بزشكيان يحظى بتصفيق "الجنرالات".. وصمت مجتبى خامنئي مستمر

تحدث الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في 23 سبتمبر (أيلول) 2026.

تحدث الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في 23 سبتمبر (أيلول) 2026.
وأمضى جنرالات إيران والمتشددون الأسبوع في تحذير مسعود بزشكيان من الابتسام في نيويورك. وبعد خطابه أمام الأمم المتحدة، اصطفوا للإشادة به. لم يكن قد غيّر موقفهم من التفاوض مع واشنطن، بل ألقى خطابًا لم يكن يتطلب منهم تغيير موقفهم.
وأما الصوت الوحيد القادر على حسم ما تريده طهران من الدبلوماسية الجارية في نيويورك، فلم يُسمع على الإطلاق. فالمرشد مجتبى خامنئي، لم يدلِ بأي تصريح علني بشأن الاتصالات مع واشنطن، أو الهجمات على وزير خارجيته، أو الخطاب نفسه.
ولم يستقبل الرئيس قبل سفره. كما أن هذه هي أول دورة للجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 37 عامًا لا يكون فيها والده المرشد الأعلى لإيران.
ما الذي تغيّر وما الذي لم يتغيّر؟
قبل الخطاب، كانت الصحافة المتشددة معادية للرحلة نفسها. وحذرت صحيفة "كيهان" من أن "نيويورك ليست مكانًا للابتسامات والمفاوضات"، ودعت إلى تحويل الجمعية العامة إلى "محكمة لجرائم الولايات المتحدة". وكتبت وكالة "فارس"، المرتبطة بالحرس الثوري، أن بزشكيان لم يكن ينبغي له الذهاب أصلاً.
وفي المقابل، دفع المعتدلون في الاتجاه الآخر. فقد ذكّرت صحيفة "اعتماد" بالاجتماعات التي أخفق الرؤساء الإيرانيون في عقدها مع بيل كلينتون عام 2000 وباراك أوباما عام 2013، فيما حثّ الإصلاحي مهدي كروبي بزشكيان على الاجتماع مع دونالد ترامب.
ولكن بزشكيان لم يفعل هذا ولا ذاك. وبعدما استخدم ترامب منبر الأمم المتحدة لتهديد إيران بـ "الإبادة"، قال الرئيس الإيراني إنه أعاد كتابة خطابه. ورفع صور أطفال قُتلوا في الهجوم على مدرسة في ميناب خلال الساعات الأولى من الحرب، إلى جانب صورة المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، وقال إن إيران دافعت عن نفسها "بقوة"، وإنها لا تزال منفتحة على التفاوض، لكنها لن تقبل "لغة الإكراه".
ولم يتضمن الخطاب أي عرض، ولا بادرة باتجاه عقد لقاء، ولا شيئًا يمكن لمتشدد أن يصفه بأنه ضعف.
وجاءت الإشادة خلال ساعات، وكانت تشيد بالتحدي والمواجهة.
وقال المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، إن الرئيس "في قلب نظام الاستكبار، أعاد إيصال رسالة القوة والاعتزاز والكرامة والأمل لشعب"، وذلك في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية "إرنا".
وأضاف أن إيران ستعتمد على الوحدة "من أعلى مسؤول تنفيذي في البلاد إلى المقاتلين الشجعان في الميدان وإلى الشعب في الشوارع".
وقال محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، إن بزشكيان "ممثل جدير وصوت جميع الإيرانيين"، وإنه كان "حاسمًا ومنطقيًا وعقلانيًا".
وكتب مخبر على منصة "إكس" أن الرسالة كانت واضحة: "لن نحني رؤوسنا، ولن ننسى شهداءنا، وسنجعل المعتدين يندمون على أفعالهم".
وقال رئيس أركان القوات المسلحة وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، علي عبد اللهي، وهو مركز القيادة الحربية الإيراني، إن الشعب "من خلال بزشكيان، صفع الرئيس الأميركي المجرم أمام أنظار العالم"، وإن القوات المسلحة تقف "بانسجام وبصوت واحد مع الشعب والرئيس المحترم".
وأشاد قائد الجيش، أمير حاتمي، بالخطاب يوم الخميس أيضًا، قائلاً: "السيد الرئيس، أحسنت. نشكركم بصدق"، ووصف الخطاب بأنه "تجسيد لوحدة وتنسيق إيران بأكملها في مواجهة العدو المتنمر".
وكتب رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، أن بزشكيان "لم يتحدث باسم حكومة فحسب، بل باسم حضارة عمرها 3 آلاف عام".
وقد أشادت كل واحدة من هذه التصريحات بالخطاب بسبب ما رفضه. ولم يذكر أي منها المفاوضات.
الصوت الغائب
في السنوات السابقة، كانت وسائل الإعلام الرسمية تحرص على إظهار الرئيس وهو يلتقي المرشد الأعلى قبل قيامه برحلة مهمة، بما في ذلك قبل اجتماعات الجمعية العامة. وكان ذلك اللقاء بمثابة الإشارة: الرئيس يسافر بتفويض من المرشد، والجميع في طهران يعرف ذلك.
لكن لم يُعلن عن مثل هذا اللقاء هذا العام. ولم يُشاهد مجتبى خامنئي أو يُسمع صوته علنًا منذ اختياره لخلافة والده في مارس (آذار) الماضي، كما أنه لم يصدر أي تصريح بشأن نيويورك.
وكان أقرب شخص إلى الحديث نيابة عنه هو يحيى رحيم صفوي، أحد مستشاريه العسكريين، يوم الأربعاء. وقال صفوي في التلفزيون الرسمي: "إذا كان المرشد الأعلى قد رأى أن من المصلحة ترك أيدي الحكومة مفتوحة في المفاوضات، فهذه خطوة مهمة تنم عن الحكمة". وحتى المستشار تحدث بصيغة افتراضية.
وهذا يترك تصفيق الجنرالات يؤدي وظيفة كان لقاء المرشد بالرئيس يؤديها في السابق. فقد أبلغت تصريحاتهم طهران بأن الخطاب حظي بالموافقة. لكنها لم تخبر أحدًا ما إذا كانت الاتصالات المحيطة بالخطاب تحظى بالموافقة أيضًا.
الخلاف الذي لم يتوقف
استمر الجدل بشأن تلك الاتصالات حتى بعد الإشادة بالخطاب، وهو جدل يتعلق بالتفويض، وليس بمبدأ إجراء محادثات من عدمه.
فقد واجه عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إبراهيم رضائي، وزير الخارجية عباس عراقجي، يوم الأربعاء 23 سبتمبر، بسبب اجتماعه في نيويورك مع المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف.
وكتب رضائي على منصة "إكس": "بناءً على أي تفويض وسياسة، التقى وزير الخارجية ممثل العدو المعتدي؟".
وقال إن الشروط الإيرانية السبعة سبق أن أُبلغت إلى واشنطن، مضيفًا أن "لا شيء ينتج عن مثل هذا الاجتماع غير القانوني سوى إظهار الضعف".
ووصفت وكالة "تسنيم"، التابعة للحرس الثوري الإيراني، تفسير عراقجي بأنه "طفولي ودنيء"، ونقل عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، أن الخطة المعتمدة كانت تقضي بنقل الشروط عبر وسطاء، وليس الاجتماع مع ويتكوف. ووصف الموقع اللقاء بأنه "خطأ كبير".
كما قالت وكالة "فارس" إن الاتصال خفف الضغوط عن واشنطن من دون الحصول على أي شيء في المقابل.
ويوم الخميس، قال علي خضريان، وهو عضو آخر في اللجنة، إن عراقجي لم يكن مخولًا بإجراء محادثات مباشرة، وإن النواب تقدموا بطلب لاستجوابه تمهيدًا لعزله.
وقال: "يجب على عراقجي، بعد عودته من رحلته، أن يجيب أمام البرلمان عن الأساس الذي جرى على أساسه هذا الحوار مع الجانب الأميركي".
وكان للوزير أيضًا مدافعون عنه. وقال عضو البرلمان، مجتبى زارعي، إن تحرياته الخاصة أظهرت أن عراقجي كان مخولاً بالاجتماع مع ويتكوف.
وكتب: "لم تكن هناك مفاوضات ولا توجد مفاوضات"، مضيفًا أن الشروط السبعة نُقلت مباشرة إلى مبعوث ترامب.
وكان المتحدث باسم الحرس الثوري، قد حدد بالفعل الشروط بقوله: "نحن لا نرفض الدبلوماسية، لكننا نفرض شروطنا الخاصة. وستثبت قوتنا الدفاعية في الميدان".
الرجل الذي بقي في مقعده
تعلق خلاف آخر بناصر أسدي، وهو عضو في البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة، بقي في القاعة أثناء خطاب ترامب.
ووصف حسين علي حاجي دليغاني، نائب رئيس اللجنة الرقابية في البرلمان، التي تتولى النظر في الشكاوى العامة ضد أجهزة الدولة، ذلك بأنه "مصدر للعار والأسف"، وقال إن النواب سيستخدمون "جميع الأدوات الرقابية، بما في ذلك استجواب عراقجي".
وقارنت حسابات متشددة بين أسدي والوفود التي غادرت القاعة.
ودافع المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، عنه، قائلاًا: "مقعد إيران في مكان مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة هو خندقنا".
وأضاف: "إذا كان من المفترض أن نغادر هذا الخندق بسبب الكلمات القاسية والعداء والإهانات التي يوجهها الآخرون، فمن المؤكد أننا لم نؤدِّ واجبنا".