولية عن القمع العنيف بعيدًا عن النظام الإيراني.
وكتب: "لقد غذّت الأمننة الخارجية لإيران عاملاً موازيًا في الداخل؛ حيث تبنت الدولة نهجًا أكثر صرامة في التعامل مع التحديات الاجتماعية الداخلية، مستجيبةً إليها بقيود أشد".
وينطبق نمط مماثل على رواية ظريف لدور إيران في سوريا.
ففي المقابلة نفسها عام 2021، أشار إلى أن التدخل العسكري المباشر لإيران جاء بعد زيارة سليماني لموسكو، مؤطرًا التصعيد بوصفه نتاجًا لاستراتيجية روسية تقوض الاتفاق النووي، لا كقرار اتخذته قيادة إيران.
وغالبًا ما يغيب دور المرشد علي خامنئي والمؤسسات الأمنية الإيرانية عن هذا السرد.
ويمتد الميل إلى إخراج المسؤولية إلى الخارج ليشمل مجالات أخرى أيضًا.
فعقب الاتفاق النووي، رُفع الحجز عن أصول إيرانية وأُطلق سراح بعض مزدوجي الجنسية، ما رفع توقعات التهدئة. ومع ذلك، تلت ذلك موجة جديدة من اعتقالات مزدوجي الجنسية، وهو نمط يُنظر إليه على نطاق واسع كأداة ضغط متعمدة، وليس استجابة للضغط الخارجي.
ويصف مقال ظريف أيضًا الضربات الإسرائيلية في يونيو (حزيران) 2025 بأنها "غير مبررة"، دون الإشارة إلى عقود من الخطاب الرسمي الإيراني الداعي لتدمير إسرائيل أو توسع مجموعات الوكلاء المسلحة على حدودها.
كما يغيب السياق الأشمل للمواجهة الحالية- بما في ذلك هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إسرائيل، الذي أشاد به المسؤولون الإيرانيون.
ولقد أتيحت لإيران عدة فرص لكسر الدورة التي وصفها ظريف، منذ السنوات الأولى بعد الثورة، وحتى فترة ما بعد الاتفاق النووي. وفي كل مرة، اتخذت قيادتها قرارات عززت التصعيد العسكري والقمع بدلًا من الحد منهما.
والسؤال الذي يثيره مقال ظريف ليس ما إذا كانت الضغوط الخارجية مهمة.. بل لماذا يتم حذف الفاعلية الداخلية من السرد؟
