وحتى التهديدات الأخيرة التي أطلقتها طهران لمواجهة هذه الهجمات لم تُنفذ وبقيت بلا تأثير؛ وهو ما أثار أيضًا احتجاج مؤيدي النظام.
وفي الثالث من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه بات يمتلك "سيطرة عملياتية" على هذه المرتفعات؛ وهو تعبير يشير إلى أن هذه التلة لم تُحتل بالكامل بعد، لكنها باتت على وشك السقوط. ولم يؤكد حزب الله هذا الادعاء بشكل كامل ولم ينفه، فيما طرحت وسائل الإعلام المقربة من النظام الإيراني روايات متناقضة، ووصفت الادعاء في الوقت نفسه بأنه صحيح وغير صحيح.
وفي الجانب الآخر، لم تتوقف هجمات تل أبيب وقصف هذه المنطقة فحسب، بل ازدادت حدتها. والسؤال الآن هو: هل سيدفع ضغط المؤيدين الحكومة إلى رد عسكري، وهل ستشعل هذه التلة نار حرب جديدة في المنطقة؟
"جميع الجبهات" إلى أي مدى؟
أظهر نص مذكرة التفاهم التي وُقعت بين طهران وواشنطن اهتمام النظام الإيراني بلبنان؛ إذ وافق على ربط أمن إيران بأمن هذه المنطقة. وكان البند الأول من مذكرة التفاهم ينص صراحة على أن الولايات المتحدة وإيران وحلفاءهما "يعلنون الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان"، ويتعهدون بـ"ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته".
وكانت هذه العبارة موضع نزاع بين الطرفين منذ البداية. فقد أعلن رئيس وزراء باكستان ومستضيف المفاوضات، شهباز شريف، أن "جميع الجبهات، بما فيها لبنان" جزء من الاتفاق، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نفى ذلك بعد ساعات.
ووصف رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، إدراج لبنان بأنه إنجاز لإيران، وقال: "لقد أدرجنا جبهة المقاومة ولبنان في البند الأول من مذكرة التفاهم". لكنه هو نفسه اعتبر لبنان مرارًا أحد بنود مذكرة التفاهم التي جرى انتهاكها، دون أن تتخذ طهران سوى إجراء واحد مهم في مواجهته.
ويصف السفير السابق لطهران في بيروت، مجتبى أماني، معادلة الردع على النحو التالي: "منذ أن قدمنا ردًا عسكريًا، يحاولون تغيير هذه المعادلة؛ المعادلة التي جعلت إسرائيل ونتنياهو لا يجرؤان على مهاجمة بيروت والضاحية".
لكن جنوب لبنان تحول عمليًا إلى مكان تبني فيه إسرائيل منطقتها الآمنة، بينما تكتفي طهران بالمراقبة. والظروف صعبة بالنسبة إلى طهران أيضًا، إذ يقال في شوارع مختلفة إن "جنوب إيران" تحول هو الآخر إلى "جنوب لبنان".
إن الفجوة بين ادعاءات إيران وأفعالها هي بالضبط مساحة المناورة التي تتقدم فيها إسرائيل.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه وثيقة "مذكرة التفاهم" إنهاء الحرب في "جميع الجبهات"، فإن الخط الأحمر العملي لطهران لم يتجاوز حتى الآن نطاق الضاحية في بيروت.
وفي المقابل، تعتبر تل أبيب، استنادًا إلى "الأمن الوجودي"، أن شرط الانسحاب هو نزع سلاح حزب الله بالكامل، وتبرر تحركاتها من قلعة شقيف إلى علي الطاهر في هذا الإطار؛ أما طهران فلم تتخذ إزاء هذا المسار موقفًا فعالًا سوى تحذيرات سرية وغير علنية.
ماذا تريد إسرائيل؟
"علي الطاهر" مرتفع استراتيجي يبلغ ارتفاعه نحو 600 متر فوق مستوى سطح البحر، ويقع بالقرب من مدينة النبطية وعلى بُعد نحو 15 كيلومترًا من الحدود الإسرائيلية.
وبحسب تقارير مصادر أمنية لبنانية وادعاءات إسرائيلية، كان حزب الله قد أنشأ في قلب هذه المرتفعات شبكة تحت الأرض تضم مركز قيادة ومستودعات للأسلحة؛ وهو موقع يربط المناطق الحدودية في جنوب لبنان بالعمق الجبلي لإقليم التفاح في الشمال.
وبحسب رواية الجيش الإسرائيلي، كانت هذه التلة إحدى العقد الرئيسية لوحدة بدر التابعة لحزب الله؛ وهي وحدة يُقال إنها اعتمدت على هذه البنية التحتية للمشاركة في الهجمات الصاروخية على إسرائيل خلال المعركة التي أطلقت عليها طهران اسم "حرب رمضان".
ويتساءل ممثل حزب الله في البرلمان اللبناني، إيهاب حمادة: "كيف يمكن للعدو الإسرائيلي أن يدعي السيطرة على التلة، بينما يواصل قصفها بلا توقف؟"، على حد قوله.
ويضيف أن إسرائيل لم تنشر أي صور عن السيطرة عليها، وتحاول إظهار التلة باعتبارها "آخر معقل" حتى يصنع نتنياهو منها ورقة انتخابية. لكن مراسل إيران قال في تقرير عن هذه التلة إن المنطقة فُقدت منذ فترة طويلة، وإن عناصر الحرس الثوري فيها مروا بوضع وصفه بأنه "عاشورائي".
وهذه الروايات المتناقضة بحد ذاتها تعكس حالة الغموض في المنطقة. ويقول الباحث في المجلس الأطلسي، نيكولاس بلانفورد، إنه إذا كانت إسرائيل تريد الاحتفاظ بـ "علي الطاهر"، فسيكون عليها أن تسيطر أيضًا على المرتفعات الواقعة شمالها وشمال شرقها؛ ويرى أن تل أبيب تفضل تفجير المنشآت والانسحاب إلى أرض أكثر قابلية للدفاع عنها.
ويعزز تقرير شبكة "كان" هذا التقييم أيضًا، ويربطه صراحة بانتهاء عملية علي الطاهر.
إذا كان الأمر كذلك، فيجب اعتبار الهدف الأول لتل أبيب هو تدمير منشآت هذه التلة حتى تتمكن من التمركز بسهولة أكبر في منطقتها الأمنية. لكن مصير هذا الهدف يعتمد أيضًا على رد حزب الله وإيران، إذ إن سقوط التلة سيفتح الطريق أمام احتلال النبطية أيضًا.
ومع ذلك، يبدو أن المعركة في الوقت الحالي لا تدور فقط حول السيطرة على التلة، بل حول قطع الصلة بين خط المواجهة والعمق العملياتي. وقالت مصادر عسكرية لبنانية لـ "إرم نيوز" إن حزب الله نقل مسبقًا جزءًا من أسلحته وأنظمة الدفاع الجوي التابعة له إلى الشريط الجبلي في إقليم التفاح والريحان وعرمتي ومليتا وجبل صافي، وإن المرحلة التالية من الهجمات يُرجح أن تستهدف هذه المناطق نفسها.
إذا توسعت أهداف إسرائيل في لبنان من تحييد موقع محدد إلى تثبيت "منطقة أمنية"، والسيطرة على طرق الوصول، ومنع إعادة بناء قدرات حزب الله بشكل دائم، فإن هذا التحول قد تكون له تداعيات تتجاوز الجبهة اللبنانية.
هل ستخاطر طهران بخوض المعركة؟
في مثل هذا الإطار، سيكون الضغط على حزب الله جزءًا من استراتيجية إسرائيلية أوسع للحد من قدرات النظام الإيراني الإقليمية؛ وهي استراتيجية أشار إليها بنيامين نتنياهو أيضًا بالتأكيد على أن "عمل إسرائيل مع إيران لم ينته بعد".
وبحسب تقرير لـ "رويترز، حذرت طهران واشنطن، عبر سلطنة عُمان، من أنها سترد بقوة في حال شن هجوم واسع على مرتفعات "علي الطاهر"؛ وقال مسؤولان إقليميان لوكالة الأنباء إن "أكثر من 12 عنصرًا في الحرس الثوري" موجودون في المنطقة.
ورد مسؤول في البيت الأبيض بأن هذا الادعاء "غير دقيق"، فيما كتبت صحيفة "معاريف" أن تقييم الجيش الإسرائيلي هو أنه لا توجد أي قوات للحرس الثوري في "علي الطاهر". ويبدو أن الطرفين يحاولان عمدًا إبقاء الوضع غامضًا.
وفي خضم هذا الغموض، أقر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، مساء الأحد 6 سبتمبر الجاري، للمرة الأولى ضمنيًا، قائلاً عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية: "تمكنت إسرائيل، لأسباب سنوضحها لاحقًا، من السيطرة على بعض الأماكن".
وفي المقابلة نفسها، أعلن عن قرب الإعلان عن "منطقة محظورة" خارج مضيق هرمز.
أي أنه في الوقت الذي قبلت فيه طهران بشكل جزئي بهزيمة جنوب لبنان، نقلت تصعيد التوتر إلى المنطقة الخليجية، وليس إلى لبنان.
وفي تحليل سلوك طهران، يظهر منطق مزدوج: تجنب تصعيد المواجهة المباشرة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تركيز القدرات على الحفاظ على الأمن المحيط بها عند حدودها الجنوبية، دون فتح جبهة جديدة.
وفي هذا السياق، يوفر مضيق هرمز أداة ضغط مباشرة ومستقلة عن قدرات الحلفاء المتضررين؛ وهي أداة يمكن التحكم في حدتها، وتوجيه الضغط من خلالها بصورة غير مباشرة نحو واشنطن.
لكن هذا المضيق يبدو عرضة للخطر بسبب الإجراءات الأميركية المتمثلة في الحصار البحري والهجمات على ناقلات النفط. كما أن هشاشته قد تزداد بسبب فقدان جماعة أنصار الله اليمنية السيطرة على مضيق باب المندب.
ومع ذلك، تواجه طهران تراكمًا من الضغوط متعددة المستويات: ضغوط اقتصادية ساحقة، وحصار بحري، واستياء اجتماعي متزايد. وفي الوقت نفسه، فإن تراجع قدراتها الميدانية وفقدان حزب الله والحوثيين لمواقعهم يزيدان من بروز العزلة الاستراتيجية للنظام الإيراني.
وإذا أوصل هذا المسار حسابات طهران إلى نقطة تصبح فيها التكاليف غير محتملة، فإن احتمال التحول من الانفعال إلى الخروج من حالة التردد وتفعيل السياسات الهجومية المعلنة سيزداد، وقد يعتبر النظام أن التصعيد وسيلة للسيطرة على الوضع.