الأصول الإيرانية المجمّدة حول العالم

برزت مسألة الوصول إلى الأصول المجمّدة كأحد المطالب الرئيسية لطهران في المفاوضات مع واشنطن، حيث يسعى المسؤولون الإيرانيون إلى الإفراج عن جزء على الأقل من عشرات المليارات من الدولارات المحتجزة في الخارج.

برزت مسألة الوصول إلى الأصول المجمّدة كأحد المطالب الرئيسية لطهران في المفاوضات مع واشنطن، حيث يسعى المسؤولون الإيرانيون إلى الإفراج عن جزء على الأقل من عشرات المليارات من الدولارات المحتجزة في الخارج.
ووفقًا لتقارير إعلامية حديثة، يناقش المفاوضون حزمة مالية تبلغ قيمتها نحو 12 مليار دولار، قد تصبح متاحة في حال التوصل إلى اتفاق أولي مع الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه القضية أهمية كبيرة؛ لأن الوصول حتى إلى جزء من الأموال المجمّدة يمكن أن يؤثر في سوق العملة الإيرانية، والواردات، والمالية الحكومية، والاقتصاد الإيراني بشكل عام.
ويقدّر المسؤولون الإيرانيون أن أكثر من 100 مليار دولار من الأصول لا تزال غير متاحة بسبب العقوبات والقيود المصرفية والنزاعات القانونية التي تراكمت على مدى عقود. ومع ذلك، فإن هذا المبلغ بأكمله لن يصبح متاحًا بالضرورة، حتى في حال التوصل إلى اتفاق، لأن بعض الأصول لا تزال عالقة في قضايا قضائية وقيود أخرى لا ترتبط بالعقوبات.
وسافر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، مؤخرًا إلى قطر؛ حيث أفادت تقارير بأن المباحثات تناولت مسألة الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة.
وقال عضو الفريق الإعلامي المرافق للوفد التفاوضي الإيراني، سعيد آجرلو، في مقابلة تلفزيونية يوم الثلاثاء 2 يونيو (حزيران)، إن المحادثات كانت ناجحة. وأضاف أنه بمجرد حصول اتفاق إطار على الموافقة النهائية، فإن جزءًا من الأصول الإيرانية المجمّدة سيصبح متاحًا للبنك المركزي الإيراني بطريقة يصعب التراجع عنها.
وأشار أيضًا إلى أن طهران تسعى للحصول على ضمانات تضمن استمرار الوصول إلى هذه الأموال، وربطت الإفراج عن الأصول بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
لماذا تكتسب هذه الأموال أهمية؟
يشكّل جزء كبير من الأصول الإيرانية المجمّدة عائدات نفطية تراكمت في بنوك أجنبية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي السابق (خطة العمل الشاملة المشتركة 2015) في عام 2018 وإعادة فرض عقوبات واسعة النطاق.
وقد جعلت العقوبات الثانوية من الصعب على الدول التي تشتري النفط الإيراني تحويل المدفوعات مباشرة إلى طهران، ما أدى إلى تراكم مبالغ ضخمة في حسابات خارجية.
ويقول اقتصاديون إن الوصول حتى إلى جزء من هذه الموارد قد يمنح الاقتصاد الإيراني دفعة كبيرة.
ومن أبرز الآثار الفورية لذلك زيادة احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، ما يعزز قدرته على إدارة تقلبات سعر الصرف. كما يمكن استخدام الأموال الإضافية في تمويل مشاريع البنية التحتية، وسداد التزامات الحكومة، ودعم استيراد السلع الأساسية والمعدات الصناعية والمواد الخام والتكنولوجيا اللازمة للصناعات المحلية.
كوريا الجنوبية
كانت كوريا الجنوبية تحتفظ بإحدى الكتل الكبيرة من الأموال الإيرانية المجمّدة.
فقد تراكم نحو 6 مليارات دولار من عائدات النفط في مصرفين كوريين جنوبيين قبل أن تُنقل إلى حسابات في قطر عام 2023 ضمن اتفاق لتبادل السجناء بين طهران وواشنطن.
ورغم أن المسؤولين الإيرانيين وصفوا الأموال آنذاك بأنها أُفرج عنها، فإن الوصول إليها ظل خاضعًا لقيود كبيرة، وبقيت الأموال إلى حد كبير خارج السيطرة المباشرة لطهران.
العراق
يمثل العراق مصدرًا رئيسيًا آخر للمطالبات المالية الإيرانية.
ويعود جزء كبير من هذه الأموال إلى مشتريات بغداد من الغاز الطبيعي والكهرباء الإيرانيين. وبينما لم يؤكد أي من الطرفين رقمًا محددًا بشكل علني، فقد كرر المسؤولون الإيرانيون القول إن المدفوعات المستحقة تبلغ عدة مليارات من الدولارات.
وقد استُخدم جزء من هذه الأموال بالفعل في شراء مواد إنسانية ضمن ترتيبات وافقت عليها الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن إيران قد تتمكن في نهاية المطاف من الوصول إلى ما بين 10 و12 مليار دولار محتجزة في العراق إذا جرى تخفيف القيود.
الصين والهند واليابان
تمثل الصين والهند حالة أكثر تعقيدًا؛ فالمسؤولون الإيرانيون غالبًا ما يتجنبون وصف الأموال الموجودة في هذين البلدين بأنها مجمّدة رسميًا، مؤكدين وجود آليات تسمح باستخدام جزء منها على الأقل في التجارة والاستيراد.
ومع ذلك، تبقى التحويلات المالية صعبة لأن البنوك والوسطاء الذين يسهّلون هذه العمليات يواجهون خطر التعرض للعقوبات الأميركية.
وتقدّر إيران الأموال الموجودة في الصين بعشرات المليارات من الدولارات، في حين يُعتقد أن الأموال الموجودة في الهند تبلغ نحو 7 مليارات دولار.
أما اليابان فتحتفظ أيضًا بأموال إيرانية مرتبطة بمبيعات النفط. وتتراوح التقديرات عادة بين 1.5 مليار و3 مليارات دولار، رغم أن الرقم الدقيق لا يزال غير واضح.
وقد سمحت السلطات اليابانية أحيانًا بإجراء مدفوعات محدودة للواردات الإنسانية أو لتسديد التزامات إيران تجاه المنظمات الدولية، لكن معظم هذه الأموال لا يزال غير متاح.
أوروبا
في أوروبا، تتوزع الأصول الإيرانية على عدة دول ومؤسسات مالية.
ولا يتحدد وضع هذه الأصول بالعقوبات فقط، بل أيضًا بالنزاعات القانونية والأحكام القضائية وقواعد مكافحة غسل الأموال.
وتُقدَّر قيمة الأصول الإيرانية المتأثرة بهذه العوامل بما يتراوح بين عدة مليارات من الدولارات وما يصل إلى 20 مليار دولار.
ومن أبرز القضايا القانونية نزاع يتعلق بمبلغ يتراوح بين 1.6 و2 مليار دولار مرتبط بحسابات تخص البنك المركزي الإيراني في لوكسمبورغ.
وقد ظلت هذه الأصول عالقة في دعاوى قضائية رفعها أصحاب أحكام صادرة عن محاكم أميركية يسعون للحصول على تعويضات مرتبطة بقضايا إرهاب.
وفي حين لا يزال الحجم الدقيق للأصول الإيرانية التي يمكن الإفراج عنها في نهاية المطاف غير واضح، فإن الوصول حتى إلى جزء منها قد يعزز احتياطيات إيران من النقد الأجنبي، ويخفف الضغوط على الواردات، ويوفر للحكومة هامشًا ماليًا مهمًا.
ولهذا السبب، أصبحت الأصول الإيرانية المجمّدة أحد أهم الملفات الاقتصادية في المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن.