إن إيقاع تصريحات ترامب بشأن إيران لا ينتمي إلى عالم السياسة الخارجية بقدر ما ينتمي إلى الثقافة التي شكّلت شخصيته قبل دخول المعترك السياسي بوقت طويل: عقارات نيويورك، ومعارك الصحف الصفراء، وسياسة حافة الهاوية العلنية التي يتم التعامل معها كفن أدائي.
وقد لا تأتي المقارنة الأقرب لهذا السلوك من عالم الدبلوماسية على الإطلاق، بل من مسرحية الكاتب الأميركي، ديفيد ماميت، الشهيرة "غلينغاري غلين روس" (Glengarry Glen Ross)، التي تقدم لوحة قاسية لثقافة مبيعات العقارات الأميركية؛ حيث لا تعود القوة للرجل الأكثر حكمة في الغرفة، بل للشخص الأكثر ضراوة من الناحية النفسية.
وفي المشهد الأكثر شهرة في هذه المسرحية، تظهر شخصية "بليك"، ذلك المفترس المؤسسي الأنيق الذي تُعامل ثقته وعدوانيته كشكل من أشكال الذكاء. إنه لا يبيع العقارات فحسب، بل يبيع القوة، والمكانة، ووهم الحصانة بحد ذاته.
وينحدر ترامب من هذه الثقافة تحديداً، ورغم أنه لم يبتكرها، إلا أنه خرج من رحمها.
ولذلك، من الصعب فهم نهج ترامب تجاه إيران من خلال الأطر التقليدية للسياسة الخارجية للحزب الجمهوري؛ لأن ترامب لا يتحدث تلك اللغة بغريزته، بل يتحدث لغة الصفقة، وتحديداً لغة صفقات نيويورك.
وبالنسبة للدبلوماسيين، فإن الثبات والاتساق يخلقان الاستقرار، بينما ينطوي الغموض على مخاطر. أما بالنسبة لترامب، فإن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته هو ورقة ضغط؛ فالمفاوضات عنده هي منافسة نفسية تصبح فيها الضغوط، والتوقيت، والانطباعات، والفرض، أدواتٍ للقوة.
في أسبوع ما، يبدو الاتفاق وشيكاً. وفي الأسبوع التالي، تواجه طهران عواقب كارثية إذا رفضت المطالب الأميركية. بالنسبة لصناع السياسات التقليديين، قد تبدو هذه التقلبات فوضوية، لكن أولئك المعتادين على ثقافة البيع الأمريكية الهجومية يدركون قواعد اللعبة: خلق حالة من الاستعجال، وزعزعة التوقعات، وإظهار القوة، وإبقاء الطرف الآخر في حالة من عدم اليقين.
ولكن غرائز ترامب لا ترتبط بالتجارة فحسب، بل بالأداء الاستعراضي أيضاً.
وتستعد الولايات المتحدة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم (FIFA) لعام 2026، وهي واحدة من أكبر الاستعراضات الدولية التي تقام على الأراضي الأميركية على الإطلاق. وابتداءً من شهر يونيو (حزيران) المقبل، ستنطلق البطولة عبر مدن متعددة أمام جمهور عالمي لا يُقاس بالملايين، بل بالمليارات.
وهذا السياق قد يساعد في تفسير الصبر الغريب الكامن في بعض تصريحاته الأخيرة بشأن إيران.
ففي منشور له على منصة "تروث سوشال"، يوم الأحد 24 مايو (أيار)، أصر ترامب على أنه لا ينبغي للمفاوضين "الاستعجال في التوصل إلى اتفاق" لأن "الوقت في صالحنا". وكتب أن الضغط على إيران سيظل قائماً حتى يتم "التوصل إلى اتفاق، واعتماده، وتوقيعه".
وبعبارة أخرى: "اجعلهم يوقعون على الخط المنقط".
لذا، قد لا تتعلق المفاوضات مع إيران بحل فوري بقدر ما تتعلق بإدارة حالة عدم الاستقرار إلى ما بعد المباراة النهائية لكأس العالم؛ وهو الاستعراض الضخم الذي يفهمه ترامب بغريزته.
إن أي تصعيد إقليمي أو انهيار للعملية الدبلوماسية في الأسابيع السابقة للبطولة من شأنه أن يهدد تحديداً الأجواء التي يثمِّنها ترامب أكثر من غيرها: صورة القوة الأمريكية والازدهار والسيطرة.
وهذا لا يعني أن المفاوضات غير جادة أو أن الاتفاق مستحيل. لكنه يشير إلى أنه يتعين على المراقبين توخي الحذر في تفسير كل إشارة علنية على أنها دليل على اختراق وشيك أو انهيار وشيك.
فهو ليس معارضاً من حيث المبدأ للتفاوض مع إيران؛ بل على العكس، يبدو منجذباً بشدة لاحتمالية التوصل إلى "صفقة كبرى". ومع ذلك، فإن ما يبحث عنه ليس مجرد اتفاق قابل للتطبيق، بل نصر واضح ودراماتيكي بما يكفي ليهيمن على العناوين الرئيسية، وبسيط بما يكفي لتسويقه سياسياً.
قد يكون هذا هو البعد الأميركي الأكثر وضوحاً في السياسة الخارجية لترامب: الاعتقاد بأن النجاح الجيوسياسي يجب أن يعمل أيضاً كعلامة تجارية (Branding). ترامب يريد امتلاك اللحظة بقدر ما يريد الصفقة نفسها؛ إنه يريد صورة الحل بحد ذاتها: عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، وتأطير التنازلات علناً على أنها انتصارات، واختزال التاريخ في لقطة فوتوغرافية.
لكن التاريخ نادراً ما يتوافق مع الغرائز المسرحية؛ فالسياسة الخارجية لا تنحني بسهولة مثل مفاوضات العقارات التجارية، لأن الدول ليست أصولاً متعثرة تنتظر إعادة الهيكلة.
إن النظام الإيراني يقيس بقاءه بشكل مختلف: فامتصاص الضغوط يمكن أن يصبح في حد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار.
ويمكن لأسلوب البيع والدعاية أن يصنع عناوين الأخبار، والضغط، وحتى الاختراقات المؤقتة. ولكن هناك أزمات تصطدم فيها الشخصية بالبنية في نهاية المطاف. قد يكون هذا هو الدرس الأكثر وضوحاً في مواجهة ترامب الطويلة وغير المنتهية مع طهران.
إن "فن الصفقة" يصبح أكثر تعقيداً بكثير عندما يرى الطرف الآخر الصراع كمسألة بقاء تاريخي، وعندما يكون الشيء الوحيد المشترك بين الجانبين هو شعور عميق بالمرارة وانعدام الثقة.
وسواء كان هناك "استحواذ عدائي" بعد كأس العالم أم لا، فإن الأمر يظل غير واضح. ولكن المرء لا يحتاج إلى أن يكون عبقرياً جيوسياسياً ليدرك المنطق الكامن وراء الضغوط، إذا كان يفهم الثقافة التي خرج منها ترامب.
وكما تقول شخصية بليك في رواية "غلينغاري غلين روس": "الشيء الوحيد الذي يهم في هذه الحياة هو أن تجعلهم يوقعون على الخط المنقط".