كيف تعرقل الصراعات الداخلية "المزمنة" في إيران الدبلوماسية باستمرار؟

مع تلاشي الآمال في المحادثات مع الولايات المتحدة، يبدو أن الصراعات الداخلية المزمنة في إيران قد أعاقت مرة أخرى "فتحًا دبلوماسيًا"، حتى قبل أن يبدأ بشكل فعلي.
صحفي

مع تلاشي الآمال في المحادثات مع الولايات المتحدة، يبدو أن الصراعات الداخلية المزمنة في إيران قد أعاقت مرة أخرى "فتحًا دبلوماسيًا"، حتى قبل أن يبدأ بشكل فعلي.
ومع تذبذب فرص المفاوضات، عززت الإشارات المتناقضة من طهران نمطًا مألوفًا: حيث تتغلب التنافسات الداخلية بشكل روتيني على الانضباط في لحظات تتطلب التماسك.
وأفاد موقع "أكسيوس"، يوم الأربعاء 4 فبراير (شباط)، بأن المحادثات المخطط لها يوم الجمعة المقبل، لم تعد متوقعة، في حين ذهبت القناة 12 الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، مستشهدة بمسؤولين قالوا إن المفاوضات أُلغيت بالكامل.
ولم يؤكد المسؤولون الإيرانيون والأميركيون هذه الأنباء علنًا، لكن هذا الاتجاه كان واضحًا بلا شك.
وتبع ذلك أيام من الخلاف العلني داخل المؤسسة السياسية الإيرانية.
فبعد أن قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إنه "أصدر أمره" لوزير الخارجية، عباس عراقجي، بالسفر إلى تركيا لمناقشة ترتيبات المحادثات، هاجم النائب المتشدد أمير حسين سابتي الخطوة في منشور على شبكة "إكس".
وقال سابتي: "السيد عراقجي، شعبنا ينتظر عملاً استباقيًا ضد العدو، وليس مفاوضات. وقد قمت بالذهاب إلى تركيا؟!".
وتجاهلت هذه التصريحات- أو عمّدت إلى طمس- الحقيقة بأن القرارات المتعلقة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة تتخذ من قِبل المرشد الإيراني، وليس الرئيس. كما أنها أبرزت كيف تُستخدم الدعوات للتصعيد غالبًا كوسيلة لتثبيت موقع الفصيل السياسي، بغض النظر عن المخاطر التي قد تجلبها هذه الخطابات.
وتلا ذلك حدث ثانٍ حين استهدف النائب المتشدد، حامد رسائي، نائب الرئيس مجمد جعفر قائم بناه عبر منشور على منصة "إكس"، ردًا على رسالة بزشكيان عن رحلة عراقجي.
بعد أن كتب قائم بناه: "لا حرب جيدة، ولا سلام يعني بالضرورة استسلامًا"، شكك رسائي في ولائه وأشار إلى نجله المقيم في الولايات المتحدة، وصدّر الهجوم بلغة دينية.
وهذه التبادلات ليست استثناءً؛ فالصراع بين الفصائل متأصل في النظام الإيراني، منذ تأسيسه.
وتحولت الصراعات المبكرة بين الليبراليين الإسلاميين والأصوليين الدينيين لاحقًا إلى منافسات بين الفصائل الدينية، ثم إلى تنافس بين الإصلاحيين والمحافظين، ومنذ منتصف العقد الأول من 2000، ظهر انقسام أشد بين المتشددين والمعتدلين.
ولسنوات، عمل المرشد الإيراني كوسيط بين هذه المعسكرات، محافظًا على درجة من التماسك السياسي. ومع تمركز السلطة بشكل أكبر وتشديد التحالفات، ضعفت هذه الوظيفة الموازنة.
وأظهرت المصالح المتجذرة في النظام مرارًا استعدادها لإعاقة- وفي أحيان أحيانًا تخريب- العمليات الدبلوماسية، بدل السماح للخصوم بالاستفادة من الانخراط مع واشنطن.
وكما لاحظ العديد من المعلقين، بمن فيهم الرئيس الأسبق حسن روحاني، فإن أقوى مقاومة للمفاوضات غالبًا ما لم تأتِ من رفض مبدئي للدبلوماسية، بل من الخوف على من سيستفيد سياسيًا إذا نجحت المفاوضات.
والنتيجة هي نمط متكرر، حيث تنهار المفاوضات ليس فقط تحت الضغط الخارجي، بل تحت وطأة الصراعات الداخلية الإيرانية نفسها.


تُظهر الروايات الواردة عن قمع احتجاجات مدينة دزفول، جنوب غرب إيران، في ليلتي 8 و9 يناير (كانون الثاني) أن سلطات النظام كانت قد خططت مسبقًا لقتل المتظاهرين.
وبحسب هذه الشهادات والأدلة المصوّرة المنشورة، فإن القمع في الليلة الثانية بلغ حدًا جعل أحد المتظاهرين يقول: "كان عناصر الأمن يحاولون قتل أكبر عدد ممكن".
وروى هذا المتظاهر، الذي فقد عددًا من أصدقائه وأقاربه نتيجة إطلاق النار المباشر من قِبل قوات الحرس الثوري خلال قمع الاحتجاجات في دزفول وأنديمشك، لـ "إيران إنترناشيونال"، مشاهداته عن المجزرة الواسعة بحق المواطنين.
وبحسب روايته، فقد خرج مساء الخميس 8 يناير أكثر من 200 ألف شخص إلى شوارع دزفول، أي ما يزيد على ثلث سكان المدينة البالغ عددهم نحو 600 ألف نسمة، وهم يهتفون ضد النظام وديكتاتورية خامنئي، ويعلنون دعمهم لآل بهلوي. ويقول إن القوات الموجودة في الشوارع في تلك الليلة، باستثناء عدد محدود من عناصر الباسيج، كانت في معظمها من الشرطة، ولم تُبدِ مقاومة تُذكر في مواجهة المتظاهرين.
لكن، وفقًا للشاهد، كان عناصر الباسيج عازمين على المواجهة ويبحثون عن ذريعة لبدء القمع. وأضاف: "في دزفول مقام ديني يُدعى إمام زاده سبزقبا، وقد أقدم عناصر الباسيج على إحراقه. صحيح أن ذلك لم يؤدِ في تلك الليلة إلى المجزرة، لكنهم الآن يريدون إعدام شخصين، من بينهما مهدي كوليوند، بذريعة حرق هذا المقام".
وليلة الخميس، أمام قاعدة للباسيج في حي سياه بوشان، قرب دائرة "الأمر بالمعروف" وخلف بنك صادرات، قُتل محمد إسماعيلي برصاص أحد عناصر الباسيج ويدعى مجيد شيخ ليوسي، الذي أطلق النار عليه من سطح القاعدة. ويقول الشاهد: "كان هناك شخص بين المتظاهرين، لكنه في الحقيقة عنصر من الحرس، يكرر دعوة الناس للتقدم والسيطرة على دائرة الأمر بالمعروف. وحذرت أنا وعدد من الشباب من أنه تابع لهم، لكن الحشد لم يستمع".
ومع اقتراب المتظاهرين من المكان، بدأت قوات الأمن و"الباسيج" بإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص بالرصاص المطاطي. ويضيف الشاهد: "أنا نفسي أُصبت، وأُصيب أحد أصدقائي في عينه وفقد بصره. وعلى بعد نحو 30 مترًا مني، أصابت رصاصة قلب محمد فسقط قتيلاً في المكان".
غيّروا وجه القمع في 9 يناير
في اليوم التالي، مساء الجمعة 9 يناير (كانون الثاني)، تغيّر المشهد بالكامل. إذ يقول الشاهد إنه قرابة الساعة الخامسة مساءً رأى أعدادًا كبيرة من مسلّحين ملثمين، طوال القامة وأقوياء البنية، يرتدون الأسود ويقودون دراجات نارية في شارع الخميني الرئيس، وكلهم يحملون حقائب ظهر.
وقبل الساعة الثامنة مساءً، فُرض طوق أمني كامل على شارع الخميني، ومنع أي مرور فيه. ويضيف: "توجهنا إلى شارع قاضي، حيث كان هناك نحو 200 شخص دون هتافات، ثم ارتفع العدد إلى ما بين 800 و900 شخص وبدأت الهتافات".
في هذه اللحظة، بحسب الشاهد، بدأت طلقات متفرقة من قِبل قوات الأمن، بينما كان أحد الأشخاص وسط الحشد يصرخ: "الطلقات فارغة، لا تخافوا، تقدّموا". ومع تقدم المتظاهرين وتكاثفهم، بدأت المجزرة الكبرى.
ويقول الشاهد إن ثلاثة أشخاص قُتلوا فورًا في الدقائق الأولى، بعدما تمركز القنّاصة فوق مبنى غير مكتمل ت عود ملكيته لشخص يُدعى حسن سياه بوش. وأضاف أن عناصر الحرس بدأوا القتل حتى قبل تجمع الناس، إذ حاول حارس المبنى، وهو رجل مسن من سكان الحي، منع القنّاصة من الدخول، لكن أحد المسلحين أطلق النار على رأسه وقتله.
القنّاصة قتلوا بلا هوادة
ومع مرور الوقت، تصاعدت حدة إطلاق النار، وكان القتل يتم عبر استهداف الرؤوس مباشرة. ويقول الشاهد: "كثيرون قُتلوا. كنا نسحب الجثث إلى الأزقة المجاورة، والناس كانوا يفتحون أبواب منازلهم للمساعدة، كما كانت هناك سيارات تنقل الجرحى والجثامين إلى المستشفى".
ويذكر أن جثمان أحد الضحايا، ويدعى مهدي حاجي وند رحيمي، بقي ملقى على الأرض قرب المبنى، ما دفع مجموعة من الشبان لمحاولة انتشاله رغم علمهم بأن القنّاصة يترصدونهم. وأضاف: "نجحنا في سحب جثمان مهدي، لكن اثنين آخرين قُتلا برصاص القنّاصة أثناء المحاولة".
كما روى مقتل صديقه حميد شاكريان، الذي أصيب برصاصة دقيقة خلف الأذن أودت بحياته على الفور، ثم أطلق عناصر الحرس النار عليه مرة أخرى رغم وضوح وفاته. وكان حميد من مواليد 1985، متزوجًا، ويعول ثلاث بنات صغيرات.
المستشفى غارق في الدم
يقول الشاهد، وهو من أقارب وأصدقاء الضحايا: "أقسم بملابس العزاء التي أرتديها، حتى اللحظة التي نقلت فيها حميد، رأيت بعيني نقل ما بين 80 و90 جثمانًا إلى المستشفى. ولم يكن القنّاصة وحدهم من يطلقون النار، بل كان عناصر الحرس الثوري في الشوارع يطلقون النار عشوائيًا. وبعد مغادرتي، قُتل 20 إلى 30 شخصًا آخرين. وهذا في شارع واحد فقط من دزفول. في هذه المدينة قتلوا ما لا يقل عن 300 شخص".
ويضيف: "نُقلت الجثامين إلى مستشفى غنجويان، ثم وُضعت تحت سيطرة الأجهزة الأمنية. وعندما راجعت العائلات المستشفى في اليوم التالي، أُبلغت بأن الجثث تحت سيطرة الأمن، وأُجبرت على مراجعة دائرة الاستخبارات، حيث تعرضت للكذب والضغط النفسي".
وبعد أيام، تم إبلاغ عائلة حميد بأن عليهـم التوقيع على تعهد يفيد بأن ابنهم كان عنصرًا في "الباسيج" وأن مقتله يعود إلى جماعة "بيجاك"، مقابل تسليم الجثمان واعتباره "شهيدًا". لكن العائلة رفضت هذا السيناريو.
وبحسب الشاهد، اشتدت الضغوط الأمنية، وهددت الأجهزة الأمنية باعتقال شقيقي حميد. وبعد ستة أيام، سُمح بدفن الجثمان ليلاً وبحضور محدود وتحت رقابة مشددة من عناصر الاستخبارات، بعد التعرف عليه من خلال وشم على كتفه.
ويؤكد الشاهد أن "دزفول" لا تزال تعيش حالة شبه عسكرية، مع مداهمات ليلية واعتقالات عنيفة، وأن القمع امتد حتى إلى مراسم العزاء، حيث أُطلق الرصاص على والد أحد الضحايا أمام أعين المعزين.
ويختم التقرير بالإشارة إلى أن شاهدًا آخر من دزفول وصف ما جرى مساء الجمعة 9 يناير بأنه "جريمة لا يمكن للكلمات وصفها"، مؤكدًا أن قوات الحرس البري، بزي عسكري كامل وأسلحة كلاشينكوف، إضافة إلى قنّاصة متمركزين فوق المباني العالية، أطلقوا النار مباشرة على رؤوس المتظاهرين وقتلوا أكبر عدد ممكن من الناس.

تزامنًا مع القتل غير المسبوق لآلاف المتظاهرين وتصعيد القمع المجتمعي، شنت السلطات الإيرانية حملة أمنية واسعة ضد الكادر الطبي، حيث اعتُقل عدد من العاملين في القطاع الصحي، الذين قدموا الرعاية للمتظاهرين الجرحى، ووجّهت إليهم اتهامات يمكن أن تؤدي إلى أحكام قاسية، بما في ذلك الإعدام.
ووفقاً لتقارير منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومصادر حقوقية، ورسائل وردت إلى "إيران إنترناشيونال"، فقد اعتُقل أو اختفى عشرات الأطباء والممرضين وموظفي القطاع الصحي والمتطوعين في عمليات الإسعاف، بسبب تقديمهم خدمات علاجية للمتظاهرين الجرحى أو توثيق إصاباتهم خلال الأسابيع الماضية.
ومن بين هؤلاء: إحسان أحمدي، سبحان إسماعيل دوست، غزل أميدي، بابك بورأمين، صابر دهقان، علي رضا رضائي، آمنة سليماني، عبد الرضا حسيني، فريبا حسيني، أحمد خسروي، شمسي عباس علي زاده، علي رضا گلچيني، حسين كرمي، مهدي كوهساري وفرهاد ناد علي.
كما وردت أسماء علي فاخِر، ممرض متقاعد، ومتین مرادیان، عضو الكادر الطبي، وخسرو مينائي كمتطوعين في الإسعاف ضمن قائمة المعتقلين.
وأظهرت بعض التقارير أن القمع لم يقتصر على الأطباء فقط، بل شمل طيفاً واسعاً من الكادر الطبي والمتطوعين وحتى أفراد أسرهم؛ إذ اعتُقلت مزكان كاظمي على خلفية نشاط زوجها الطبي، وزهرا حيدربور، والدة سبهان إسماعيل دوست، ونُقلت إلى سجن لاكان في رشت.
العائلات تبحث عن سبل إنقاذ أبنائها
وفقاً لهذه التقارير، فإن الأشخاص المذكورين لم يُعتقلوا لمشاركتهم في الاحتجاجات، بل لتقديمهم العلاج الطبي للمتظاهرين الجرحى، أو الاعتراض على محاصرة العناصر الأمنية للمراكز الطبية، أو لتوثيق الإصابات.
الكادر الطبي مهدد بالإعدام
في الأيام الأخيرة، صدرت تحذيرات من خطر إعدام الأطباء المعتقلين.
أطباء في مدن مثل قزوين، ورشت، وتبريز، ومشهد وجرجان اعتُقلوا أو اختفوا، وعائلاتهم تحت ضغط لتجنب الحديث عنهم.
ومن بين الأسماء: علي رضا كلجيني في قزوين، متين مرادیان في مشهد، مهدي كوهساري في تبريز، بابك بورأمين في مشهد، فرهاد نادعلي في جرجان، وسبحان إسماعيل دوست في لاهايجان.
وقال نيما كلجيني، ابن عم علي رضا كلجيني، إن الأخير اعتُقل بسبب مساعدته للجرحى أثناء احتجاجات يومي 8 و9 يناير في قزوين، ثم نُقل إلى طهران، ومنذ ذلك الحين لا تعرف عائلته أي شيء عن وضعه. وأضاف أن القوات الأمنية اعتدت عليه بالضرب أثناء الاعتقال، مما أدى إلى كسور في ضلوعه، ونُسبت إليه تهم أمنية.
وقد سبق أن طُرد علي رضا كلجيني عام 2022 بسبب مساعدته للجرحى خلال احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، ومُنع من العمل لفترة.
المستشفيات بين ملاذ للعلاج وأداة للقمع
بعد الاحتجاجات، لم تعد المستشفيات مراكز آمنة للعلاج، بل خضعت لسيطرة أمنية في عدة مدن.
وتعرض الأطباء والممرضون الذين قدموا العلاج للمتظاهرين الجرحى للاعتقال والتهديد والمنع من السفر وضغوط أمنية مباشرة، في ما وصفته منظمات حقوقية بأنه محاولة منظمة لمنع العلاج وتوثيق الإصابات وإزالة الشهود.
وتشير المعلومات إلى أن هذه الضغوط لم تقتصر على مدينة واحدة، بل شملت طهران، ومشهد، وجرجان، وأردبيل، قزوين، رشت، تبريز مع رسالة واحدة مشتركة: "لا تعالجوا، لا توثقوا، لا تكونوا شهودًا".
وقد اعتُقل فرهاد نادعلي، طبيب بمستشفى «بنج آذر» في جرجان، من قِبل عناصر استخبارات الحرس الثوري بسبب علاجه للجرحى واعتراضه على وجود قوات مسلحة في المستشفى وعلى سطحه.
وأفد شاهد عيان على منصة «إكس» (تويتر سابقًا)، باعتقال هذا الطبيب بعد احتجاجه على إطلاق النار على المتظاهرين والجرحى من قِبل قوات القمع.
وقال الشهود إن القوات المسلحة أطلقت النار من على سطح المستشفى، ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات.
ويأتي اعتقال هذا الطبيب في سياق استمرار الضغوط الأمنية على الطاقم الطبي ومنع علاج الجرحى وكشف استخدام المستشفيات لأغراض أمنية.
جريمة الأطباء: العلاج وتوثيق الإصابات
أفاد شهرام كردستي، أستاذ علم الأورام بكلية كينغز لندن، بتزايد اعتقال الأطباء بعد تقديمهم العلاج للمتظاهرين الجرحى، مشيرًا إلى أن هذا يمثل محاولات لتخويف المجتمع الطبي: «لا تعالجوا، لا توثقوا، لا تكونوا شهودًا».
وأعلن كردستي عن اعتقال: علي رضا رضائي (أخصائي مسالك بولية في طهران)، متین مراديان (موظف صحة في مشهد)، صابر دهقان (جراح أعصاب في سيرجان)، فرهاد نادعلي (جراح عام في جرجان)، وآمنة سليماني (في أردبيل).
وأكد أن «الحياد الطبي واجب أخلاقي أساسي، وأن علاج الجرحى ليس جريمة، كما أن جريمة إسكات الأطباء يعرّض الجميع للخطر».
من الاعتقال إلى إطلاق النار على الجرحى
وفقًا لشهادات الطاقم الطبي، تصاعدت الضغوط بعد الاحتجاجات، وتم تهديد بعض الأطباء بالاعتقال أو منعهم من السفر.
وطُلب منهم الامتثال للسلطات وعدم مشاركة أي روايات مع وسائل الإعلام المستقلة، فيما شدد الرئيس الإيراني، مسعود بزشکیان، سابقًا على ضرورة الضغط لإقناع الأطباء.
واقتحم عناصر الأمن المستشفيات، وفي بعض الحالات، اعتُقل الجرحى أو أُطلق عليهم النار لإسكاتهم. كما تم جمع بيانات المرضى، ومنع نقل الدم للجرحى في بعض الحالات.
وفي ظل هذه الضغوط، تعامل بعض الطاقم الطبي سرًا مع الجرحى في ساحات المستشفيات.
الطاقم الطبي يواصل المقاومة رغم القمع
رغم الضغوط، ساهم الطاقم الطبي في إنقاذ حياة العديد من الجرحى، من بينهم مصاب في شرق طهران (طهران بارس) أصيب في عينيه جراء قنبلة "شوزم"، وعُولج مجانًا تقريبًا، مع تقديره لدعم الطاقم الطبي.
وفي مناطق أخرى، عالج الأطباء الجرحى رغم إصابتهم ومواجهة محاصرة مستشفياتهم من القوات المسلحة.
تأمين الرعاية والتحويل إلى جريمة
أفادت تقارير موقع «هرانا»، المعني بحقوق الإنسان في إيران، بأن اعتقال الأطباء والمتطوعين يظهر نمطًا خطيرًا: "تحويل العلاج إلى جريمة، والضغط على الشبكات الطبية، وتقليل قدرة دعم الجرحى والسيطرة على العواقب الإنسانية للاحتجاجات".
كما أُبلغ أن بعض الأطباء يواجهون اتهامات بـ «تهريب الجرحى من المستشفى».
اقتحام العيادات واعتقال الأطباء
أفادت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» بأن القوات الأمنية اقتحمت المنازل والعيادات واعتقلت الأطباء والمتطوعين، ودمرت ممتلكاتهم لمنع العلاج وإحداث الرعب.
ومن بين المعتقلين: آمنة سليماني، مديرة عيادة جلدية في أردبيل، وخسرو مينايي، الذي حول منزله إلى ملجأ لعلاج الجرحى.
وفي مشهد، اضطر الطاقم الطبي لتقديم العلاج للجرحى سرًا في منازلهم بسبب التهديدات الأمنية.
اعتقالات جديدة ومخاوف من أحكام صارمة
تم اعتقال عبد الرضا حسيني، أخصائي تخدير، مع زوجته مجكان كاظمي، ونُقلا إلى مكان مجهول، وبعض المعتقلين تم نقلهم إلى سجن جوبيندر في قزوين، من بينهم أطباء متخصصون مهددون بالإعدام.
جمعية الطب العالمية: أوقفوا العنف ضد الطاقم الطبي
أصدرت جمعية الطب العالمية خطابًا عاجلاً إلى السلطات الإيرانية، أعربت فيه عن غضبها العميق إزاء تصاعد العنف ضد الأطباء، وطالبت بالإفراج الفوري عن جميع الأطباء المعتقلين بسبب أداء واجباتهم المهنية، وضمان أمنهم ومنع سوء استخدام المستشفيات.

لا يُعد قتل 36 ألفًا و500 شخص خلال يومين على يد قوات النظام الإيراني مجرد رقم غير مسبوق في تاريخ القمع خلال حكم هذا النظام، بل إنه أيضًا رقم نادر جدًا مقارنة بالقمع التاريخي حول العالم وحتى الحروب الشاملة. فالرقم ليس نهائيًا، ومن المحتمل أن يزيد.
ووفقًا للأخبار التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال" ونُشرت يوم الأحد 25 يناير (كانون الثاني)، فقد قام النظام الإيراني خلال يومين بقتل 36 ألفًا و500 شخص خلال الاحتجاجات الشعبية.
وللمقارنة، في بعض الحروب التي شهدت عدد قتلى أقل بكثير من هذا، استُخدم مصطلح «الإبادة الجماعية». 36 ألفًا و500 قتيل خلال يومين تعني:
* كل يوم: 18 ألفًا و250 قتيلاً.
* كل ساعة: 760 قتيلاً.
* كل دقيقة: 13 قتيلاً.
* كل خمس ثوانٍ: شخص واحد يُقتل على يد قوات النظام الإيراني.
وكان أعلى عدد قتلى في يوم واحد خلال حرب غزة نحو 400 قتيل فقط. وحتى في ذروة حرب المدن خلال الحرب الإيرانية- العراقية، قُتل يوميًا ما يقارب 188 إيرانيًا تحت القنابل والصواريخ العراقية.
هذا المستوى من القتل يتجاوز حتى أكبر المجازر التي ارتكبتها الأنظمة الديكتاتورية، مثل سوريا في عهد حافظ الأسد والعراق في عهد صدام حسين.
غزة
وفقًا لإحصاءات وزارة الصحة تحت سيطرة حماس (يُشار إليها أحيانًا باسم وزارة الصحة في غزة)، قُتل إجمالاً نحو 71 ألف شخص في هجمات إسرائيل.
وبما أن الجيش الإسرائيلي أعلن أنه قتل بين 17 و20 ألفًا من أعضاء حماس، يمكن تقدير عدد المدنيين القتلى بين 51 و54 ألف شخص.
وهذا الرقم سُجل منذ بدء حرب غزة بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إعلان قبول وقف إطلاق النار الذي أدى إلى تبادل الرهائن، خلال عامين تقريبًا.
أي أن متوسط القتلى اليومي في هذه الحرب الشاملة كان نحو 70 إلى 74 شخصًا.
وكان أعلى عدد قتلى في غزة خلال هجمات 18 مارس (آذار) 2025، حين أعلنت وزارة الصحة تحت سيطرة حماس مقتل 400 شخص، دون توضيح عدد المدنيين بينهم.
الحرب الإيرانية- العراقية
خلال الحرب الإيرانية-العراقية، والتي تعرضت فيها المدن الإيرانية للقصف من القوات العراقية، قُتل نحو 15 ألف مدني خلال 80 يومًا من القصف تقريبًا.
أي أن عدد القتلى اليومي خلال حرب المدن كان نحو 188 شخصًا يوميًا.
مجزرة "شعبانية" في العراق
استمرت حركة شعبانية في العراق نحو شهر، من مارس إلى أبريل (نيسان) 1991، وسيطر المحتجون على معظم مناطق العراق.
لكن خلال حوالي ثلاثة أسابيع، قُتل بين 30 ألفًا و100 ألف شخص على يد الجيش العراقي، باستخدام دبابات ومروحيات هجومية ومدفعية.
يمكن القول إن صدام حسين، بمساعدة المعدات الثقيلة، قتل يوميًا بين 1400 و4800 شخص.
مجزرة "حما" في سوريا على يد حافظ الأسد
من 2 فبراير (شباط) 1982 إلى 28 من الشهر ذاته، حوصرت مدينة "حما" في سوريا لمدة 27 يومًا. المتمردون، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين السورية، كانوا يقاتلون النظام.
وقام حافظ الأسد بقصف المدينة جويًا، وهاجم السكان بالمروحيات الهجومية، واستخدم المدفعية لتدمير المدينة. وأسفرت العمليات عن مقتل ما بين 10 آلاف و40 ألف شخص، أي بمعدل يومي بين 370 و1480 قتيلاً.
مجازر النظام الإيراني
٭ انتفاضات ثمانينيات الهجرية (السبعينات بالتقويم الإيراني): في غياب الإنترنت والصحافة الحرة، لم تتوفر معلومات كافية عن قمع الاحتجاجات خلال ثمانينيات الهجرية في إيران.
٭ لم يتم توثيق احتجاجات سكان شيراز وأراك ومشهد وإسلامشهر بشكل كافٍ، وقد قُمِعَت هذه الاحتجاجات بأقصى درجات العنف.
٭ كان قمع حي طلاب مشهد من بين أشد حالات القمع، وقد وقع في عام 1972، وقدّر عدد القتلى فيه حتى 50 شخصًا.
٭ فيما يخص حادثة حي الجامعة في 9 يوليو (تموز) 1999، قُدّر عدد القتلى بين سبعة وتسعة أشخاص.
٭ الحركة الخضراء: استمرت احتجاجات الحركة الخضراء من 12 يونيو (حزيران) 2009 حتى فبراير (شباط) 2010. أكبر التجمعات كانت في 12، 13، 15، و30 يونيو، و19 يوليو، و5 أغسطس (آب)، و4 نوفمبر (تشرين الثاني)، و7 ديسمبر (كانون الأول)، و14 فبراير. خلال هذه الفترة، بلغ إجمالي عدد القتلى بين 70 و112 شخصًا. وكان أشد حالات القمع في عاشوراء ذلك العام، الموافق 26 ديسمبر 2009.
لا توجد أرقام دقيقة لعدد القتلى في ذلك اليوم، لكن مصادر مختلفة قدّرت العدد بين 8 و37 شخصًا.
احتجاجات الثمانينيات (الهجرة 2017-2018): من 29 ديسمبر 2017 إلى 8 يناير (كانون الثاني) 2018، اندلعت احتجاجات في البلاد، وتميزت هذه الاحتجاجات باستخدام واسع للشعارات الملكية.
أعلنت الجمهورية الإسلامية رسميًا عن 25 قتيلاً، فيما قدّرت مصادر خارجية العدد حتى 50 قتيلاً.
٭ احتجاجات نوفمبر "الدامي" 2019: بدأت هذه الاحتجاجات في 15 نوفمبر 2019 واستمرت نحو أسبوع (حتى 21 نوفمبر).
وخلال هذه الفترة، قطع النظام الإيراني الإنترنت، وارتكب مجزرة غير مسبوقة في صمت تام. وحددت منظمات حقوق الإنسان أسماء وهوية 324 قتيلًا على الأقل.
وقدّرت تقارير أخرى، بما في ذلك وكالة "رويترز"، عدد القتلى حتى 1500 شخص.
وحدث معظم القتل يومي 16 و17 نوفمبر من العام نفسه.
٭ حركة "المرأة، الحياة، الحرية" 2022: بدأت في 17 سبتمبر (أيلول) 2022 واستمرت حتى مارس (آذار) 2023. وتميزت هذه الحركة بشعارها الشهير: "المرأة، الحياة، الحرية".
ولم تصدر المصادر الرسمية الإيرانية أي أرقام عن عدد القتلى، لكن تقديراتهم تشير إلى ما بين 540 و600 قتيل.
الاعتراف بأكبر مجزرة رسميًا
أعلنت السلطات الإيرانية رسميًا أن عدد القتلى في الاحتجاجات الأخيرة هو 3117 شخصًا.
ورغم تصنيف القتلى بين قوات حكومية، وما سُميّ "إرهابيين"، والمواطنين العاديين، واعتبار المراقبين الرقم غامضًا، فإن الإعلان عن هذا الرقم، حتى الرسمي، يدل على اتساع نطاق القمع.
وحتى في الحرب التي دامت 12 يومًا، الرقم الرسمي للقتلى (276 مدنيًا) أقل من عدد قتلى حرب شاملة، ومع ذلك يُثار حوله الشك نظرًا لسجل النظام الإيراني.
رقم غير مسبوق.. حتى في الإحصاءات الرسمية وأدنى التقديرات
لأسباب واضحة وسجل النظام الإيراني في الدعاية، لا يمكن الوثوق بتصنيف القتلى الرسمي.
ويُعد سبهر شكري، الشاب البالغ من العمر 19 عامًا، الذي أصبح مشهورًا بسبب عبارة "سبهر بابا… أين أنت؟" في فيديو مؤثر نشره والده، مثالاً حيًا على هذا الواقع.
وقد قامت وسائل الإعلام الرسمية التابعة للنظام الإيراني بمحاولة نفي رواية والد سبهر، حيث أجروا مقابلات إجبارية مع والده وأقارب سبهر إبراهيم، وهو شاب آخر قُتل في الاحتجاجات، وقدّموه على أنه "عضو في الباسيج قُتل على يد الإرهابيين".
ومن ناحية أخرى، أثار الرقم الرسمي للقتلى شكوكًا كبيرة، لكن حتى إذا اعتمد هذا الرقم، فهذا يعني أن 1559 شخصًا قُتلوا يوميًا.
وبالفعل، كل يوم من هذه المجزرة، وفقًا للإحصاءات الرسمية للنظام الإيراني، فاق عدد القتلى في حرب الـ 12 يومًا بالكامل. هذا الرقم يزيد على ثلاثة أضعاف أكثر أيام حرب غزة دموية، وحتى عدد القتلى اليومي للإيرانيين خلال القصف بالصواريخ والقنابل العراقية يمثل ثمنًا ضعفيًا لما حدث في الاحتجاجات الشعبية الأخيرة.
وأدنى التقديرات التي ذكرتها وسائل الإعلام تشير أيضًا إلى 6000 قتيل.
وبهذا التقدير، تظل مجزرة ديسمبر فريدة من نوعها، مقارنة بأحداث مماثلة في تاريخ إيران، وأيضًا مقارنة بحروب مثل غزة، ومجازر حما وشعبانية، من حيث الحجم والدموية.

بالتزامن مع اقتراب الأسطول الأميركي من منطقة الشرق الأوسط، أصبحت نبرة مسؤولي النظام الإيراني أكثر هجومية؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن الدبلوماسية، تُظهر تصريحات المسؤولين العسكريين والسياسيين في إيران أن طهران تتعامل مع التحركات العسكرية الأميركية بجدية تفوق رسائل التفاوض.
وتعزز التصريحات الرسمية الصادرة في الأيام الأخيرة عن المسؤولين في إيران، والتي اتسمت بلهجة أكثر حدة وحربية، التكهنات بأن قادة النظام الإيراني قد يكونون بصدد تقييم انتشار القوات العسكرية الأميركية في المنطقة على أنه أخطر وأكثر جدية من الرسائل الدبلوماسية الصادرة عن واشنطن.
وكانت وكالة "رويترز" قد نقلت سابقاً عن مسؤولين أميركيين اثنين أن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، يرافقها عدد من المدمرات والطائرات المقاتلة، من المقرر أن تدخل الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة.
وقال رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، في 22 يناير: "قوة كبيرة تتحرك باتجاه إيران. أفضّل ألا يحدث شيء، لكن علينا أن نرى ما الذي سيجري. نحن نراقبهم عن كثب؛ فأسطول ضخم يتجه إلى هناك، وقد لا نضطر إلى استخدامه".
وفي الوقت الذي تتحرك فيه هذه المجموعة البحرية من منطقة آسيا والمحيط الهادئ نحو الشرق الأوسط، كان ترامب قد تحدث في الأسابيع الأخيرة عن احتمال إجراء حوار مع طهران، وذلك في أعقاب القمع الدموي للاحتجاجات وعمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في إيران، التي أسفرت عن آلاف القتلى.
تهديدات صريحة من قادة عسكريين في إيران
في المقابل، أصبحت نبرة بعض كبار القادة العسكريين في إيران، في أحيان كثيرة، واثقة للغاية ومشددة بشكل علني؛ وهو ما يطرح تساؤلاً: هل يرى بعض المسؤولين في طهران الحرب حدثاً سياسياً مفيداً؟ حدثاً كبيراً يمكن أن يهمّش عمليات القتل الواسعة بحق المتظاهرين؟
وقال يحيى رحيم صفوي، القائد السابق للحرس الثوري ومستشار المرشد الإيراني، علي خامنئي: "نحن نستعد لحرب مصيرية مع إسرائيل. لدينا أسلحة لا يملكها أحد غيرنا". وأضاف: "الحرب المقبلة ستنهي هذا الصراع مرة واحدة وإلى الأبد".
من جهته، حذّر أحد كبار قادة الحرس الثوري (قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي)، علي عبد اللهي، من أن أي هجوم على الأراضي الإيرانية أو على مصالح إيران سيحول المصالح والقواعد ومراكز النفوذ الأميركية إلى "أهداف مشروعة وفي المتناول".
كما صرح القائد العام للقوات البرية في الحرس الثوري، محمد باكبور، بأن إيران مستعدة لكل الاحتمالات، بما في ذلك "حرب شاملة".
رسالة دبلوماسية أكثر حذراً
إلى جانب هذه التهديد العسكرية، جاءت الرسائل الدبلوماسية الصادرة عن طهران أكثر حذراً، لكنها لم تخلُ من الاتهامات. فقد اتهم وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في 22 يناير، الولايات المتحدة مجدداً بالتحريض على الاضطرابات داخل إيران. وأكد أن أي مواجهة شاملة ستكون "فوضوية وعنيفة وأطول بكثير" مما تتوقعه إسرائيل أو حلفاؤها.
وجاءت لهجة عراقجي على النقيض من تصريحات ترامب في مطلع الأسبوع، حين قال الرئيس الأميركي إنه تراجع عن توجيه ضربة بعدما أوقفت إيران- بحسب التقارير- تنفيذ خطة لإعدام مئات المعتقلين.
وقال ترامب خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا: "إيران تريد الحوار، ونحن سنتحاور". لكن بعد ساعات قليلة، ذكّر الصحافيين على متن طائرة "إير فورس وان" بأن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً.
وكما هي عادته، حاول ترامب إبقاء خياراته مفتوحة. غير أن المسؤولين في طهران يبدو أنهم توصلوا إلى استنتاجاتهم الخاصة، ولا سيما في ضوء أن الضربات الإسرائيلية في شهر يونيو الماضي وقعت بالتزامن مع مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

الهتافات المطالِبة بالتغيير السياسي التي تعلو هذه الأيام في شوارع إيران، لا تُفهم في الممرات الاستراتيجية لتركيا بوصفها «نداءً من أجل الحرية»، بل تُقرأ باعتبارها مصدر قلق جيوسياسي.
فبالنسبة لأنقرة، لا يُعدّ نظام طهران مجرد جار صعب أو منافس إقليمي؛ بل يشكّل في الوقت نفسه «جدارًا أمنيًا» حافظ لسنوات على استقرار الحدود الشرقية لتركيا.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات في إيران، تنظر الحكومة التركية إلى ما يجري هناك باعتباره اهتزازًا في السلطة المركزية بفعل قوى «أجنبية»، وتعتقد أن هذا التطور قد يهدد أمن حدودها مباشرة.
وهذا المنظور الأمني، الذي لا يقتصر على الدولة وحدها، يعكس فجوة عميقة بين المجتمع المدني والطبقة السياسية في تركيا من جهة، والحركات الاحتجاجية في إيران من جهة أخرى. إذ يسود اعتقاد راسخ بين السياسيين الأتراك، وحتى بين شخصيات أكاديمية وإعلامية، مفاده أنه إذا سقط النظام الإيراني، فستكون تركيا الهدف التالي.
ولهذا السبب، يجري تفسير المطالب الشعبية المشروعة في إيران من خلال نظريات مؤامرة مثل «السيناريوهات الخارجية» و«عمليات الموساد»، وهو ما يصعّب في هذه اللحظة الحساسة قيام تضامن ديمقراطي حقيقي بين الشعبين.
ومن ناحية أخرى، فإن الهشاشة الاقتصادية التي تعانيها تركيا، إلى جانب ملفاتها المعقدة وغير المحسومة في سوريا، تزيد من حاجتها إلى الحفاظ على الوضع القائم في المنطقة.
سياسة الاستقرار
يصف رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان، إلى جانب كبار المسؤولين الحكوميين، مثل وزير الخارجية، الاضطرابات في إيران بأنها «سيناريو مُعدّ سلفًا»، ويعتبرونها جزءًا من عملية خارجية تهدف إلى دفع المنطقة نحو الفوضى.
وفي جذور هذا الموقف تكمن خشية استراتيجية من أن يؤدي فقدان السلطة المركزية في إيران إلى خلق «ممر إرهابي» على الحدود الجنوبية والشرقية لتركيا، بما يضع البلاد أمام تهديد مباشر لبقائها.
وإضافة إلى القلق من التحركات القومية والعرقية، تُعدّ إحدى أهم الهواجس الدبلوماسية لأنقرة هي تفادي الاصطفاف في جبهة واحدة مع إسرائيل. فمنذ اندلاع حرب غزة، حذّر مسؤولون أتراك من احتمال هجوم إسرائيلي، ومع اتساع جبهات الصراع، تصاعدت هذه المخاوف.
إن الدعم العلني الذي تبديه الحكومة الإسرائيلية لتغيير النظام في إيران، دفع تركيا إلى تبني موقف أكثر حذرًا، بل وأقرب إلى الدفاع عن استقرار الوضع القائم في طهران. ويعتقد المسؤولون الأتراك أن خلف الخطاب الغربي «المطالب بالديمقراطية» تختبئ استراتيجية إسرائيلية للتوسع الإقليمي، وأن إضعاف إيران سيعزز نفوذ إسرائيل في المنطقة بطريقة قد تُطوّق تركيا وتحول إسرائيل إلى اللاعب الإقليمي الأبرز.
وبالتوازي مع ذلك، تنظر الإرادة السياسية في تركيا إلى احتجاجات إيران بوصفها «إنذارًا مبكرًا» لأمنها الداخلي، وترى أن الحل يجب أن ينبع حصريًا من الديناميات الداخلية لطهران.
وتعكس تصريحات وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، التي شدد فيها على أن «المشكلات القائمة» ينبغي حلها دون تدخل خارجي، رغبة أنقرة في منع زعزعة الاستقرار في إيران وتفادي موجات هجرة محتملة. وقد أدى هذا النهج إلى أن تعتمد تركيا خطابًا أمنيًا بدلًا من الإدانة الصريحة لانتهاكات حقوق الإنسان في إيران.
حرب محتملة
في الأوساط العسكرية التركية، يُعدّ ضعف الدفاع الجوي الإيراني أمام التفوق التكنولوجي لإسرائيل والولايات المتحدة مصدر قلق حقيقيًا ، إلا أن القوة الصاروخية الإيرانية تثير مخاوف من نوع آخر. ففي أحد البرامج التلفزيونية على قناة «هابر تورك»، طرح نائب في البرلمان تساؤلًا لافتًا:
«ماذا لو وُجهت هذه الصواريخ نحو إسطنبول بدلًا من تل أبيب؟»
هذا القلق المزدوج دفع أنقرة إلى تبني مقاربة محافظة وحذرة تجاه طهران.
ويجد المحللون العسكريون الأتراك أنفسهم أمام معضلة متناقضة: فهم يخشون بقاء النظام الحالي في إيران، كما يخشون في الوقت نفسه سقوطه. فالتحدي الأساسي، من وجهة نظرهم، لا يكمن بالضرورة في الهزيمة العسكرية لطهران، إذ يرون أن إيران قد لا تمتلك قدرة دفاع جوي كافية في حرب شاملة، بل في تداعيات ما بعد الانهيار.
وبرأيهم، فإن إيران التي تُهزم جوًا قد تلجأ، اعتمادًا على عمقها الاستراتيجي، إلى تحويل الصراع إلى حرب عصابات إقليمية عبر الميليشيات، ما سيخلق فراغًا أمنيًا غير قابل للإدارة بالنسبة لتركيا.
من هذا المنطلق، فإن منع اندلاع حرب في إيران لا يُعدّ مجرد موقف دبلوماسي، بل ضرورة عسكرية. ويضع الجيش التركي في اعتباره سيناريوهات «الملاحقة الساخنة» وعمليات برية محدودة كخطط طوارئ لمواجهة صعود جماعات مثل حزب العمال الكردستاني (PKK) و«بيجاك» في حال حدوث فراغ في السلطة داخل إيران.
ويحذر محللون مقرّبون من النظام من أن موجات الهجرة الجماعية والفوضى العابرة للحدود الناجمة عن مثل هذا الانهيار ستضع العقيدة الدفاعية وبقاء تركيا الإقليمي أمام كلفة تفوق بكثير ما واجهته البلاد خلال الأزمة السورية.
هل الهدف هو تركيا؟
تتكرر في وسائل الإعلام التركية هذه الأيام مقولة: «إذا سقطت إيران، فسيكون الهدف التالي هو تركيا». وهذه الفكرة، في نظر صناع القرار في أنقرة، ليست مجرد نظرية مؤامرة، بل تهديدًا وجوديًا تم اختباره بالفعل خلال الحرب الأهلية السورية.
ويتوقع محللون أن يؤدي انهيار السلطة المركزية في إيران إلى خلق فراغ أمني شبيه بشمال سوريا، يوفر ملاذات جديدة لهياكل مثل حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، وهو ما سيضع تركيا في كماشة أمنية تطوق حدودها الشرقية والجنوبية بالكامل.
وبحسب هذا التصور، فإن أي زعزعة للاستقرار في طهران نتيجة تدخلات مدعومة من الغرب ستُطلق موجة من التفكك العرقي، من شأنها أن تهز التوازنات الداخلية الحساسة داخل تركيا نفسها.
ولهذه المخاوف، شرعت وزارة الدفاع التركية منذ الأيام الأولى من عام 2026 في تنفيذ إجراءات عسكرية استثنائية على طول الحدود. كما تؤكد تصريحات المتحدث باسم الوزارة، الذي شدد على أنه «لن يُسمح بتكرار سيناريو شبيه بسوريا»، أن الحكومة التركية تنظر إلى تطورات إيران على أنها أكثر من مجرد حركة داخلية، بل خطر يتمثل في تدفق ملايين اللاجئين وتسلل عناصر إرهابية إلى أراضيها.
ومن اللافت أيضًا اصطفاف حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، مع هذا النهج؛ إذ تجاوز خلافاته الأيديولوجية واعتبر وحدة الأراضي الإيرانية «القلعة الشرقية» لتركيا.
حتى وسائل إعلام قريبة من المعارضة، مثل «ميدياسكوب»، روّجت لطرح غير دقيق يزعم أن أحد أسباب العنف في إيران هو تهريب السلاح عبر الحدود الغربية. والمفارقة أن هذه القوى المعارضة نفسها كثيرًا ما تُتهم من قبل الحكومة بالتعاون مع أطراف أجنبية، لكنها في هذه القضية تحديدًا، وعلى الرغم من معرفتها بطبيعة سلوك الجمهورية الإسلامية، وجدت نفسها متناغمة مع خطاب الدولة.
إيران أكثر ديمقراطية؟
تشير المؤشرات في المشهد السياسي التركي إلى تقارب غير مسبوق بين المؤسسات الرسمية والقاعدة المدنية في مقاربة تطورات إيران؛ إذ ينصبّ اهتمام الطرفين، أكثر من تركيزه على طبيعة المطالب الداخلية الإيرانية، على تداعياتها المحتملة على وحدة الأراضي التركية.
وفي هذا السياق، لم تُبدِ التيارات العلمانية التركية دعمًا ملموسًا للتحولات في إيران، وهو ما يُعزى جزئيًا إلى غياب التواصل والضغط الفعّال من جانب معارضي الجمهورية الإسلامية مع هذه التيارات.
ويبرز هذا الواقع الحاجة إلى تعزيز المشاورات الإقليمية للمعارضة الإيرانية مع النخب السياسية والفكرية في دول الجوار، بهدف تقديم صورة دقيقة عن حقيقة الأوضاع داخل إيران.
وتتأثر بعض المخاوف الأمنية لأنقرة بخلفيات تاريخية وقراءات متشائمة لدور أطراف ثالثة وجماعات كردية مسلحة، وهي رؤية تتغذى إلى حد كبير من تقارير صحفيين أتراك متمركزين داخل طهران. ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن الرغبة الاستراتيجية لتركيا في الحفاظ على الاستقرار في إيران لا تعني بالضرورة امتلاكها القدرة على التأثير في مسار الأحداث.
فتركيا اليوم تواجه تحديات اقتصادية داخلية وملفات عالقة في الأزمة السورية، ما يحدّ من قدرتها على المناورة خارج حدودها. كما أن التحول التدريجي لأنقرة نحو مواقف أقرب إلى الغرب، وإعادة ضبط علاقاتها مع روسيا استجابة لمطالب واشنطن، يعكس إعادة ترتيب أولويات في سياستها الخارجية.
ورغم أن المسؤولين الأتراك يرون في «إيران متطورة ومنسجمة مع النظام الدولي» شريكًا أكثر تفضيلًا، فإن تكاليف الانتقال والغموض الذي يكتنف مستقبل إيران السياسي لا يزالان يشكلان العقبة الرئيسية أمام أي مراجعة جوهرية لمقاربتهم الأمنية.