• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

انهيار "الطبقة الوسطى" في إيران

منصورة حسيني يغانه
منصورة حسيني يغانه

إيران إنترناشيونال

2 يونيو 2026، 18:00 غرينتش+1

من بين جميع المؤشرات المستخدمة لقياس سلامة أي مجتمع، ربما لا يوجد مؤشر يعكس واقع بلد ما ومستقبله كما يفعله وضع طبقته الوسطى، وهو ما ينطبق تمامًا على الوضع في إيران، ويتضح من خلال عدة زوايا كما يلي:


- أولاً: قد يتحدث الاقتصاديون عن معدلات النمو، أو التضخم، أو الاستثمار، ويتحدث السياسيون عن الأمن والاستقرار، لكن علماء الاجتماع يؤكدون منذ سنوات على حقيقة ثابثة: لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر في مسار النمو والاستقرار دون طبقة وسطى قوية، ومستقرة، ومطوّرة، وممتلئة بالأمل.

والطبقة الوسطى ليست مجرد مجموعة من الناس ذوي الدخل المتوسط؛ بل هي الحامل الأساسي لقيم مثل التعليم، والتخصص، والمشاركة المدنية، والأمل في المستقبل، والاستثمار في الأبناء، والإيمان بإمكانية التقدم من خلال الجهد الفردي. في الواقع، الطبقة الوسطى هي القوة التي تخلق التوازن بين الثراء والفقر، بين الدولة والمجتمع، وبين الأصالة والحداثة.

- ثانيًا: تقدم التقارير المنشورة في الأشهر الأخيرة صورة مقلقة عن الوضع المعيشي للأسر الإيرانية. فما كان يُعتبر يومًا مؤشرًا على الفقر المدقع، أصبح اليوم تجربة تعيشها أجزاء من الطبقة الوسطى.

إن عودة الشراء بالآجل (بالدَين)، وتسجيل الديون في دفاتر المتاجر المحلية، والإلغاء التدريجي للفواكه واللحوم والعديد من السلع الاستهلاكية من سلة الأسرة، وزيادة ظاهرة العمل في وظائف متعددة، والقلق الدائم من تكاليف السكن والعلاج والتعليم، لم تعد مجرد روايات تخص الطبقات منخفضة الدخل وحدهم. فالأجراء والموظفون الذين كانوا يروْن أنفسهم يومًا جزءًا من الطبقة الوسطى، عاجزون اليوم عن الموازنة بين دخلهم ومصاريفهم في نهاية الشهر.

وطهران، المدينة التي كانت لعقود رمزًا لتشكل الطبقة الوسطى في إيران، تعرض هذا التحول اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فالارتفاع الجنوني للإيجارات، وتراجع القدرة الشرائية، والهجرة القسرية للأسر نحو هوامش المدن (العشوائيات)، والإلغاء التدريجي للعديد من الأنماط الاستهلاكية، كلها ترسم صورة لمجتمع يتآكل عموده الفقري.

- ثالثًا: تُعد الطبقة الوسطى في جميع الدول المتقدمة المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية والسياسية. ويشكل المعلمون، والأطباء، والمهندسون، والصحافيون، وأساتذة الجامعات، والموظفون، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والمتخصصون، الجسم الأساسي لهذه الطبقة.

وتستثمر هذه المجموعة في التعليم أكثر من أي طبقة أخرى، وتدفع الضرائب، وتطالب بسيادة القانون، وتخطط للمستقبل. ولهذا السبب، يرى العديد من منظري العلوم السياسية أن الطبقة الوسطى هي الداعم الأكبر للإصلاحات التدريجية والاستقرار الاجتماعي.

وفي المجتمعات التي تقوى فيها الطبقة الوسطى، تُدار الخلافات عادة عبر الحوار، والانتخابات، والمؤسسات المدنية، والآليات القانونية. ولكن كلما ضعفت هذه الطبقة، يتجه المجتمع نحو الاستقطاب الحاد: أقلية ثرية، وأغلبية تزداد فقرًا يومًا بعد يوم. وفي مثل هذه الظروف، يخلي الأمل الاجتماعي مكانه لليأس، والهجرة، والغضب، وفقدان الثقة.

- رابعًا: لم تكن الثورة الإيرانية عام 1979 وليدة استياء الطبقات المحرومة فحسب؛ بل كان الطلاب، والمعلمون، والموظفون، والأكاديميون، والمتخصصون في الحواضر المدنية- أي جزء مهم من الطبقة الوسطى- من الفاعلين الأساسيين فيها. هذه الطبقة التي نمت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع التوسع في التعليم والتمدن، كانت تطالب بدور ومشاركة أكبر في تقرير المصير السياسي والاجتماعي للبلاد.

بعد الثورة، ولا سيما في العقود التي تلت الحرب، توسعت الطبقة الوسطى في إيران من حيث الديموغرافيا والتعليم، ولكن منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا، وضَعَ التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية والركود الاقتصادي جزءًا كبيرًا منها تحت ضغط شديد.

ونتيجة لذلك، واجهت الطبقة التي كانت يومًا محركًا للإصلاح والتغيير التدريجي، يأسًا اقتصاديًا واجتماعيًا متزايدًا. وإذا كانت مطالبها في احتجاجات 1999 و2009 تركزت في الغالب على الإصلاحات، فقد ظهرت في احتجاجات 2017، و2019، و2022 علامات واضحة على زيادة الشكوك في كفاءة الهياكل القائمة وطرح مطالب أكثر جذرية وبنيوية.

- خامسًا: يظهر إلقاء نظرة على الاحتجاجات، التي شهدتها إيران خلال العقود الأربعة الماضية، أن مكانة الطبقة الوسطى لعبت دورًا محوريًا في هذه التحولات.

في يوليو (تموز) 1999، كانت الاحتجاجات الطلابية تعبيرًا بالدرجة الأولى عن المطالب السياسية والمدنية للطبقة الوسطى الحضرية. حدثت هذه الاحتجاجات في حقبة لم تكن فيها الطبقة الوسطى قد عانت بعد من الانهيار الاقتصادي، لكنها كانت تطالب بمشاركة أكبر في المجال العام.
وفي عام 2009، أصبحت "الحركة الخضراء" ذروة الحضور السياسي للطبقة الوسطى؛ حيث شارك ملايين الطلاب، والمتخصصين، والموظفين، والفئات المتعلمة في هذه الحركة، التي يراها العديد من المحللين التحرك السياسي الأهم للطبقة الوسطى الإيرانية بعد الثورة.

ولكن في السنوات التالية، تغيرت طبيعة الاحتجاجات؛ فاحتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2017 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2019، لم تتشكل حول مطالب سياسية بقدر ما كانت جذورها ضاربة في الأزمات الاقتصادية والمعيشية؛ حيث كان التضخم، والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، والشعور بالسقوط الاقتصادي، المحاور الأساسية للاستياء. هذا التحول أظهر أن الطبقة الوسطى الإيرانية لم تعد قلقة بشأن الحريات المدنية فحسب، بل باتت قلقة أيضًا على بقائها الاقتصادي.

كما جاءت احتجاجات عام 2022 في ظروف واجه فيها جزء كبير من المجتمع مزيجًا من الاستياء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو ما أثبت أن تآكل الطبقة الوسطى ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة متعددة الأبعاد.

وتستحق الاحتجاجات والاستياءات التي ظهرت 2025- 2026 الالتفات إليها أيضًا من هذا المنظور؛ إذ لا يمكن حتى الآن الحكم بيقين على قاعدتها الطبقية.
فخلافًا لبعض احتجاجات الماضي التي كان حضور طبقات أو مجموعات اجتماعية محددة فيها بارزًا، لا تتوفر بشأن التحولات الأخيرة بيانات وبحوث كافية لتقديم صورة قطعية. وما لوحظ حتى الآن يشير في الغالب إلى مشاركة وتعاطف من مختلف شرائح المجتمع؛ بدءًا من الفئات منخفضة الدخل والأجراء، وصولاً إلى أجزاء من الطبقة الوسطى التي واجهت في السنوات الأخيرة تراجعًا في القدرة الشرائية، وعدم يقين اقتصادي، وضيقًا في آفاق التقدم الاجتماعي. ولذلك، ربما لا يزال من المبكر تصنيف هذه الاحتجاجات بدقة، ويمكن القول فقط إنها انعكاس لاستياء عابر للحدود التقليدية للطبقات الاجتماعية.

- سادسًا: يظهر التاريخ المعاصر أن تآكل الطبقة الوسطى غالبًا ما يكون مقدمة لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وفي تونس، لم تكن احتجاجات عام 2010 نتيجة للفقر وحده؛ بل لعبت البطالة الواسعة بين الخريجين ويأس الطبقة الوسطى المتعلمة دورًا مهمًا في تشكيل الانتفاضة التي أدت إلى سقوط نظام زين العابدين بن علي. وفي مصر أيضًا، كان الشباب المتعلم وأعضاء الطبقة الوسطى الحضرية يشكلون جزءًا مهمًا من متظاهري ميدان التحرير عام 2011؛ وهو جيل شعر بفجوة عميقة بين تطلعاته والواقع الاقتصادي والسياسي.

وكانت الأرجنتين في عام 2001 نموذجًا آخر؛ حيث دفعت الأزمة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة بملايين الأشخاص من الطبقة الوسطى إلى ما تحت خط الفقر، مما فجر موجة من الاحتجاجات أدخلت البلاد في حالة عداء واستقرار سياسي واسع.

ولعل النموذج الأكثر تحذيرًا هو فنزويلا، التي تحولت في غضون بضعة عقود من مجتمع يمتلك واحدة من كبرى الطبقات الوسطى في أميركا اللاتينية، إلى بلد يعاني تضخمًا جامحًا، وهجرة ملايين السكان، وانهيار كامل للقدرة الشرائية للمواطنين. القاسم المشترك بين كل هذه التجارب واضح: كلما فقدت الطبقة الوسطى أملها في المستقبل، تحولت الأزمة الاقتصادية سريعًا إلى أزمة اجتماعية وسياسية.

- سابعًا: إن مراجعة تجارب إيران، وتونس، ومصر، والأرجنتين، وفنزويلا، تحمل رسالة مشتركة واحدة: تدخل المجتمعات في فترات شديدة التوتر عندما تعجز الطبقة الوسطى عن أداء دورها التاريخي.

والطبقة الوسطى ليست مجرد طبقة اقتصادية، بل هي مخزون الأمل الاجتماعي، ومحرك الإصلاحات، والعامل الأهم للاستقرار السياسي. هذه الطبقة تطالب عادة بتغييرات تدريجية، وإصلاحات هيكلية، وتحسين الظروف من داخل الأنظمة السياسية؛ ولذلك، وطالما كان هناك أفق للتحسن، فإنها تلعب دور "ممتص الصدمات" للأزمات، وتمنع راديكالية الفضاء السياسي.
ولكن عندما تقع هذه الطبقة تحت ضغوط اقتصادية مستمرة، وتفقد قدرتها الشرائية، وتعجز عن التخطيط للمستقبل، وتشعر بأن مسار التقدم الفردي والاجتماعي قد سُدّ، فإنها تفقد ثقتها تدريجيًا بالآليات القائمة. وفي هذه الحالة، تتغير طبيعة المطالب أيضًا.

وإذا كانت الاحتجاجات الطلابية في يوليو 1999 قد تشكلت بالدرجة الأولى حول الحريات المدنية والسياسية، وركزت الحركة الخضراء عام 2009 على المطالبة بإصلاح المسارات السياسية والانتخابية، فإن احتجاجات ديسمبر 2017 ونوفمبر 2019 كانت مؤشرًا على تحول مهم في المجتمع الإيراني؛ إذ انتقلت المطالب الاقتصادية، والاستياء من الوضع المعيشي، والشعور بالظلم الاجتماعي، إلى مركز الاحتجاجات. وللمرة الأولى منذ سنوات، تجاوزت شعارات قطاع من المحتجين إطار الإصلاحات، لتستهدف أصل هيكل الحكم.

واتسع نطاق هذا المسار في احتجاجات عام 2022؛ فما كان يطرح في الماضي كمطالبة بالإصلاح أو تغيير بعض السياسات، أفسح المجال في جزء من المجتمع لأسئلة أكثر جوهرية حول البنية السياسية، وطريقة الحكم، ومستقبل البلاد. بعبارة أخرى، فإن جزءًا من المجتمع الذي كان يأمل يومًا بالإصلاحات التدريجية، بات يساوره اليوم شكوك جدية في إمكانية تحقق هذه الإصلاحات.

وفي العديد من البلدان، من تونس ومصر إلى فنزويلا والأرجنتين، كان تآكل الطبقة الوسطى يتحول إلى أزمة ثقة قبل أن يكون أزمة اقتصادية. وعندما يشعر المواطنون بأن الجهد، والتعليم، والتخصص، والعمل، لم تعد قادرة على توفير حياة أفضل لهم، يتراجع الرأسمال الاجتماعي وتتسع الفجوة بين المجتمع والسلطة.

واليوم، لم تعد قضية الطبقة الوسطى في إيران مجرد موضوع اقتصادي، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل التنمية، والاستقرار الاجتماعي، والرأسمال الاجتماعي، والأفق السياسي للبلاد. ولم يعد السؤال الرئيسي مجرد ما إذا كان بإمكان الناس استعادة رفاهيتهم السابقة، بل هو: هل يمكن إحياء الثقة المفقودة والأمل في المستقبل؟

وتظهر التجربة التاريخية أنه كلما ضعفت الطبقة الوسطى، دخل المجتمع في مرحلة من عدم الاستقرار، والاستقطاب، وتصاعد التوترات السياسية؛ ولهذا السبب، فإن مصير الطبقة الوسطى ليس مجرد مصير شريحة اجتماعية، بل هو مصير مستقبل بلد بأكمله.

الأكثر مشاهدة

"لسنا فئران تجارب".. احتجاجات طلابية في طهران بسبب شروط "امتحانات القبول الجامعي"
1

"لسنا فئران تجارب".. احتجاجات طلابية في طهران بسبب شروط "امتحانات القبول الجامعي"

2

"الثوري" الإيراني يهاجم الكويت والبحرين ويدعي ضرب الأسطول الأميركي الخامس.. و"سنتكوم" تنفي

3

قتيل و63 جريحًا في هجوم إيراني استهدف منشآت حيوية وبعثات دبلوماسية ومطار الكويت الدولي

4

وزير خارجية أميركا: رفع العقوبات عن إيران مرهون بتخليها عن "النووي" وليس بإعادة فتح "هرمز"

5

هددتها بالقصف والعقوبات.. "وول ستريت جورنال": أميركا تضغط على عُمان لقطع علاقاتها مع إيران

•
•
•

المقالات ذات الصلة

الإيرانيون يراهنون على "انفراجة" دبلوماسية لم تحدث بعد

1 يونيو 2026، 20:52 غرينتش+1
•
بهروز توراني
الإيرانيون يراهنون على "انفراجة" دبلوماسية لم تحدث بعد
100%

على الرغم من استمرار حالة الغموض بشأن نتائج المحادثات الإيرانية الأميركية، بدأت تظهر في الأسواق والنقاشات العامة والأوساط المرتبطة بالحكومة مؤشرات على أن بعض الإيرانيين يستعدون لانفراجة دبلوماسية محتملة.

وقد جاء أحد أوضح المؤشرات من سوق العقارات في إيران، والذي يُنظر إليه تقليديًا كأحد الملاذات الأكثر أمانًا لرؤوس الأموال خلال فترات عدم الاستقرار. ووفقًا لوسائل إعلام مقرها طهران، تم سحب عدد متزايد من العقارات المعروضة للبيع في الأيام الأخيرة.

وصرح وكلاء عقاريون لصحف محلية بأن العديد من الملاك وجهوا إليهم تعليمات بوقف عمليات البيع مؤقتًا، اعتقادًا منهم بأن خفض التصعيد واحتمال حدوث انفتاح دبلوماسي قد يدفع الأسعار نحو الارتفاع. كما تم الإبلاغ عن سلوك مماثل في أجزاء من سوق الإيجارات.

وأفادت صحيفة "شرق" الإيرانية بأن بعض الملاك كانوا يترددون سابقًا في البيع وسط الإشارات المتضاربة القادمة من واشنطن وحالة الغموض المحيطة بتصريحات الرئيس دونالد ترامب، خوفًا من تجدد التقلبات.

كما استجابت الأسواق المالية بدورها؛ إذ ساعدت التقارير الواردة من كلا الجانبين حول احتمال التوصل إلى مذكرة تفاهم في إنعاش المعنويات في بورصة طهران للأوراق المالية.

وتعززت التوقعات بشكل أكبر بعد أن توجه كبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي، عبد الناصر همتي إلى الدوحة؛ حيث تأمل طهران في تأمين الوصول إلى مليارات الدولارات من الأصول المجمدة.

وفي الوقت نفسه، بدأ بعض المحللين في مناقشة هيكلية الاتفاق المحتمل كما لو أن خطوطه العريضة بدأت تتشكل بالفعل.

ويجادل الدبلوماسي السابق، كوروش أحمدي، بأنه على الرغم من أن الاتفاق قد يعود بالنفع على إيران، خاصة إذا أدى إلى رفع العقوبات دون تقديم تنازلات نووية كبرى إضافية، إلا أن صيغة المرحلتين التي يتردد الحديث عنها تحمل مخاطر كبرى.

وحذر أحمدي من أن الاتفاق المرحلي قد يطيل أمد حالة الغموض، التي ألقت بظلالها على الاقتصاد الإيراني لسنوات، لأن نجاح التفاهم الأولي سيعتمد على التوصل إلى تسوية نووية لاحقة.

وقال أحمدي إن النهج الأكثر فاعلية كان ينبغي أن يكون "حزمة واحدة شاملة يتم التفاوض عليها خلال فترة محددة كتسوية نهائية تنهي 25 عامًا من الغموض بالنسبة لإيران وشعبها".

وزعم أيضًا أن الإطار الناشئ يشير إلى أن الهدف الأساسي لترامب لا يزال برنامج إيران النووي، وليس القضايا الأوسع مثل الصواريخ أو التحالفات الإقليمية.

وسواء ثبتت صحة هذه التقييمات أم لا، فقد ساهمت في تعزيز تصور متزايد بأن التوصل إلى اتفاق أضيق نطاقًا قد يكون قابللاً للتحقيق أكثر مما كان يُعتقد سابقًا.

كما فسر العديد من الناشطين ومحللي التكنولوجيا والمحللين السياسيين قرار الحكومة الأخير برفع الحظر المفروض على الإنترنت، والذي استمر لمدة 88 يومًا، بأنه مؤشر على أن المسؤولين يتوقعون فترة من تراجع حدة التوتر.

ومع ذلك، يرى بعض النقاد أن هذه الخطوة تهدف إلى تخفيف حدة الإحباط العام في لحظة سياسية حساسة، بينما يرى آخرون أنها تمهيد لتنازلات محتملة في المفاوضات مع واشنطن.

ومع ذلك، ينظر الكثير من الإيرانيين المهتمين بالسياسة إلى استعادة الاتصال بالإنترنت ليس كقرار تقني، بل كإشارة سياسية. وفي بيئة سياسية تُفحص فيها حتى التحولات الطفيفة في السياسات بدقة، عززت هذه الخطوة الانطباع بأن المسؤولين يعتقدون أن البلاد قد تدخل مرحلة أقل مواجهة.

ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه التوقعات مبررة أم لا، لكن الواضح هو أن العديد من الإيرانيين يتصرفون على نحو متزايد وكأن الانفتاح الدبلوماسي بات وشيكًا، حتى وإن لم يكن أحد مستعدًا للافتراض بأنه أمر مضمون.

اختباء مجتبى خامنئي وتداعياته على بنية اتخاذ القرار في إيران

28 مايو 2026، 14:14 غرينتش+1
•
كاميار بهرنك
اختباء مجتبى خامنئي وتداعياته على بنية اتخاذ القرار في إيران
100%

أثار تقرير شبكة "سي بي إس نيوز" نقلاً عن مسؤولين استخباراتيين أميركيين، بشأن اختباء المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، في مكان غير معلوم، واعتماده على رسل موثوقين للتواصل بدل وسائل الاتصال الحديثة، تساؤلات جدية حول كفاءة منظومة اتخاذ القرار والقيادة العسكرية والتماسك الداخلي للنظام.

ويقدّم التقرير الخاص لـ "سي بي إس نيوز"، نقلاً عن مسؤولين استخباراتيين أميركيين، صورة غير مسبوقة عن وضع الحلقة المركزية للسلطة في إيران، مشيرًا إلى أن مجتبى خامنئي، خوفًا من التهديدات الأمنية، قلّص بشكل كبير استخدامه لوسائل الاتصال الرقمية والإلكترونية، وأن تواصله مع العالم الخارجي وحتى مع بعض كبار مسؤولي النظام يتم عبر رسل موثوقين.

ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون بهدف حماية أمنه الشخصي، فإن انعكاساته على هيكل اتخاذ القرار في إيران، خصوصًا في ظل الحرب والأزمات الدبلوماسية، قد تكون كبيرة للغاية.

أزمة التأخير في القيادة واتخاذ القرار

في الأنظمة العسكرية والأمنية الحديثة، تُعد سرعة نقل المعلومات وإصدار الأوامر من العوامل الأساسية لإدارة الأزمات. ولذلك فإن تقييد اتصالات القائد أو الشخصية الموجودة على رأس هرم القرار يمكن أن يؤدي إلى اضطراب في عملية التقييم والاستجابة والتنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة.

وإذا كانت المعلومات المتعلقة بالتحركات العسكرية أو التهديدات الأمنية أو المقترحات الدبلوماسية تمر عبر وسطاء محدودين ورسل خاصين، فإن اتخاذ القرار على أعلى المستويات سيتعرض للتأخير، وهو تأخير قد يكون مكلفًا في ظروف الحرب.

ووفقًا للتقارير، قال بعض كبار مسؤولي النظام الإيراني إن المعلومات التي تصل إلى مجتبى خامنئي تأتي أحيانًا بعد فوات الوقت المؤثر، ما قد يضعف قدرة النظام على الرد السريع على التطورات العسكرية أو الأمنية أو الدبلوماسية.

مؤشر على قلق أمني عميق

يرى مراقبون أن بقاء مكان إقامة مجتبى خامنئي مجهولاً حتى بالنسبة لبعض كبار المسؤولين قد يكون مؤشرًا على وجود مخاوف جدية من الاختراق الأمني داخل بنية النظام الإيراني.

وخلال السنوات الأخيرة، أثارت العمليات التي أدت إلى مقتل شخصيات عسكرية وأمنية بارزة مرتبطة ببرامج حساسة في إيران تساؤلات كبيرة حول مدى اختراق أجهزة الاستخبارات الأجنبية للبنية الأمنية الإيرانية.

وفي هذا المناخ، قد يكون تقييد وصول المسؤولين إلى القائد الجديد أو الشخصية المحورية في اتخاذ القرار إجراءً يهدف إلى تقليل خطر الاغتيال أو الاختراق، لكنه في الوقت نفسه قد يضعف الثقة الداخلية بين مؤسسات الحكم.

فعندما لا يتيح رأس هرم السلطة لقادته ووزرائه ومديريه الكبار الوصول المباشر والطبيعي إليه، تصبح عملية التنسيق بين الأجهزة العسكرية والأمنية والدبلوماسية أكثر صعوبة، ويتحول اتخاذ القرار الجماعي إلى عملية بطيئة ومغلقة وغامضة.

تداعيات "العُزلة" على الدبلوماسية

تأتي هذه العُزلة في وقت تظهر فيه أيضًا مؤشرات على محاولات لإدارة الأزمة أو إجراء مفاوضات أو تبادل رسائل دبلوماسية. وفي مثل هذه الظروف، فإن أي تأخير في اتخاذ القرار قد يقيّد حركة المفاوضين الإيرانيين.

ففي المفاوضات الدولية، خصوصًا خلال الأزمات، يتطلب تعديل التفاصيل أو قبول المقترحات أو رفضها وتحديد حدود التنازل أو تقديم الامتيازات اتخاذ قرارات سريعة على أعلى المستويات.

وإذا كان القائد أو المرجعية النهائية للقرار يتلقى المعلومات عبر رسل محدودين وبفاصل زمني متأخر، فقد لا تتمكن فرق التفاوض من الرد في الوقت المناسب، ما قد يؤدي إلى تراجع المرونة الدبلوماسية وضياع الفرص السياسية.

الغياب عن المشهد العام وأزمة صورة القيادة

لطالما ركز النظام الإيراني على صورة القائد القوي والحاضر والحاسم، الذي يحدد من خلال خطاباته ورسائله وأوامره المباشرة مسار القوى الموالية للنظام في اللحظات الحرجة.

ولكن الغياب الطويل لمجتبى خامنئي عن الظهور العلني، وعدم نشر أي رسائل صوتية أو مصورة له، قد يضعف هذه الصورة. ففي وقت يواجه فيه النظام أزمات أمنية وضغوطًا خارجية وانقسامات داخلية، يمكن لغياب القائد الجديد عن المشهد أن يغذي الشائعات حول مدى سيطرته أو وضعه الصحي أو قدرته على اتخاذ القرار.

وبالنسبة للقوى العقائدية والقاعدة الموالية للنظام الإيراني، فإن الحضور المباشر للقائد وتلقي رسائل واضحة منه يشكلان جزءًا أساسيًا من آلية التماسك السياسي والنفسي. ومِن ثمّ فإن الغياب الطويل قد يؤدي إلى الارتباك والتردد وتراجع المعنويات داخل صفوف النظام.

قيادة من الظل وشلل بنيوي

قد يساعد الاختباء في مكان غير معلوم وقطع أو تقييد وسائل الاتصال الحديثة في تقليل المخاطر الأمنية المباشرة، لكنه من الناحية السياسية والإدارية يفرض كلفة كبيرة.

فهذا الوضع قد يدفع إيران نحو نوع من "القيادة من الظل"؛ قيادة محمية جسديًا لكنها أقل قدرة على الوصول المباشر والتفاعل العملي، ما يحدّ من قدرتها على إصدار أوامر سريعة ومنسقة.

ونتيجة لذلك، قد يواجه هيكل السلطة حالة من البطء والحذر المفرط وانعدام الثقة الداخلية بدل الحيوية وسرعة الاستجابة. وهنا بالتحديد يمكن أن تتحول العزلة الأمنية إلى نقطة ضعف استراتيجية.

ورغم أن تقرير "سي بي إس" يعرض جزءًا فقط من الواقع الداخلي للنظام، فإنه يكشف عن أزمة أعمق: نظام اضطر إلى إخفاء قائده لحمايته، لكن هذا الإخفاء نفسه قد يضعف قدرته على إدارة الحرب والدبلوماسية والأزمات الداخلية.

مفاوضات واشنطن وطهران بين ضغوط النفط والإنهاك الاقتصادي

26 مايو 2026، 21:52 غرينتش+1
•
دالغا خاتين أوغلو
مفاوضات واشنطن وطهران بين ضغوط النفط والإنهاك الاقتصادي
100%
ناقلة النفط "لوجياشان" وسفينة الشحن "غالاكسي غلوب" ترسوان في عرض البحر، بينما تتوعد إيران بإغلاق مضيق هرمز. مسقط- سلطنة عُمان، 9 مارس (آذار) 2026

بعد مرور أكثر من ستة أسابيع على تعطيل إيران للملاحة عبر مضيق هرمز وتحرك الولايات المتحدة لفرض حصار بحري على موانئها وسواحلها الجنوبية، يبدو أن المواجهة تدخل بشكل متزايد مرحلة جديدة: مفاوضات مدفوعة بالإنهاك.

وما بدأ كصدام عسكري وجيوسياسي تحول إلى صراع على التحمل الاقتصادي، وهو صراع لا تبدو إيران ولا الاقتصاد العالمي قادرين على تحمله إلى أجل غير مسمى.

وبعد أسابيع من التصعيد، استعادت الدبلوماسية زخمها؛ إذ تكثفت المحادثات التي تشارك فيها طهران وواشنطن ووسطاء إقليميون، في حين ألمح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مراراً إلى أن التوصل إلى اتفاق قد يكون قريباً.

وفي قلب المفاوضات الأخيرة تقبع مسألة الأصول الإيرانية المجمدة؛ إذ يطالب المسؤولون الإيرانيون بضمانات للوصول إلى مليارات الدولارات المحتجزة في الخارج قبل قبول أي تفاهم أولي، في حين تشير تقارير من طهران إلى أن قطر قد تكون بصدد استكشاف آليات مالية تسمح بتحويلات محدودة دون مدفوعات أميركية مباشرة إلى إيران.

الأسواق في "المنطقة الحمراء"

تعكس هذه الدبلوماسية الضغوط المتزايدة على كلا الجانبين. فقد حذر مدير وكالة الطاقة الدولية، في مايو (أيار) الجاري، من أنه ما لم يتم إحراز تقدم نحو إنهاء الأزمة مع إيران، فإن سوق النفط العالمية قد تدخل "المنطقة الحمراء" بحلول الصيف.

وبدءاً من منتصف مارس (آذار) الماضي- أي بعد نحو أسبوعين من تحرك إيران لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز- بدأت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية في السحب التدريجي من الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية لتعويض الانخفاض الحاد في صادرات الطاقة من الخليج. وبحسب تقديرات السوق، فقد تم بالفعل ضخ مئات الملايين من البراميل من المخزونات الطارئة في محاولة من الحكومات لاستقرار الأسعار ومنع حدوث صدمة أوسع في الإمدادات.

ولكن الاحتياطيات الاستراتيجية ليست غير محدودة. وحتى عند احتساب المخزونات التجارية، فإن جزءاً فقط من سعة تخزين النفط العالمية يمكن ضخه واقعياً في السوق؛ إذ إن جزءاً كبيراً من المخزونات العالمية مرتبطة بالبنية التحتية التشغيلية، كما تواجه العديد من الحكومات قيوداً قانونية وسياسية تحظر الاستنزاف الشديد للاحتياطيات الطارئة خارج ظروف الحرب.

الإنهاك الاقتصادي لطهران وواشنطن

أصبح هذا العبء مرئياً بشكل متزايد في جميع أنحاء الاقتصاد العالمي؛ حيث أدت أسعار الطاقة المرتفعة إلى إضعاف نمو الطلب وأثارت مخاوف الركود في الاقتصادات الكبرى، في حين يستمر اضطراب الشحن بالمنطقة الخليجية في ضخ حالة من التذبذب في الأسواق العالمية.

وفي المقابل، تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متصاعدة خاصة بها. فقد انخفضت صادرات النفط الخام والمشتقات البترولية- التي تشكل حصة الأسد من عائدات التصدير للبلاد- بشكل حاد تحت وطأة ظروف الحصار. كما واجهت منشآت الصلب والبتروكيماويات الإيرانية اضطرابات وهجمات متكررة خلال الصراع.

ووفقاً لتقديرات شركة "كبلر"، ‌لتحليلات الشحن البحري، فإن المخزون النفطي العائم لإيران بالقرب من مياه شرق آسيا قد انخفض بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، حيث تكافح طهران للحفاظ على صادراتها إلى الصين رغم القيود اللوجستية المتزايدة.

وتمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها خيارات تصعيد كبيرة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، في حين يبدو أن قدرة إيران على تحمل مواجهة مطولة مرتبطة بشكل متزايد بقدرتها على الاستمرار في تهديد طرق الشحن والاستقرار الإقليمي.

ومع ذلك، تواجه واشنطن أيضاً حدوداً لقدراتها؛ فأزمة الطاقة المطولة، وارتفاع أسعار النفط، والمخاوف من اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقاً، تشكل ضغوطاً متزايدة على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج لتأمين تفاهم مؤقت على الأقل مع طهران.

وهذا الضغط يفسر التجدد الطارئ والمستعجل المحيط بمحادثات الدوحة. وما يبدو واضحاً بشكل متزايد الآن هو أنه لا الاقتصاد الإيراني ولا الاقتصاد العالمي يمكنهما تحمل المسار الحالي لفترة أطول.

ولم يعد السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان الضغط الاقتصادي ملموساً أم لا، بل هو: هل ستجبر هذه الضغوط الأطراف على تقديم تنازلات قبل أن تؤدي أي حسابات خاطئة إلى جولة أخرى من التصعيد؟

بين ترامب وطهران.. كيف أصبح "عدم التوقيع" هو الاتفاق ذاته؟

25 مايو 2026، 20:57 غرينتش+1
•
كامبيز حسيني
بين ترامب وطهران.. كيف أصبح "عدم التوقيع" هو الاتفاق ذاته؟
100%
الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض (صورة أرشيفية)

ربما يمكن تفسير نهج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه إيران بشكل أفضل من خلال التوقيت السياسي لبطولة كأس العالم لكرة القدم، وثقافة إبرام الصفقات العقارية في نيويورك، القائمة على: الأداء الاستعراضي، والمماطلة، وأوراق الضغط، و"المشهدية الإبهارية".

إن إيقاع تصريحات ترامب بشأن إيران لا ينتمي إلى عالم السياسة الخارجية بقدر ما ينتمي إلى الثقافة التي شكّلت شخصيته قبل دخول المعترك السياسي بوقت طويل: عقارات نيويورك، ومعارك الصحف الصفراء، وسياسة حافة الهاوية العلنية التي يتم التعامل معها كفن أدائي.

وقد لا تأتي المقارنة الأقرب لهذا السلوك من عالم الدبلوماسية على الإطلاق، بل من مسرحية الكاتب الأميركي، ديفيد ماميت، الشهيرة "غلينغاري غلين روس" (Glengarry Glen Ross)، التي تقدم لوحة قاسية لثقافة مبيعات العقارات الأميركية؛ حيث لا تعود القوة للرجل الأكثر حكمة في الغرفة، بل للشخص الأكثر ضراوة من الناحية النفسية.

وفي المشهد الأكثر شهرة في هذه المسرحية، تظهر شخصية "بليك"، ذلك المفترس المؤسسي الأنيق الذي تُعامل ثقته وعدوانيته كشكل من أشكال الذكاء. إنه لا يبيع العقارات فحسب، بل يبيع القوة، والمكانة، ووهم الحصانة بحد ذاته.

وينحدر ترامب من هذه الثقافة تحديداً، ورغم أنه لم يبتكرها، إلا أنه خرج من رحمها.

ولذلك، من الصعب فهم نهج ترامب تجاه إيران من خلال الأطر التقليدية للسياسة الخارجية للحزب الجمهوري؛ لأن ترامب لا يتحدث تلك اللغة بغريزته، بل يتحدث لغة الصفقة، وتحديداً لغة صفقات نيويورك.

وبالنسبة للدبلوماسيين، فإن الثبات والاتساق يخلقان الاستقرار، بينما ينطوي الغموض على مخاطر. أما بالنسبة لترامب، فإن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته هو ورقة ضغط؛ فالمفاوضات عنده هي منافسة نفسية تصبح فيها الضغوط، والتوقيت، والانطباعات، والفرض، أدواتٍ للقوة.

في أسبوع ما، يبدو الاتفاق وشيكاً. وفي الأسبوع التالي، تواجه طهران عواقب كارثية إذا رفضت المطالب الأميركية. بالنسبة لصناع السياسات التقليديين، قد تبدو هذه التقلبات فوضوية، لكن أولئك المعتادين على ثقافة البيع الأمريكية الهجومية يدركون قواعد اللعبة: خلق حالة من الاستعجال، وزعزعة التوقعات، وإظهار القوة، وإبقاء الطرف الآخر في حالة من عدم اليقين.

ولكن غرائز ترامب لا ترتبط بالتجارة فحسب، بل بالأداء الاستعراضي أيضاً.

وتستعد الولايات المتحدة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم (FIFA) لعام 2026، وهي واحدة من أكبر الاستعراضات الدولية التي تقام على الأراضي الأميركية على الإطلاق. وابتداءً من شهر يونيو (حزيران) المقبل، ستنطلق البطولة عبر مدن متعددة أمام جمهور عالمي لا يُقاس بالملايين، بل بالمليارات.

وهذا السياق قد يساعد في تفسير الصبر الغريب الكامن في بعض تصريحاته الأخيرة بشأن إيران.

ففي منشور له على منصة "تروث سوشال"، يوم الأحد 24 مايو (أيار)، أصر ترامب على أنه لا ينبغي للمفاوضين "الاستعجال في التوصل إلى اتفاق" لأن "الوقت في صالحنا". وكتب أن الضغط على إيران سيظل قائماً حتى يتم "التوصل إلى اتفاق، واعتماده، وتوقيعه".

وبعبارة أخرى: "اجعلهم يوقعون على الخط المنقط".

لذا، قد لا تتعلق المفاوضات مع إيران بحل فوري بقدر ما تتعلق بإدارة حالة عدم الاستقرار إلى ما بعد المباراة النهائية لكأس العالم؛ وهو الاستعراض الضخم الذي يفهمه ترامب بغريزته.

إن أي تصعيد إقليمي أو انهيار للعملية الدبلوماسية في الأسابيع السابقة للبطولة من شأنه أن يهدد تحديداً الأجواء التي يثمِّنها ترامب أكثر من غيرها: صورة القوة الأمريكية والازدهار والسيطرة.

وهذا لا يعني أن المفاوضات غير جادة أو أن الاتفاق مستحيل. لكنه يشير إلى أنه يتعين على المراقبين توخي الحذر في تفسير كل إشارة علنية على أنها دليل على اختراق وشيك أو انهيار وشيك.

فهو ليس معارضاً من حيث المبدأ للتفاوض مع إيران؛ بل على العكس، يبدو منجذباً بشدة لاحتمالية التوصل إلى "صفقة كبرى". ومع ذلك، فإن ما يبحث عنه ليس مجرد اتفاق قابل للتطبيق، بل نصر واضح ودراماتيكي بما يكفي ليهيمن على العناوين الرئيسية، وبسيط بما يكفي لتسويقه سياسياً.

قد يكون هذا هو البعد الأميركي الأكثر وضوحاً في السياسة الخارجية لترامب: الاعتقاد بأن النجاح الجيوسياسي يجب أن يعمل أيضاً كعلامة تجارية (Branding). ترامب يريد امتلاك اللحظة بقدر ما يريد الصفقة نفسها؛ إنه يريد صورة الحل بحد ذاتها: عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، وتأطير التنازلات علناً على أنها انتصارات، واختزال التاريخ في لقطة فوتوغرافية.

لكن التاريخ نادراً ما يتوافق مع الغرائز المسرحية؛ فالسياسة الخارجية لا تنحني بسهولة مثل مفاوضات العقارات التجارية، لأن الدول ليست أصولاً متعثرة تنتظر إعادة الهيكلة.

إن النظام الإيراني يقيس بقاءه بشكل مختلف: فامتصاص الضغوط يمكن أن يصبح في حد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار.

ويمكن لأسلوب البيع والدعاية أن يصنع عناوين الأخبار، والضغط، وحتى الاختراقات المؤقتة. ولكن هناك أزمات تصطدم فيها الشخصية بالبنية في نهاية المطاف. قد يكون هذا هو الدرس الأكثر وضوحاً في مواجهة ترامب الطويلة وغير المنتهية مع طهران.

إن "فن الصفقة" يصبح أكثر تعقيداً بكثير عندما يرى الطرف الآخر الصراع كمسألة بقاء تاريخي، وعندما يكون الشيء الوحيد المشترك بين الجانبين هو شعور عميق بالمرارة وانعدام الثقة.

وسواء كان هناك "استحواذ عدائي" بعد كأس العالم أم لا، فإن الأمر يظل غير واضح. ولكن المرء لا يحتاج إلى أن يكون عبقرياً جيوسياسياً ليدرك المنطق الكامن وراء الضغوط، إذا كان يفهم الثقافة التي خرج منها ترامب.

وكما تقول شخصية بليك في رواية "غلينغاري غلين روس": "الشيء الوحيد الذي يهم في هذه الحياة هو أن تجعلهم يوقعون على الخط المنقط".

خطاب النظام الإيراني.. "متجر صغير" لبيع الرعب وصناعة الوهم

21 مايو 2026، 21:37 غرينتش+1
•
حسين ذوقي
خطاب النظام الإيراني.. "متجر صغير" لبيع الرعب وصناعة الوهم
100%

في وقت يقترب فيه النظام الإيراني من فشل شبه كامل على المستويين الداخلي والخارجي، يعتمد تكتيكه على تقليد فقهي قديم: خطاب التهديد والاستعراض.

تصريحات رجال الدين الحادة في التجمعات الليلية، والبيانات التلفزيونية للمسؤولين من المستويات المتوسطة وصولاً إلى الخطابات الرسمية لكبار المسؤولين في المفاوضات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي النهاية الرسائل المكتوبة للمرشد الأعلى للنظام، كلها تستند إلى هذا الأسلوب.

قصة "أشعلت النار في رأسمالي" معروفة: بائع في السوق تعثّر عمله وتكدست بضاعته، فيرسل مساعده إلى السوق وهو يحمل غالون نفط ليصرخ: "صاحب المتجر فقد عقله، يريد أن يحرق كل شيء!".

فيهرع الناس خوفًا طمعًا في البضائع الرخيصة، بينما يصرخ البائع نفسه: "سأحرق كل شيء…" حتى تُباع البضائع بسعر أعلى.

والآن يبدو أن النظام الإيراني يستخدم التهديد والاستعراض بطريقة مشابهة لبيع أفكاره داخليًا وإقليميًا وعالميًا.

من على المنابر، يهدد رجال الدين المعارضين في الداخل بالموت. وفي الخارج يهدد نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، محمود نبويان، حكام الدول العربية قائلاً إن "لا قصر سيبقى سالمًا".

ويتحدث وزير الخارجية، عباس عراقجي، على شبكات التواصل عن "رد طويل ومؤلم".

يستخدم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لغة استعراضية حتى في المؤتمرات الدبلوماسية.

ويتحدث رئيس القضاء غلام حسين محسني إيجئي عن "عدم القابلية للفرض".

وأما القائد السابق في الحرس الثوري، حسين كنعاني مقدم، فيعترف بأن "خطاب التهديد هو أحد أساليب مواجهة العدو".

وهكذا أصبحت مؤسسات النظام تتحدث بلغة واحدة؛ وهذا ليس مصادفة، بل أسلوب حكم.

الأساس الفقهي
خلف هذا الخطاب يوجد إطار فقهي-أيديولوجي يرتكز على أن: إخافة العدو تُعد بحد ذاتها نوعًا من النصر.

وخلال الحرب الإيرانية- العراقية، أعادت شخصيات، مثل المنشد الإيراني الشهير، صادق آهنكران، ورجل الدِين، غلام علي سبزواري، إحياء هذا الأسلوب عبر مكبرات الصوت في الجبهات، وأصبح جزءًا رسميًا من الحرب.

كان دور "المُنشِد الاستعراضي" حينها محدودًا في الجبهات أو الخطاب الداخلي. أما اليوم فقد خرج هذا الأسلوب من إطاره السابق وانتشر في كل مؤسسات النظام.

وحين يتحول وزير الخارجية إلى خطاب تهديد على منصة "إكس"، فإن الاستعراض يحل محل الدبلوماسية.

وحين يهدد نائب في البرلمان قادة الدول الأخرى بدلاً من الحديث عن التشريع والميزانية، يصبح الاستعراض بديلاً عن العمل البرلماني.

وحين يتحدث رئيس القضاء بلغة تهديد بدلاً من الحديث عن القضايا والأحكام، يتحول القضاء نفسه إلى خطاب استعراضي.

وحتى فريق التفاوض يستخدم اللغة نفسها المستخدمة في المنابر.

وهكذا أصبح الاستعراض لغة النظام المشتركة، وليس مجرد أداة.

خلل خلف الخطاب

لكن لماذا وصل النظام إلى هذا الأسلوب؟

الإجابة بسيطة: لأنه لم يعد يملك شيئًا آخر. إنه يشبه البائع المتعثر الذي فقد كل شيء.

نظام فشل في الدبلوماسية، وفي الاقتصاد، وفي التفوق العسكري، وفي كسب المجتمع، ولم يبقَ له سوى التهديد.

يرسل أفراده في كل اتجاه ليصرخوا: "صاحب المتجر فقد عقله!".

ويعتقد النظام أن التهديد يخفي ضعفه، لكن الخوف سلاح ذو حدين. فكلما زاد التهديد، لا يرى الناس قوة بل ضعفًا متزايدًا.

وفي إيران 2026، مع تضخم مرتفع، وبطالة واسعة، وانقطاع الإنترنت، واقتصاد على حافة الانهيار، لم تعد التهديدات تثير الخوف، بل أصبحت أقرب إلى كوميديا سوداء تثير السخرية.