- أولاً: قد يتحدث الاقتصاديون عن معدلات النمو، أو التضخم، أو الاستثمار، ويتحدث السياسيون عن الأمن والاستقرار، لكن علماء الاجتماع يؤكدون منذ سنوات على حقيقة ثابثة: لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر في مسار النمو والاستقرار دون طبقة وسطى قوية، ومستقرة، ومطوّرة، وممتلئة بالأمل.
والطبقة الوسطى ليست مجرد مجموعة من الناس ذوي الدخل المتوسط؛ بل هي الحامل الأساسي لقيم مثل التعليم، والتخصص، والمشاركة المدنية، والأمل في المستقبل، والاستثمار في الأبناء، والإيمان بإمكانية التقدم من خلال الجهد الفردي. في الواقع، الطبقة الوسطى هي القوة التي تخلق التوازن بين الثراء والفقر، بين الدولة والمجتمع، وبين الأصالة والحداثة.
- ثانيًا: تقدم التقارير المنشورة في الأشهر الأخيرة صورة مقلقة عن الوضع المعيشي للأسر الإيرانية. فما كان يُعتبر يومًا مؤشرًا على الفقر المدقع، أصبح اليوم تجربة تعيشها أجزاء من الطبقة الوسطى.
إن عودة الشراء بالآجل (بالدَين)، وتسجيل الديون في دفاتر المتاجر المحلية، والإلغاء التدريجي للفواكه واللحوم والعديد من السلع الاستهلاكية من سلة الأسرة، وزيادة ظاهرة العمل في وظائف متعددة، والقلق الدائم من تكاليف السكن والعلاج والتعليم، لم تعد مجرد روايات تخص الطبقات منخفضة الدخل وحدهم. فالأجراء والموظفون الذين كانوا يروْن أنفسهم يومًا جزءًا من الطبقة الوسطى، عاجزون اليوم عن الموازنة بين دخلهم ومصاريفهم في نهاية الشهر.
وطهران، المدينة التي كانت لعقود رمزًا لتشكل الطبقة الوسطى في إيران، تعرض هذا التحول اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فالارتفاع الجنوني للإيجارات، وتراجع القدرة الشرائية، والهجرة القسرية للأسر نحو هوامش المدن (العشوائيات)، والإلغاء التدريجي للعديد من الأنماط الاستهلاكية، كلها ترسم صورة لمجتمع يتآكل عموده الفقري.
- ثالثًا: تُعد الطبقة الوسطى في جميع الدول المتقدمة المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية والسياسية. ويشكل المعلمون، والأطباء، والمهندسون، والصحافيون، وأساتذة الجامعات، والموظفون، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والمتخصصون، الجسم الأساسي لهذه الطبقة.
وتستثمر هذه المجموعة في التعليم أكثر من أي طبقة أخرى، وتدفع الضرائب، وتطالب بسيادة القانون، وتخطط للمستقبل. ولهذا السبب، يرى العديد من منظري العلوم السياسية أن الطبقة الوسطى هي الداعم الأكبر للإصلاحات التدريجية والاستقرار الاجتماعي.
وفي المجتمعات التي تقوى فيها الطبقة الوسطى، تُدار الخلافات عادة عبر الحوار، والانتخابات، والمؤسسات المدنية، والآليات القانونية. ولكن كلما ضعفت هذه الطبقة، يتجه المجتمع نحو الاستقطاب الحاد: أقلية ثرية، وأغلبية تزداد فقرًا يومًا بعد يوم. وفي مثل هذه الظروف، يخلي الأمل الاجتماعي مكانه لليأس، والهجرة، والغضب، وفقدان الثقة.
- رابعًا: لم تكن الثورة الإيرانية عام 1979 وليدة استياء الطبقات المحرومة فحسب؛ بل كان الطلاب، والمعلمون، والموظفون، والأكاديميون، والمتخصصون في الحواضر المدنية- أي جزء مهم من الطبقة الوسطى- من الفاعلين الأساسيين فيها. هذه الطبقة التي نمت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع التوسع في التعليم والتمدن، كانت تطالب بدور ومشاركة أكبر في تقرير المصير السياسي والاجتماعي للبلاد.
بعد الثورة، ولا سيما في العقود التي تلت الحرب، توسعت الطبقة الوسطى في إيران من حيث الديموغرافيا والتعليم، ولكن منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا، وضَعَ التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية والركود الاقتصادي جزءًا كبيرًا منها تحت ضغط شديد.
ونتيجة لذلك، واجهت الطبقة التي كانت يومًا محركًا للإصلاح والتغيير التدريجي، يأسًا اقتصاديًا واجتماعيًا متزايدًا. وإذا كانت مطالبها في احتجاجات 1999 و2009 تركزت في الغالب على الإصلاحات، فقد ظهرت في احتجاجات 2017، و2019، و2022 علامات واضحة على زيادة الشكوك في كفاءة الهياكل القائمة وطرح مطالب أكثر جذرية وبنيوية.
- خامسًا: يظهر إلقاء نظرة على الاحتجاجات، التي شهدتها إيران خلال العقود الأربعة الماضية، أن مكانة الطبقة الوسطى لعبت دورًا محوريًا في هذه التحولات.
في يوليو (تموز) 1999، كانت الاحتجاجات الطلابية تعبيرًا بالدرجة الأولى عن المطالب السياسية والمدنية للطبقة الوسطى الحضرية. حدثت هذه الاحتجاجات في حقبة لم تكن فيها الطبقة الوسطى قد عانت بعد من الانهيار الاقتصادي، لكنها كانت تطالب بمشاركة أكبر في المجال العام.
وفي عام 2009، أصبحت "الحركة الخضراء" ذروة الحضور السياسي للطبقة الوسطى؛ حيث شارك ملايين الطلاب، والمتخصصين، والموظفين، والفئات المتعلمة في هذه الحركة، التي يراها العديد من المحللين التحرك السياسي الأهم للطبقة الوسطى الإيرانية بعد الثورة.
ولكن في السنوات التالية، تغيرت طبيعة الاحتجاجات؛ فاحتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2017 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019، لم تتشكل حول مطالب سياسية بقدر ما كانت جذورها ضاربة في الأزمات الاقتصادية والمعيشية؛ حيث كان التضخم، والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، والشعور بالسقوط الاقتصادي، المحاور الأساسية للاستياء. هذا التحول أظهر أن الطبقة الوسطى الإيرانية لم تعد قلقة بشأن الحريات المدنية فحسب، بل باتت قلقة أيضًا على بقائها الاقتصادي.
كما جاءت احتجاجات عام 2022 في ظروف واجه فيها جزء كبير من المجتمع مزيجًا من الاستياء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو ما أثبت أن تآكل الطبقة الوسطى ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة متعددة الأبعاد.
وتستحق الاحتجاجات والاستياءات التي ظهرت 2025- 2026 الالتفات إليها أيضًا من هذا المنظور؛ إذ لا يمكن حتى الآن الحكم بيقين على قاعدتها الطبقية.
فخلافًا لبعض احتجاجات الماضي التي كان حضور طبقات أو مجموعات اجتماعية محددة فيها بارزًا، لا تتوفر بشأن التحولات الأخيرة بيانات وبحوث كافية لتقديم صورة قطعية. وما لوحظ حتى الآن يشير في الغالب إلى مشاركة وتعاطف من مختلف شرائح المجتمع؛ بدءًا من الفئات منخفضة الدخل والأجراء، وصولاً إلى أجزاء من الطبقة الوسطى التي واجهت في السنوات الأخيرة تراجعًا في القدرة الشرائية، وعدم يقين اقتصادي، وضيقًا في آفاق التقدم الاجتماعي. ولذلك، ربما لا يزال من المبكر تصنيف هذه الاحتجاجات بدقة، ويمكن القول فقط إنها انعكاس لاستياء عابر للحدود التقليدية للطبقات الاجتماعية.
- سادسًا: يظهر التاريخ المعاصر أن تآكل الطبقة الوسطى غالبًا ما يكون مقدمة لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وفي تونس، لم تكن احتجاجات عام 2010 نتيجة للفقر وحده؛ بل لعبت البطالة الواسعة بين الخريجين ويأس الطبقة الوسطى المتعلمة دورًا مهمًا في تشكيل الانتفاضة التي أدت إلى سقوط نظام زين العابدين بن علي. وفي مصر أيضًا، كان الشباب المتعلم وأعضاء الطبقة الوسطى الحضرية يشكلون جزءًا مهمًا من متظاهري ميدان التحرير عام 2011؛ وهو جيل شعر بفجوة عميقة بين تطلعاته والواقع الاقتصادي والسياسي.
وكانت الأرجنتين في عام 2001 نموذجًا آخر؛ حيث دفعت الأزمة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة بملايين الأشخاص من الطبقة الوسطى إلى ما تحت خط الفقر، مما فجر موجة من الاحتجاجات أدخلت البلاد في حالة عداء واستقرار سياسي واسع.
ولعل النموذج الأكثر تحذيرًا هو فنزويلا، التي تحولت في غضون بضعة عقود من مجتمع يمتلك واحدة من كبرى الطبقات الوسطى في أميركا اللاتينية، إلى بلد يعاني تضخمًا جامحًا، وهجرة ملايين السكان، وانهيار كامل للقدرة الشرائية للمواطنين. القاسم المشترك بين كل هذه التجارب واضح: كلما فقدت الطبقة الوسطى أملها في المستقبل، تحولت الأزمة الاقتصادية سريعًا إلى أزمة اجتماعية وسياسية.
- سابعًا: إن مراجعة تجارب إيران، وتونس، ومصر، والأرجنتين، وفنزويلا، تحمل رسالة مشتركة واحدة: تدخل المجتمعات في فترات شديدة التوتر عندما تعجز الطبقة الوسطى عن أداء دورها التاريخي.
والطبقة الوسطى ليست مجرد طبقة اقتصادية، بل هي مخزون الأمل الاجتماعي، ومحرك الإصلاحات، والعامل الأهم للاستقرار السياسي. هذه الطبقة تطالب عادة بتغييرات تدريجية، وإصلاحات هيكلية، وتحسين الظروف من داخل الأنظمة السياسية؛ ولذلك، وطالما كان هناك أفق للتحسن، فإنها تلعب دور "ممتص الصدمات" للأزمات، وتمنع راديكالية الفضاء السياسي.
ولكن عندما تقع هذه الطبقة تحت ضغوط اقتصادية مستمرة، وتفقد قدرتها الشرائية، وتعجز عن التخطيط للمستقبل، وتشعر بأن مسار التقدم الفردي والاجتماعي قد سُدّ، فإنها تفقد ثقتها تدريجيًا بالآليات القائمة. وفي هذه الحالة، تتغير طبيعة المطالب أيضًا.
وإذا كانت الاحتجاجات الطلابية في يوليو 1999 قد تشكلت بالدرجة الأولى حول الحريات المدنية والسياسية، وركزت الحركة الخضراء عام 2009 على المطالبة بإصلاح المسارات السياسية والانتخابية، فإن احتجاجات ديسمبر 2017 ونوفمبر 2019 كانت مؤشرًا على تحول مهم في المجتمع الإيراني؛ إذ انتقلت المطالب الاقتصادية، والاستياء من الوضع المعيشي، والشعور بالظلم الاجتماعي، إلى مركز الاحتجاجات. وللمرة الأولى منذ سنوات، تجاوزت شعارات قطاع من المحتجين إطار الإصلاحات، لتستهدف أصل هيكل الحكم.
واتسع نطاق هذا المسار في احتجاجات عام 2022؛ فما كان يطرح في الماضي كمطالبة بالإصلاح أو تغيير بعض السياسات، أفسح المجال في جزء من المجتمع لأسئلة أكثر جوهرية حول البنية السياسية، وطريقة الحكم، ومستقبل البلاد. بعبارة أخرى، فإن جزءًا من المجتمع الذي كان يأمل يومًا بالإصلاحات التدريجية، بات يساوره اليوم شكوك جدية في إمكانية تحقق هذه الإصلاحات.
وفي العديد من البلدان، من تونس ومصر إلى فنزويلا والأرجنتين، كان تآكل الطبقة الوسطى يتحول إلى أزمة ثقة قبل أن يكون أزمة اقتصادية. وعندما يشعر المواطنون بأن الجهد، والتعليم، والتخصص، والعمل، لم تعد قادرة على توفير حياة أفضل لهم، يتراجع الرأسمال الاجتماعي وتتسع الفجوة بين المجتمع والسلطة.
واليوم، لم تعد قضية الطبقة الوسطى في إيران مجرد موضوع اقتصادي، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل التنمية، والاستقرار الاجتماعي، والرأسمال الاجتماعي، والأفق السياسي للبلاد. ولم يعد السؤال الرئيسي مجرد ما إذا كان بإمكان الناس استعادة رفاهيتهم السابقة، بل هو: هل يمكن إحياء الثقة المفقودة والأمل في المستقبل؟
وتظهر التجربة التاريخية أنه كلما ضعفت الطبقة الوسطى، دخل المجتمع في مرحلة من عدم الاستقرار، والاستقطاب، وتصاعد التوترات السياسية؛ ولهذا السبب، فإن مصير الطبقة الوسطى ليس مجرد مصير شريحة اجتماعية، بل هو مصير مستقبل بلد بأكمله.