محمد رضا جلایی بور وتبييض العزل الانفرادي.. حين يُوصف التعذيب بأنه "فرصة للنمو" في إيران

قال السجين السياسي الإيراني السابق، محمدرضا جلایی بور، في مقابلة، إن الزنزانة الانفرادية كانت بالنسبة إليه "تجربة ممتعة وفرصة فريدة للعزلة والنمو والتأمل".

قال السجين السياسي الإيراني السابق، محمدرضا جلایی بور، في مقابلة، إن الزنزانة الانفرادية كانت بالنسبة إليه "تجربة ممتعة وفرصة فريدة للعزلة والنمو والتأمل".
وهذه النظرة صادمة لأي شخص سبق أن اعتُقل وخاض تجربة الحبس الانفرادي، كما أنها تثير الاستغراب والتساؤلات لدى من قرأ روايات السجناء السياسيين وغير السياسيين.
كيف يمكن لناشط سياسي إصلاحي يقول إنه خاض تجربة الحبس الانفرادي بنفسه، أن يصف تجربة ارتبطت بالنسبة إلى كثير من المعتقلين بالضغط والحرمان وآثار مستمرة بأنها "ممتعة" وفرصة لـ"النمو والتأمل"؟
وتزداد خطورة هذا السؤال عندما يكون المتحدث شخصية قريبة من السلطة، ويتحدث عن أحد أكثر الجوانب قتامة في تجربة الاعتقال؛ حيث لا يكون الحبس الانفرادي خيارًا، بل وضعًا مفروضًا على المعتقل.
أين يكون الحبس الانفرادي؟
الزنزانة الانفرادية هي غرفة صغيرة، دون نافذة أو بنافذة في مكان يتعذر الوصول إليه. وإذا حالفك الحظ، يكون فيها مرحاض، وإلا فلا شيء. بطانية، تكون أحيانًا متسخة، وصراصير ونمل وحشرات أخرى...
تفقد إحساسك بالزمان والمكان، وفي بعض الحالات يُمتنع حتى عن إعطاء المعتقل القرآن والكتب الدينية لزيادة الضغط عليه.
وقال معتقلون خاضوا تجربة الحبس الانفرادي إن آثار هذه التجربة استقرت في أذهانهم وأرواحهم.
وهذه الصورة تتناقض بشكل واضح مع الصورة التي يقدمها جلایی بور عن الحبس الانفرادي. فمن جهة، هناك غرفة صغيرة وحرمان وضغط وتجربة قد تستمر آثارها حتى بعد انتهاء الاعتقال. ومن جهة أخرى، هناك "العزلة" و"النمو" و"التأمل".
لسنا مثل جلایی بور!
قال أحد المعتقلين خلال "حرب الـ 12 يومًا" إنه طوال فترة وجوده في الحبس الانفرادي، والتي اكتشف لاحقًا أنها استمرت 23 يومًا، كان صوت واحد يُبث باستمرار: صرخات والدته... ثم صمت قاتل.
لم يكن لديه ورق ولا قلم ولا كتاب. وكان الضوء لا ينطفئ، ويقول إنه عجز عن تحمّله.
ولكن تجربته المريرة لم تنتهِ بانتهاء فترة الحبس الانفرادي، إذ يقول: "حتى الآن، إذا بكى أحد بصوت مرتفع، يجب أن أغادر المكان".
وكتبت الصحافية يغما فشخامي على منصة "إكس" أنها عاشت هذه الظروف في كل مرة اعتُقلت فيها، وأن آثارها النفسية لا تزال ترافقها.
ما قد يكون بالنسبة إلى البعض مجرد مزحة، يمثل بالنسبة إلى من عاش التجربة صدمة نفسية.
كما كتبت مستخدمة منصة "إكس"، سيمين يغمايي، عن تجربتها التي استمرت عدة ساعات في الحبس الانفرادي، ووصفت الغرفة الصغيرة والقذرة، والمرحاض الصدئ في زاوية الغرفة والمغسلة الملاصقة له. وقالت إنها تكورت على الأرض وانفجرت في البكاء، محاولة التخلص من شعورها بفقدان القيمة والإرادة والإنسانية.
وكتب سعيد جوكار، وهو مستخدم آخر سبق اعتقاله، قائلاً: "كنت في الحبس الانفرادي شهرًا، وكنت أتناول فينلافاكسين لعدة سنوات".
ثم طرح سؤالاً يتعارض مباشرة مع رواية جلایی بور: "ليس واضحًا ما الذي يسمونه هم الحبس الانفرادي حتى يكون بالنسبة إليهم سببًا للنمو...".
وتشترك هذه الروايات، رغم اختلاف أصحابها وتجاربهم، في نقطة واحدة: الحبس الانفرادي بالنسبة إلى من عاشوه لم يكن عزلة هادئة، بل تجربة اتسمت بالضغط والاستنزاف.
ولهذا السبب، وصف كثير ممن خاضوا تجربة الحبس الانفرادي تصريحات جلایی بور بأنها تشبه "أدبيات التائبين". كما وصفه البعض بأنه "تائب".
وكانت سياسة تحويل المعتقلين إلى "توابين" تُطبّق في سجون إيران خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث كان السجناء السياسيون يتعرضون للكسر على يد المحققين ومسؤولي السجون، ثم يتحولون إلى "توابين".
عندما يُسمّى التعذيب "نموًا"
المسألة الأساسية تكمن في هذا القلب للمفاهيم. فالحبس الانفرادي في إيران، وفق روايات المعتقلين السياسيين وغير السياسيين، يمثل شكلاً من أشكال التعذيب؛ تجربة مفروضة ترافقها الضغوط وآثار مستمرة. لكن عندما توصف هذه التجربة بأنها "ممتعة" وفرصة لـ"النمو" و"التأمل"، تبدأ اللغة بدلاً من عكس المعاناة في التستر عليها.
وفي هذا السياق، تكتسب مكانة المتحدث أهمية أيضًا. فبدلاً من نقل روايات الذين خاضوا تجربة الحبس الانفرادي، يقدم جلایی بور صورة عنه تتناقض مع رواياتهم.
ولهذا، فإن كلامه ليس مجرد رؤية شخصية للحبس الانفرادي؛ إذ يمكن أن يسهم في تبييض تجربة وصفها المعتقلون السياسيون وغير السياسيين بأنها تعذيب.
وعندما يُتحدث عن الحبس الانفرادي باعتباره "عزلة" و"نموًا"، فإن ما تعرض له السجين يُدفع فعليًا إلى هامش الرواية. فالمعاناة التي ينبغي أن تُرى وتُسمع، يجري تغيير شكلها من خلال تغيير الكلمات.
وهنا يكتسب مصطلح "تبييض الحبس الانفرادي" معناه الحقيقي؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد تغيير بعض الكلمات، بل بتغيير موقع الضحية والمعاناة.
فعندما يوصف الحبس الانفرادي، بكل ما رواه المعتقلون عنه، بأنه "ممتع" و"فرصة للنمو"، فإن الفظائع وأعمال التعذيب التي تعرض لها السجناء السياسيون وغير السياسيين تُقصى عمليًا من صلب الرواية.
وكلام جلایی بور هنا لا يتعلق فقط بتجربته الشخصية؛ بل يقدم صورة تقلب معاناة السجين، وبدلاً من الإصغاء إلى صوت شخص تحطم داخل الحبس الانفرادي، تتحدث عن "العزلة" و"التأمل".
وهذه هي النقطة التي يحدث عندها "التبييض": يتحول التعذيب، بلغة أخرى، إلى فرصة، وتُفرغ معاناة الضحية من معناها من خلال بضع كلمات جميلة الرنين.
ولو كان لروايات الذين عاشوا تجربة الحبس الانفرادي مكان تُسمع فيه، لما أمكن تزيين الزنزانة الانفرادية بكلمات مثل "المتعة" و"النمو" و"التأمل". فخلف هذه الكلمات يقف أناس تحدثوا عن الضغط والبكاء والاستنزاف والجروح التي لم تنتهِ بمجرد فتح باب الزنزانة.
وربما تكمن المسألة تحديدًا هنا: عندما نُقصي لغة المعاناة عند الحديث عن التعذيب، ونستبدل بها الحديث عن "النمو"، فإننا لم نعد نروي التجربة نفسها بطريقة مختلفة فحسب، بل حذفنا الشخص الذي عانى منها من روايته نفسها.