ويجادل ظريف بأن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة علقت منذ فترة طويلة في دورة من "الأمننة"؛ حيث يرد كل طرف بشكل دفاعي على تصرفات الآخر.
وكتب أن إيران "أُجبرت" على إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري على التنمية، بسبب هجمات العراق وإسرائيل والولايات المتحدة.
غير أن هذا الطرح يقلل من دور إيران نفسها في تشكيل هذا المسار.
وعلى العكس من رواية ظريف، فقد اكتسب ميل النظام الإيراني نحو "الأمننة" الزائدة زخمًا بعد الحرب مع العراق، لا سيما في عهد الرئيس الراحل، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي ساهم في ترسيخ دور العسكر في السياسة والاقتصاد كركيزة لإعادة الإعمار والبقاء بعد الحرب.
مع ذلك، يُلقي ظريف بمسؤولية التطور غير المتوازن في إيران على الخارج.
ويُلقى باللوم على الضغوط الغربية، وليس على قرارات قيادة إيران، في نظام توسعت فيه برامج الصواريخ، بينما تراجعت قطاعات الرفاهية مثل الإسكان والتوظيف والرعاية الصحية.
والانطباع الذي يرسمه هو أن الأولويات الاستراتيجية لإيران فُرضت عليها بدلًا من أن تكون خيارًا لها.
ويقترح ظريف أيضًا أن تخفيف الضغط من واشنطن سيدفع طهران إلى خفض التصعيد، لكن هذا الادعاء يتناقض مع روايته الخاصة لما حدث بعد الاتفاق النووي لعام 2015.
فمن بين الإنجازات، التي كان ظريف يشير إليها كثيرًا، رفع العقوبات، ليس فقط عن البرنامج النووي الإيراني، بل أيضًا عن القيود المتعلقة بالسلاح، بما في ذلك العقوبات على "إيران إير"، ما سمح للخطوط الجوية الإيرانية بتحديث أسطولها.
ومع ذلك، حسب رواية ظريف، لم تؤدِ تسهيلات العقوبات إلى ضبط النفس.
وفي مقابلة عام 2021 مع الاقتصادي سعيد لیلاز، أقر ظريف بأن رحلات "إيران إير" استُخدمت من قِبل الحرس الثوري لنقل الأسلحة إلى سوريا، مع زيادة هذه الرحلات بشكل حاد بعد الاتفاق النووي. وعندما أبدى ظريف مخاوفه لقائد فيلق القدس حينها، قاسم سليماني، أجابه سليماني بأن "إيران إير أكثر أمانًا".
ووصف ظريف لاحقًا هذا الديناميك بـ "هيمنة ساحة المعركة على الدبلوماسية"، وهو اعتراف بأن القرارات الرئيسة بشأن التصعيد العسكري اتُخذت داخل هيكل السلطة الإيراني، وليست مفروضة من الخارج.
فعليًا، شهدت الفترة التي أعقبت الاتفاق النووي توسعًا في الاستثمار ببرامج الصواريخ وتعميق شبكة الوكلاء الإقليميين لإيران، بتمويل جزئي من الموارد الجديدة المتاحة.
ومع ذلك، يعرض ظريف في مقاله بمجلة "فورين أفيرز" (الشؤون الخارجية) زيادة تخصيب اليورانيوم وقمع الاحتجاجات الداخلية كاستجابات للضغوط الغربية، مجدّدًا بذلك نقل المسؤولية عن القمع العنيف بعيدًا عن النظام الإيراني.
وكتب: "لقد غذّت الأمننة الخارجية لإيران عاملاً موازيًا في الداخل؛ حيث تبنت الدولة نهجًا أكثر صرامة في التعامل مع التحديات الاجتماعية الداخلية، مستجيبةً إليها بقيود أشد".
وينطبق نمط مماثل على رواية ظريف لدور إيران في سوريا.
ففي المقابلة نفسها عام 2021، أشار إلى أن التدخل العسكري المباشر لإيران جاء بعد زيارة سليماني لموسكو، مؤطرًا التصعيد بوصفه نتاجًا لاستراتيجية روسية تقوض الاتفاق النووي، لا كقرار اتخذته قيادة إيران.
وغالبًا ما يغيب دور المرشد علي خامنئي والمؤسسات الأمنية الإيرانية عن هذا السرد.
ويمتد الميل إلى إخراج المسؤولية إلى الخارج ليشمل مجالات أخرى أيضًا.
فعقب الاتفاق النووي، رُفع الحجز عن أصول إيرانية وأُطلق سراح بعض مزدوجي الجنسية، ما رفع توقعات التهدئة. ومع ذلك، تلت ذلك موجة جديدة من اعتقالات مزدوجي الجنسية، وهو نمط يُنظر إليه على نطاق واسع كأداة ضغط متعمدة، وليس استجابة للضغط الخارجي.
ويصف مقال ظريف أيضًا الضربات الإسرائيلية في يونيو (حزيران) 2025 بأنها "غير مبررة"، دون الإشارة إلى عقود من الخطاب الرسمي الإيراني الداعي لتدمير إسرائيل أو توسع مجموعات الوكلاء المسلحة على حدودها.
كما يغيب السياق الأشمل للمواجهة الحالية- بما في ذلك هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إسرائيل، الذي أشاد به المسؤولون الإيرانيون.
ولقد أتيحت لإيران عدة فرص لكسر الدورة التي وصفها ظريف، منذ السنوات الأولى بعد الثورة، وحتى فترة ما بعد الاتفاق النووي. وفي كل مرة، اتخذت قيادتها قرارات عززت التصعيد العسكري والقمع بدلًا من الحد منهما.
والسؤال الذي يثيره مقال ظريف ليس ما إذا كانت الضغوط الخارجية مهمة.. بل لماذا يتم حذف الفاعلية الداخلية من السرد؟