فهل حدث شرخ خفي؟ وهل تآكلت الثقة داخل هذه المنظومة؟
وحتى الآن، نُشرت تقارير عديدة عن المجزرة الدموية بحق الشعب الإيراني خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة.
وتؤكد معلومات وصلت إلى "إيران إنترناشيونال" مقتل ما لا يقل عن 12 ألف شخص، بينما تحدثت وسائل إعلام أخرى عن أرقام تصل إلى 20 ألف قتيل.
ولا يمكن الجزم بهذه الأرقام، في ظل القطع الكامل للإنترنت، حيث ينفذ النظام الإيراني عمليات القتل في ظلام تام. كما لا يُعرف عدد الجرحى الذين توفوا لاحقًا متأثرين بإصاباتهم.
وتحدثت تقارير أيضًا عن اعتقال 18 ألف شخص.
دائرة الحداد والغضب
يبلغ عدد سكان إيران، مع احتساب الإيرانيين في الخارج، نحو 90 مليون نسمة.
ومتوسط حجم الأسرة في إيران يقارب 3.2 فرد، ما يعني وجود نحو 28 مليون أسرة.
وفي ظل انقطاع الإنترنت، يصعب تقديم تحليل قاطع، لكن المعلومات الواردة تشير إلى أن مناطق واسعة من المحافظات الغربية شهدت احتجاجات خلال أول 13 يومًا، وهي مناطق تتميز بروابط عائلية قوية اجتماعيًا وثقافيًا.
وبالنظر إلى طبيعة العلاقات العاطفية داخل الأسرة الإيرانية، يمكن تقدير أن 10 إلى 15 أسرة من الدرجة الأولى والثانية (الوالدان، الزوج أو الزوجة، الأبناء، الإخوة، الأعمام، الأخوال، الأجداد…) تتأثر مباشرة بمقتل شخص واحد.
وعليه، فإن مقتل 12 ألف شخص قد يعني دخول ما بين 120 ألفًا و300 ألف أسرة في حداد مباشر، علمًا بأن ضحايا يناير (كانون الثاني) لم يموتوا وفاة طبيعية، بل قُتلوا.
وفي المناطق الأكثر التزامًا بالتقاليد، وكذلك في المدن؛ حيث تتسع دائرة الأصدقاء والمعارف، يتضاعف هذا الرقم بشكل أكبر.
حلقة الحداد داخل القوات المسلحة
إذا أخذنا هذا التقدير، فإن عدد المفجوعين قد يتراوح بين 380 ألفًا و960 ألف شخص، وهم أناس فقدوا أحباءهم بالقتل، لا بالحوادث أو المرض.
أما عدد أفراد القوات المسلحة في إيران، فرغم كونه سريًا، فإن التقديرات تشير إلى نحو 600 ألف عنصر. وغالبًا ما يتم تجنيد هؤلاء من شرائح أكثر تدينًا وأضعف اقتصاديًا.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، وانضمام القرى والمناطق المهمشة إلى جانب مراكز المدن- في مشهد يشبه نوفمبر (تشرين الثاني) الدامي 2019 ولكن على نطاق أوسع- يمكن تقدير أن ما بين 2600 و6400 عنصر مسلح كان لديهم بين أقاربهم قتيل واحد على الأقل من ضحايا يناير.
وإحصائيًا، يعني ذلك أن من بين كل 94 إلى 230 عنصرًا مسلحًا، يوجد شخص فقد قريبًا له.
لماذا الاستعانة بقوات قمع أجنبية؟
أكدت عدة وسائل إعلام دولية موثوقة وجود قوات شبه عسكرية ومرتزقة أجانب شاركوا في قمع الاحتجاجات، وهو ما أكده أيضًا شهود عيان داخل إيران تحدثوا عن وجود عناصر عراقية ولبنانية وأفغانية وباكستانية.
وكان النظام الإيراني يتباهى سابقًا بـ «حضوره الاستشاري» في الخارج، معتبرًا إياه دليل قوة.
لكن استخدام قوات أجنبية لقمع الإيرانيين يشكّل وصمة لا يمكن محوها بسهولة، حتى بالنسبة للنظام نفسه.
ويعكس هذا الخيار أولًا حالة اليأس لدى قادة النظام الإيراني، لكنه يحمل أيضًا دلالة أخطر:
إذا كان هناك 600 ألف عنصر مسلح موالٍ بالكامل ومستعد لإراقة الدماء، فلماذا الحاجة إلى المرتزقة؟
ورغم عمليات التدقيق العقائدي الصارمة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، فإن احتمال أن يكون هؤلاء العناصر قد تأثروا بمقتل أقاربهم أو معارفهم لا يمكن تجاهله، وهو ما قد يتحول إلى أزمة عميقة للنظام.
تصدع الولاء في المستويات الأدنى
يعتمد النظام في تجنيد قوات القمع على استغلال الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، ويُبقي هذه الهشاشة قائمة لضمان الولاء.
لكن معظم العناصر المتخصصة لا يملكون عقودًا دائمة، ومع تضخم يتجاوز 40 و50 في المائة، تأثرت معيشتهم بشدة.
ورغم تقديم حوافز محدودة كالسلال الغذائية، فإن القمع لم يعد مجزيًا اقتصاديًا، بينما تظل الروابط العائلية في المجتمع الإيراني عاملًا مؤثرًا.
وتشير تجارب سابقة إلى أن القيادة كانت تعتمد على إرسال قوات من مدن أخرى لقمع كل منطقة، ما يعكس إدراكها لخطورة العلاقات العائلية والمحلية.
عندما لا يصبح القتيل مجرد «جار»، بل قريبًا أو فردًا من العائلة، تصبح طاعة أوامر القتل أصعب بكثير.
الإنترنت لا يزال مقطوعًا، وما يجري في الأزقة والشوارع غير معروف بعد.
لكن المؤكد حتى الآن أن بلدًا بحجم إيران و600 ألف عنصر مسلح لا يحتاج إلى مرتزقة لقمع شعبه، إلا إذا كان الولاء قد بدأ يتصدع من الداخل.