من مكالمة سرية إلى قصف مباشر..كيف خطط ترامب ونتنياهو لمقتل خامنئي وإسقاط النظام الإيراني؟ | إيران إنترناشيونال
من مكالمة سرية إلى قصف مباشر..كيف خطط ترامب ونتنياهو لمقتل خامنئي وإسقاط النظام الإيراني؟
نشرت وكالة "رويترز" تقريرًا عن كيفية مقتل المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، وبداية الحرب بين أميركا وإسرائيل ضد إيران، مشيرة إلى أنه قبل أقل من 48 ساعة على بدء الهجوم الأميركي والإسرائيلي، تحدث نتنياهو في مكالمة هاتفية مع ترامب حول أسباب بدء الحرب، يوم السبت 28 فبراير (شباط).
وقالت رويترز إن كلًا من ترامب ونتنياهو، استنادًا إلى تقارير استخباراتية في بداية الأسبوع نفسه، اكتشفا أن المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، وأقرب مساعديه سيجتمعون قريبًا في مكتبه بطهران.
وأوضحت ثلاثة مصادر مطلعة، لم تكشف أسماءها لوكالة "رويترز"، أن المعلومات الجديدة أشارت إلى تغيير موعد هذا الاجتماع من ليلة السبت إلى صباح السبت. وناقش نتنياهو هذا الأمر مع ترامب في مكالمته الهاتفية التي لم تُعلن سابقًا.
وأضاف التقرير أن نتنياهو، الذي كان مصممًا على تنفيذ عملية كان يسعى لها منذ عقود، رأى أن هذه قد تكون الفرصة الأمثل لقتل خامنئي والانتقام لما وصفه بمحاولات النظام الإيراني السابقة لاغتيال ترامب.
وذكرت "رويترز" أن وزارة العدل الأميركية اتهمت رجلًا باكستانيًا بمحاولة استقطاب أشخاص في الولايات المتحدة لاغتيال ترامب خلال حملته الانتخابية، في خطة صممت كانتقام لمقتل قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، بأمر من ترامب.
وأوضحت المصادر أن ترامب كان قد وافق على فكرة تنفيذ عملية عسكرية ضد النظام الإيراني قبل مكالمة نتنياهو، لكنه لم يقرر بعد توقيت دخول الولايات المتحدة في الحرب.
خلال الأسابيع التي سبقت الهجوم، عززت القوات الأميركية انتشارها في المنطقة، إلى درجة أن كثيرين داخل الإدارة اعتقدوا أن بدء الحرب يحتاج فقط إلى أمر من الرئيس. وكان أحد التواريخ المحتملة للهجوم قد أُلغي قبل أيام بسبب سوء الأحوال الجوية.
وأكدت "رويترز" أن مدى تأثير حجج نتنياهو على قرار ترامب غير واضح، لكن المكالمة مثلت عمليًا آخر حجة قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي للرئيس الأميركي. وأشارت إلى أن المكالمة، مع المعلومات التي أشارت إلى ضياع فرصة مقتل المرشد الإيراني، كانت عاملًا محفزًا لقرار ترامب النهائي يوم 27, فبراير الماضي لبدء عملية "الغضب الملحمي".
،حسب التقرير، جادل نتنياهو خلال المكالمة بأن ترامب يمكنه أن يصنع تاريخًا بمساعدة في القضاء على المرشد الإيراني، الذي يُعتبر مكروهًا في الغرب وبين كثير من الإيرانيين، وأن الإيرانيين قد يخرجون إلى الشوارع للإطاحة بنظام الحكم والمسؤول عن الإرهاب وعدم الاستقرار العالمي.
وبدأت أولى القنابل صباح السبت 28 فبراير الماضي على مكتب علي خامنئي، وأعلن ترامب في نفس الليلة مقتله.
وصرح ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي، بأن موت خامنئي يعني عمليًا نهاية النظام الإيراني.
رغم ذلك، نفى نتنياهو، يوم الخميس 19 مارس (آذار) الجاري، في مؤتمر صحافي أي ادعاء بأن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران ووصف الأخبار المتداولة بأنها مزيفة، وقال: "هل يعتقد أحد حقًا أنه يمكن أن يخبر الرئيس ترامب بما يجب أن يفعله؟ توقفوا!"
وقال ترامب أيضًا علنًا إنه اتخذ قرار الهجوم بنفسه بالكامل. وأكدت "رويترز" أنه لا توجد أدلة على أن نتنياهو أجبر ترامب على الحرب، لكن طريقة طرح نتنياهو للموضوع، خاصة أن مع الفرصة المتاحة لقتل خامنئي، كانت مقنعة لترامب، خصوصًا بعد محاولات سابقة لاغتياله.
وأشار وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، في أوائل مارس الجاري، إلى أن الانتقام كان أحد دوافع العملية، قائلًا: "حاول النظام الإيراني قتل الرئيس ترامب، وفي النهاية نجح الرئيس ترامب".
أهداف الحرب: البرامج النووية والصاروخية في حرب الـ 12 يومًا خلال حملته الانتخابية 2024، ركز ترامب على سياسة "أميركا أولاً" وقال علنًا إنه يريد تجنب الحرب مع إيران والتعامل دبلوماسيًا مع طهران.
لكن بعد فشل المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني في الربيع الماضي، بدأ ترامب بالتفكير تدريجيًا في الخيار العسكري.
ووقع أول هجوم في يونيو (حزيران) الماضي عندما قصفت إسرائيل المنشآت النووية ومواقع الصواريخ الإيرانية، ما أسفر عن مقتل عدد من كبار المسؤولين في النظام الإيراني، وانضمت القوات الأميركية لاحقًا إلى الهجوم، وبعد نهاية العملية المشتركة التي استمرت 12 يومًا، أشاد ترامب بالنجاح وقال إن الولايات المتحدة دمرت المنشآت النووية الإيرانية.
وأضافت "رويترز" أن الأشهر التالية شهدت محادثات بين أميركا وإسرائيل حول هجوم جوي ثانٍ لاستهداف منشآت صاروخية إضافية وحرمان إيران من القدرة على تصنيع أسلحة نووية.
ورغبت إسرائيل أيضًا في مقتل خامنئي، الذي أرسل صواريخ متعددة إلى إسرائيل وساند الجماعات المسلحة التابعة له في محيطها، بما في ذلك حماس وحزب الله.
وفي البداية، اعتقد الإسرائيليون أنهم سينفذون الهجوم بمفردهم، لكن في ديسمبر (كانون الأول)، خلال لقاء نتنياهو مع ترامب في مارالاغو بفلوريدا، أظهر ترامب استعداده لهجوم آخر، رغم رغبته في توفير فرصة جديدة للمفاوضات الدبلوماسية.
القرار النهائي حددت "رويترز" عاملين دفعا ترامب نحو الهجوم الثاني:
1. عملية الولايات المتحدة في ۳ يناير لاعتقال نيكولاس مادورو في كراكاس التي تمت بدون خسائر للقوات الأمريكية، مما أظهر أن العمليات الكبيرة يمكن أن تكون محدودة النتائج.
2. الاحتجاجات الشعبية واسعة النطاق في إيران التي قوبلت بقمع شديد من الحرس الثوري ومقتل آلاف الأشخاص.
ومع تصاعد التعاون العسكري بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، جرت التخطيطات المشتركة في جلسات سرية، وشرح نتنياهو لترامب في زيارته لواشنطن في فبراير الماضي برنامج إيران الصاروخي ومخاطره، بما في ذلك إمكانية ضرب أميركا.
وقبل المكالمة، حذر وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قادة الكونغرس أن إسرائيل قد تشن هجومًا على إيران سواء بمشاركة أميركا أو بدونها، وأن إيران قد تستهدف مواقع أميركية في المنطقة.
وأُبلغ ترامب بأن احتمالًا ضئيلًا لكنه موجود، أن يؤدي القضاء على قادة النظام الإيراني إلى تشكيل نظام أكثر استعدادًا للتفاوض.
وأشارت "رويترز" إلى أن نتنياهو طرح في المكالمة موضوع تغيير النظام في إيران، رغم أن تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كان يشير إلى أن خلفًا متشددًا قد يحل محل خامنئي.
وبعد مقتله، تم تعيين ابنه المعروف بمواقف معادية للولايات المتحدة كخليفة له، لكن لم تظهر أي معلومات عن حالته الصحية بعد الهجوم.
وقال ترامب بعد مقتل علي خامنئي إن الإيرانيين يمكنهم الانتفاض عندما يحين الوقت المناسب، ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، لا يزال الحرس الثوري موجودًا بأسلحته في الشوارع، فيما ينتظر ملايين الإيرانيين في منازلهم اللحظة المناسبة.
أفادت معلومات حصلت عليها "إيران إنترناشيونال" من شهود عيان بأن ممرضتين في مستشفى رجائي للقلب بطهران، واللتين اعتُقلتا في 8 يناير (كانون الثاني) الماضي بسبب محاولتهما علاج المحتجين، تعرضتا لتعذيب شديد واعتداء جنسي متكرر بأقسى الطرق الممكنة.
ووفقًا للمعلومات، فقد تعرّضت هاتان الممرضتان أثناء الاحتجاز لتعذيب شديد واعتداءات جنسية متكررة، مما أدى إلى إزالة أجزاء من أمعائهما وأصبحتا الآن تعيشان باستخدام كيس القولون (Colostomy).
وقال الشهود إن إحدى الممرضات، البالغة من العمر 33 عامًا، تعرّضت لاعتداءات متكررة أثناء الاحتجاز. وأوضحوا أن الضباط قاموا بالاعتداء عليها جنسيًا بطرق مختلفة، بما في ذلك الاغتصاب بالأصابع بشكل جماعي ومن قِبل عدة أشخاص على مدى أيام متواصلة، كما تم إدخال جسم غريب إلى شرجها ما أدى إلى نزيف حاد.
وفي شكل آخر من أشكال التعذيب، كان يتم رفعها مع عشرات النساء إلى مكان مرتفع ثم دفعهن جميعًا إلى مساحة ضيقة تشبه الحفرة.
وقال أحد المصادر إن الأضرار الجسدية لهذه الممرضة كانت شديدة لدرجة إزالة جزء من أمعائها، كما تعرّض رحمها لتمزق شديد وأُجريت لها عمليتان جراحيتان، وربما يضطر الأطباء لاستئصال رحمها بالكامل.
وقبل نقلها إلى غرفة العمليات، طلبت الممرضة مرارًا من الأطباء ألا يسمحوا لها بالبقاء على قيد الحياة، وقالت إنها إذا خرجت حية ستنتحر. وبحسب شهود عيان، كانت حالتها النفسية حرجة للغاية لدرجة أن يديها تم تقييدهما إلى سرير المستشفى لمنعها من إيذاء نفسها، وكانت تحت مراقبة قوات الأمن في الوقت نفسه.
التعذيب والاعتداء حتى حافة الموت
أُجريت أيضًا عمليات جراحية لممرضة أخرى من المعتقلين، إذ تضررت أجزاء من أمعائها وربط لها كيس قولون، كما أُزيل رحمها بالكامل بسبب نزيف شديد.
وقالت المصادر إن عائلة إحدى الممرضات اضطرت لدفع مبالغ مالية كبيرة لأحد ضباط الاستخبارات للحصول على وثيقة تفيد بأن المرأة دخلت في عقد مؤقت مع الضابط، بهدف تسهيل إطلاق سراحها، كما أُخذ تعهد منها بأنها ستعلن بعد الإفراج أنها تعرضت للاعتداء من ِقبل «المحتجين».
ويقع مستشفى رجائي للقلب في منطقة ولي عصر، وواجه موجة كبيرة من الجرحى مساء 8 يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث نُقل عدد كبير من الأشخاص المصابين برصاص حي إلى المستشفى بعد الساعة التاسعة مساءً.
مقاومة الطاقم الطبي لأوامر الأمن
أمر الضباط موظفي مستشفى رجائي بعدم تقديم الرعاية للجرحى، لكن من بين 27 موظفًا وممرضًا في القسم، قاوم 14 منهم هذا الأمر وحاولوا مساعدة المصابين.
من بين هؤلاء، اعتُقل ممرضان بسبب اعتراضهما على الوضع وإظهار تعاطف مع الجرحى، وتمكنت سبع ممرضات فقط من الاستمرار في تقديم المساعدة لبضع ساعات أخرى.
وبحسب المعلومات، استمر هؤلاء السبعة في علاج الجرحى حتى حوالي الساعة 11 إلى 12 مساءً، قبل أن تدخل قوات القمع المستشفى وتطلق النار على بعض الجرحى، وعندما اعترض الموظفون والممرضون، تعرضوا للضرب وتم نقلهم إلى الطابق السفلي وقسم المخازن.
وقال الشهود إن بين هؤلاء السبعة، استُهدف ممرضتان بالرصاص أمام الآخرين وقتلتا، وتم تحذير الموظفين بعدم لمس جثتيهما وتركهما في مكانهما.
وفقًا للمعلومات، عثر أهالي هاتين الممرضتين على جثتيهما بعد أيام في "كهريزك"، كما تم اعتقال خمس ممرضات أخريات ونقلهن إلى معتقل، وظلّت عائلاتهن بدون معرفة بحالتهن لأسابيع.
حصلت "إيران إنترناشيونال" على وثيقة سرية تُظهر أن منظمة استخبارات الحرس الثوري الإيراني مارست ضغوطًا على أعضاء مجلس "خبراء القيادة" عبر نقل وتزوير تصريحات للمرشد الراحل، علي خامنئي، بهدف تقديم مجتبى خامنئي كمرشد ثالث للنظام.
وتؤكد الوثيقة أن استخبارات الحرس الثوري أرسلت رسائل نصية لأعضاء مجلس خبراء القيادة في الأيام التي سبقت الإعلان الرسمي عن اسم مجتبى خامنئي، لإقناعهم بأنه يجب أن يصبح المرشد الجديد.
وأعلنت طهران في 9 مارس (آذار) الجاري رسميًا أن مجلس الخبراء اختار مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، كمرشد ثالث للنظام الإيراني.
وكانت "إيران إنترناشيونال" قد أفادت، في 3 مارس الجاري، نقلاً عن مصادرها، أن الحرس الثوري بدأ ضغوطه على مجلس "خبراء القيادة" لتهيئة الأرضية لاختيار مجتبى خامنئي.
ووفق الوثيقة السرية، فإنه تم إرسال الرسائل إلى عدد من أعضاء مجلس الخبراء، في 5 مارس الجاري.
وتزعم هذه الرسائل أن علي خامنئي أخبر القائم بأعمال رئيس مكتبه، علي أصغر حجازي، وأعضاء آخرين من مكتبه، ثلاث مرات بأن آراء مجتبى تمثل آراءه هو نفسه، كما نقل حسين فدائي، المفتش الخاص لمكتب خامنئي، كلامًا مشابهًا عن ابنه.
ونقلت استخبارات الحرس الثوري عن علي فدوي، رئيس هيئة مستشاري القائد العام للحرس الثوري، أن خامنئي قال له: «أنا أنقل بعض الأمور لكم عبر مجتبى».
كما زعم غلام علي حداد عادل، والد زوجة مجتبى خامنئي، أن خامنئي قال له في يوم خطبة مجتبى على ابنته: «رأي مجتبى أقرب إليّ من بقية أبنائي».
ويخصص جزء آخر من الوثيقة السرية لتبرير توريث القيادة في النظام الإيراني عبر اختيار مجتبى خامنئي.
وقبل عامين، قال عضو مجلس خبراء القيادة، محمدي عراقي، في مقابلة مع وكالة "إيلنا"، إنه سمع أن مجتبى خامنئي كان ضمن ثلاثة خيارات لدى المجلس، لكن علي خامنئي اعترض عندما علم بذلك، قائلاً: "إن هذا الأمر يثير شبهات حول توريث القيادة، ولذلك لا يجب حتى مناقشته".
والآن، تُظهر رسائل استخبارات الحرس الثوري لأعضاء مجلس الخبراء أنه بعد تصريحات محمدي عراقي، ذهب مجتبى وميثم خامنئي إلى والدهما وسألاه عن هذا الموضوع، فقال خامنئي إنه لم يطلق هذا التصريح.
ونقلت الاستخبارات عن أمين لجنة التحقيق بمجلس الخبراء، مجيد يزدي، أنه قرأ نص الاجتماع وقال نصًا: «حضرت آقا لم يقل ذلك».
كما تؤكد الوثيقة نفس الاقتباس القديم، بعد انتخابات الرئاسة عام 2005، حين نقل مهدي كروبي، المرشح آنذاك، وعلي أكبر ناطق نوري، المفتش السابق لمكتب خامنئي، عن الأخير قوله إن مجتبى «ليس مجرد ابن، بل هو القائد».
وفي الأسبوع الماضي، كرر رئيس منظمة التبليغات الإسلامية، محمد قمي، هذا الاقتباس على التلفزيون الإيراني الرسمي.
وفي الجزء الثالث من الوثيقة، حاولت استخبارات الحرس الثوري، عبر تزوير بعض التصريحات المنسوبة لخامنئي، تقديم مجتبى كشخصية ذات مكانة فقهية، مثل قول عضو مجلس خبراء القيادة، محمد علي جزائري، إنه ناقش مجتبى علميًا، وأنه لا يقل عن الآخرين.
وأكّدت الوثيقة أن مجتبى خامنئي في رسالة مكتوبة شدد على الانتقام، ومهاجمة الجيران، وإغلاق مضيق هرمز.
كما ذكر أنه خلال السنوات الأخيرة، سأل خامنئي مجتبى عدة مرات عن سبب عدم وضع "حواشي" على كتاب عروة الوثقى لمؤلفه محمد كاظم طباطبائي يزدي، وهو أحد متطلبات الوصول لأعلى درجات الاجتهاد.
ويكشف أهم جزء في الوثيقة عن تنفيذ الحرس الثوري مشروع التدخل في اختيار المرشد الثالث للنظام. وأكدت استخبارات الحرس أن هذا التدخل ليس خطأ بل واجب، ويجب شرحه شخصياً لأعضاء مجلس الخبراء، إذ إن السماح بأي خلل محتمل في اختيار مجتبى غير مقبول في الظروف الحالية.
وفي الفقرة الأخيرة من الوثيقة، التي حصلت عليها مجموعة القرصنة "لب دوختكان" (مخيطو الشفاه) المعارضة للنظام الإيراني، وسلمتها إلى "إيران إنترناشيونال"، هددت استخبارات الحرس ضمنياً بأنه إذا استمر أي عضو في مجلس الخبراء في معارضة مجتبى، فستتحقق المنظمة من سبب معارضته المشكوك فيه.
وخلال الأيام الماضية، نقل بعض مسؤولي النظام الإيراني محتويات هذه الوثيقة حرفيًا في برامج التلفزيون الرسمي.
وقال علي فدوي إن مجتبى خامنئي متفوق في المجالات العسكرية والسياسية والعلمية والتكنولوجية.
كما ذكر مجيد تلخابي، عضو سابق في مجلس خبراء القيادة، أن علي خامنئي جمع بعض أعضاء مكتبه عدة مرات وأخبرهم بأن كلام نجله مجتبى هو كلامه الشخصي.
أفادت مصادر مطلعة لـ "إيران إنترناشيونال" بأن الوحدات العسكرية التابعة للنظام الإيراني تواجه وضعاً حرجاً. وتشير التقارير إلى وجود فجوة عميقة بين الجيش والحرس الثوري، ونقص حاد في المستلزمات الأساسية، وفشل خطط تعبئة القوات لمواجهة الأزمة الحالية.
كما يظهر التمييز في تقديم المساعدات بشكل واضح، حيث يمتنع الحرس الثوري عن تقديم الدعم للجنود المصابين في الجيش.
وبحسب التقارير الواردة، تواجه وحدات الجيش معدلات عالية من الخسائر، بينما يمتنع الحرس الثوري عن نقل المصابين إلى المستشفيات رغم توفر الإمكانات. وقد رفض مسؤولو الحرس طلبات الجيش المتكررة بحجة “نقص سيارات الإسعاف ومخزون الدم”.
وأدى هذا التصرف إلى تصاعد الغضب والتوتر بين عناصر وموظفي المؤسستين العسكريتين.
أزمة الإمدادات.. 20 رصاصة لكل جنديين وغياب المياه الصالحة للشرب
أفادت المصادر بأن الوضع في الخطوط الأمامية والوحدات الميدانية للجيش وصل إلى “حد الكارثة”.
وتتمثل أبرز المشاكل التي تواجه القوات العسكرية التابعة للنظام الإيراني فيما يلي: -نقص الذخيرة: أفادت تقارير يوم الثلاثاء 10 مارس (آذار) أنه في بعض الوحدات، تم تخصيص 20 رصاصة فقط لكل جنديين، مما يقلص فعلياً القدرة الدفاعية للقوات.
- غياب المياه والطعام: في العديد من الوحدات الميدانية، لا تتوفر حتى المياه الصالحة للشرب للجنود.
- موجة هروب: الظروف القاسية وتجاهل القادة دفع الجنود إلى الفرار جماعياً من الثكنات واللجوء إلى المدن المجاورة.
الأولوية للأسلحة على المعيشة
أفادت المصادر لـ "إيران إنترناشيونال" بأنه حتى وحدات الصواريخ التابعة للحرس الثوري الإيراني، التي عادةً ما تحظى بالأولوية، تعاني أعطالاً واسعة في المعدات الاتصالية ونقص الغذاء.
ورغم ذلك، تشير المعلومات إلى أن سلسلة القيادة ترسل فقط قطعاً فنية للحفاظ على عمل المنظومات الصاروخية، بدلاً من إرسال وجبات غذائية أو معدات فردية للجنود، ما يدل على أن أولويات النظام هي الحرب، وليس الحفاظ على حياة جنوده.
فشل خطة تعبئة الاحتياطيات
من ناحية أخرى، فشلت محاولات الحرس الثوري لتعبئة قوات الاحتياط يوم الأربعاء 11 مارس (آذار) بشكل “ذريع”.
وأفادت مصادر ميدانية لـ "إيران إنترناشيونال" بأن العديد من الجنود المستدعين استغلوا هذه الفرصة للفرار بدلاً من التوجه إلى المراكز العسكرية، كما قام بعضهم بتوجيه أفراد عائلاتهم نحو المناطق الحدودية لمغادرة البلاد.
في أعقاب الهجمات العنيفة، التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع النظام الإيراني ومقتل المرشد السابق، علي خامنئي، نفذ النظام الإيراني وعده بإشعال حرب إقليمية ومهاجمة دول الجوار.
والسؤال المطروح هو: هل يمكن لهذا النهج أن يمنع سقوط النظام الأيديولوجي الذي يحكم إيران منذ 47 عامًا؟
وقادت السياسات المدمرة للنظام في النهاية إيران وشعبها إلى حرب كانت طهران قد هددت بها المنطقة لسنوات، بشكل علني وسري.
وفي مثال قريب على هذه التهديدات، أعلن خامنئي في 2 فبراير (شباط) الماضي أي قبل نحو شهر من مقتله نتيجة هجوم صاروخي أميركي- إسرائيلي، أنه إذا قامت الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد النظام الإيراني فإن الحرب هذه المرة ستكون “حربًا إقليمية”.
ولتنفيذ هذه الاستراتيجية التي وضعها المرشد الراحل للنظام الإيراني، قامت القوات المسلحة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، بإقحام جيران إيران في الحرب إلى درجة أن بعض الأصدقاء المقربين في الأمس (وبشكل خاص قطر) تحولوا إلى خصوم اليوم.
ولم تقتصر الهجمات على الدول الخليجية فحسب، بل تعرضت جمهورية أذربيجان وتركيا أيضًا لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن السؤال يبقى: هل يمكن لهذه السياسة أن تفتح طريق إنقاذ للنظام الإيراني، أم أن هذا النظام وصل بالفعل إلى نهاية الطريق؟
التحرك نحو نهاية الطريق
خلال سنوات وجودها، ورغم أن النظام الإيراني تمكن في بعض المنعطفات، وسط مسار من التراجع وبعد فترات من الركود الاجتماعي والسياسي، من كسب دعم ملحوظ من الرأي العام (مثلما حدث في عامي 1997 و2001 مع انتخاب محمد خاتمي رئيسًا وبداية مرحلة الإصلاحات التي لم تصل إلى نتيجة، وكذلك في انتخابات 2009 التي شهدت مشاركة واسعة من الشعب، ثم فوز حسن روحاني في انتخابات 2013 و2017)، فإن المسار العام للنظام كان مصحوبًا بتراجع واسع في عدد مؤيديه وأنصاره.
وقد بلغ هذا التراجع حدًا واضحًا في انتخابات الرئاسة عام 2024، التي أُعلن فيها فوز مسعود بزشكيان؛ إذ شارك، بحسب الأرقام الرسمية، 39.92 في المائة فقط من المؤهلين للتصويت في الجولة الأولى، و49.48 في المائة في الجولة الثانية.
هذا الانخفاض الملحوظ في شرعية النظام كان نتيجة القمع العنيف للاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في أعوام 1999 و2009 و2019 و2022، وصولاً إلى المجزرة الكبيرة في الشوارع في يناير (كانون الثاني) 2026. كما شهدت هذه السنوات احتجاجات أخرى متكررة، منها الاحتجاجات التي اندلعت بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية بصواريخ الحرس الثوري الإيراني.
ونحو خمسة عقود من الحكم الأيديولوجي غير الفعّال لنظام الملالي أدخلت إيران ومواطنيها في أزمات كبرى متعددة، من بينها أزمات البيئة (ومن أمثلتها جفاف بحيرة أرومية)، ونقص الطاقة وأزمة المياه، والأزمة الاقتصادية والمعيشية، والتمييز والفساد البنيوي، وغيرها.
وقد اتسع نطاق هذه الأزمات وتراكمت إلى درجة أصبح معها فشل النظام واضحًا يومًا بعد يوم لجميع المواطنين. وفي الوقت نفسه، أدى القمع العنيف وغير المحدود إلى خلق حالة من اليأس من إمكانية التغيير الداخلي، وربط بعض الآمال بإمكانية الاستعانة بقوى خارجية لإسقاط النظام الإيراني.
والآن، بعد تجاوز جميع المحاولات الفاشلة التي لم تؤدِّ إلى سقوط النظام (إذ إن قوة القمع والإنفاق الضخم على أجهزة الأمن، إلى جانب قطع الإنترنت ومنع تدفق المعلومات، رجّحت كفة السلطة عمليًا)، ومع استمرار السياسات الحربية، خاصة ضد إسرائيل، وفي وقت تنفذ فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات قوية ضد مواقع النظام، بدأ الحكام الفعليون في إيران تطبيق ما يسمى “سياسة المستنقع”.
وفق هذه السياسة، تحاول طهران ربط مصيرها ومصير نظامها بوجود وأمن جيرانها والمنطقة؛ أي أنها، بينما تغرق في مستنقع صنعته سياساتها وأداؤها، تسعى إلى جرّ الآخرين معها إلى القاع.
وقد أكد قادة النظام الإيراني مرارًا أنهم يمتلكون أدوات لتهديد المنطقة، لكن دول الجوار حذرت في المقابل من أن هذه السياسة لن تكون مجدية بالنسبة لطهران.
ومن بين هذه التحذيرات ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد أن اعترض حلف شمال الأطلسي (الناتو) صاروخًا باليستيًا أُطلق من إيران باتجاه تركيا وتم تدميره فوق البحر المتوسط. فقد حذر الحكومة الإيرانية قائلاً إنها لا تستطيع أن تغرق المنطقة فقط لأنها تغرق هي نفسها.
وأضاف أردوغان أن على طهران أن “تقدّر صداقة أنقرة”.
وبذلك، رغم أن سياسة النظام الإيراني تقوم على إثارة الفوضى، وربما يعتقد مسؤولوه أنهم يستطيعون إنقاذ أنفسهم عبر إشعال حرب إقليمية، فإن ردود فعل دول الجوار على ما تعتبره تنمرًا من طهران قد تكون قاسية، مما سيزيد الوضع صعوبة على القادة القلائل المتبقين في السلطة.
والسؤال الذي يثير قلق الجيران ويزيد من عدائهم تجاه النظام الإيراني هو: إذا فعلت طهران ذلك مرة، فما الضمان ألا تفعله مرة أخرى؟
وبعبارة أخرى، من المرجح أن تتخذ دول المنطقة ردود فعل جدية بكل الوسائل الممكنة، ولن يؤدي إشعال المنطقة بالحرب إلى ضمان بقاء النظام الإيراني أو تثبيت حكمه من جديد.
كما ينبغي الانتباه إلى أن تصعيد العنف واتباع سياسة خارجية أكثر عدوانية غالبًا ما يكونان آخر أدوات الأنظمة التي تكون على وشك الانهيار.
كيف سيكون مستقبل المواجهة مع النظام الإيراني؟
في ضوء مجمل الاتجاهات المشار إليها- من فشل داخلي وخارجي واضح للنظام الإيراني- إضافة إلى الوضع الميداني الحالي المتمثل في تدمير واسع للقدرات العسكرية وجرّ دول الجوار إلى الحرب، يبدو أن سقوط النظام أمر لا مفر منه، وإن كان لا يمكن استبعاد أي احتمال عملي آخر بشكل مطلق.
لكن في عالم السياسة، وفي مثل هذه الظروف المعقدة التي تتشابك فيها علاقات الدول، يمكن أن تظهر خيارات مختلفة ومتعددة، إذ إن عشرات العوامل- وربما مئات- تؤثر في رسم ملامح المستقبل، كما أن الأطراف المتنافسة لا تكشف خططها مباشرة ولا تظهر أوراقها حتى اللحظة الأخيرة.
ووضع الضغط الناتج عن هذا الغموض بشأن المستقبل كثيرًا من المواطنين المعارضين للنظام الإيراني في حالة نفسية وعقلية مضطربة.
وفي مثل هذه الظروف، يجب الانتباه إلى نقطتين مهمتين:
- الأولى: أن الأنظمة الدكتاتورية تبقى قائمة حتى اللحظة الأخيرة قبل سقوطها. ورغم أن الأنظمة الشمولية تحاول إظهار قوتها وترهيب المجتمع لتبدو راسخة وغير قابلة للاهتزاز، فإن سقوطها قد يحدث فجأة، مثل انهيار جليدي على سفح جبل أو فيضان يجرف أساسات أضعفتها النخور.
ومن الأمثلة القريبة على ذلك سوريا، حيث انتهى الأمر بالرئيس بشار الأسد إلى مصير مختلف عما كان يتوقعه، رغم أن خامنئي كان يقول إن “مدافعي الحرم” سيعودون قريبًا إلى هذا البلد.
- النقطة الثانية هي أن آلات الدعاية في الأنظمة الشمولية قد تستمر في العمل حتى بعد سقوط النظام نفسه.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك نظام حزب البعث في العراق ووزير إعلام صدام حسين محمد سعيد الصحاف، الذي كان في 9 أبريل (نيسان) 2003، وبعد 24 عامًا من حكم صدام، يعلن انتصار الجيش العراقي وهزيمة الجيش الأميركي، بينما كانت القوات الأمريكية تطلق النار خلفه في بغداد التي كانت قد سقطت بالفعل.
والتصريحات التي يدلي بها اليوم بعض المحللين والمفكرين المؤيدين للنظام الإيراني حول استقرار النظام وقوته وبقائه- رغم أنها قد تكون احتمالاً ضعيفًا بين عشرات أو مئات الاحتمالات- هي نفسها التي كانت تُقال عن النظام السوري، حين كان مؤيدوه يؤكدون أن نظام الأسد “قصاب دمشق” لا يمكن أن يسقط، لكنه في النهاية فرّ إلى روسيا.
وخلاصة القول:
كما كان خامنئي حيًا حتى اللحظة التي سبقت موته، فإن الأنظمة الاستبدادية أيضًا تبدو قائمة حتى اللحظة التي تسبق سقوطها.
أُعلن، مساء الأحد 8 مارس (آذار)، تنصيب مجتبى خامنئي، الابن الثاني لعلي خامنئي، مرشدًا ثالثًا للنظام الإيراني. وهي شخصية كانت لسنوات أحد أكثر الفاعلين غير الرسميين نفوذًا في السلطة الإيرانية، ولعبت دورًا مهمًا داخل النواة الصلبة للحكم، قبل أن يصبح الآن خليفة والده رسميًا.
ورغم أنه نادر الظهور في المجال العام، وسعى طوال السنوات الماضية إلى الحفاظ على صورة غامضة والعمل خلف الكواليس، فإنه كان عقدة مركزية في البنية الشبكية التي ربطت بين "بيت المرشد" والمؤسسات الأمنية ومشروع انتقال السلطة؛ عقدة عملت طويلًا «في الظل»، لكن أثرها كان واضحًا في لحظات الأزمات، من الانتخابات المثيرة للجدل عام 2009 إلى حرب عام 2024.
من مشهد إلى "بيت المرشد"
وُلِد مجتبى حسيني خامنئي عام 1969 في مشهد، وهو الابن الثاني للمرشك الراحل ، علي خامنئي، في عائلة دينية انتقلت بعد ثورة 1979 من هامش الحوزة والسياسة إلى قلب السلطة في النظام الإيراني.
بعد الثورة انتقلت عائلة خامنئي إلى طهران، حيث درس مجتبى في مدرسة علوي، إحدى المؤسسات التعليمية التي كانت تعدّ نخبة دينية- سياسية قريبة من النظام، والتي خرج منها لاحقًا عدد كبير من مسؤولي ومديري النظام الإيراني.
وخلال الحرب الإيرانية- العراقية انضم مجتبى خامنئي إلى «كتيبة حبيب»، وهي وحدة لم تكن ذات طابع عسكري فحسب، بل تحولت أيضًا إلى نواة شبكة من العلاقات بين عناصر الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، حيث أصبح كثير من رفاق تلك المرحلة لاحقًا من قادة المؤسسة العسكرية والاستخباراتية في البلاد.
وكان صعود علي خامنئي إلى منصب المرشد عام 1989 نقطة تحول في حياة مجتبى؛ إذ انتقل من كونه ابن رئيس جمهورية وخطيب معروف إلى ابن المرشد الأعلى. وفي تلك الفترة واصل دراساته الدينية في طهران وقم، وعُرف بصفته رجل دين بدرجة «حجة الإسلام».
نفوذ سياسي بلا منصب رسمي
لم يشغل مجتبى خامنئي أي منصب رسمي داخل الحكومة أو مؤسسات الدولة في إيران؛ فلم يكن وزيرًا ولا نائبًا في البرلمان ولا قائدًا معلنًا في الحرس الثوري.
ومع ذلك وصفته وسائل إعلام غربية بأنه «شخصية متشددة» و«مدير الشبكات خلف كواليس السلطة» و«أحد أكثر رجال الدين الحاكمين نفوذًا». فعلى الرغم من ظهوره المحدود في العلن، كان يؤثر في عملية صنع القرار عبر الدوائر الداخلية لـ "بيت المرشد" .
وفي برقية دبلوماسية أميركية عام 2007 كُشف عنها لاحقًا، وصف ثلاثة مصادر إيرانية مجتبى خامنئي بأنه «بوابة الوصول» إلى علي خامنئي، وهو توصيف تكرر لاحقًا في العديد من التقارير الإعلامية.
وفي الأدبيات التحليلية يُعد نموذجًا لما يمكن تسميته «الفاعل المرتبط بالبيت»: شخصية بلا توقيع رسمي، لكنها تمتلك مجموعة من «المفاتيح»؛ مفاتيح الوصول إلى المرشد، والتنسيق بين بيت القيادة والمؤسسات الأمنية، ونقل الرسائل في اللحظات الحساسة.
"بيت المرشد".. من منزل إلى مؤسسة حكم
في الجمهورية الإسلامية تحول بيت المرشد تدريجيًا من مكتب ومنزل شخصي إلى مؤسسة حكم مؤثرة، اكتسبت وزنًا مستقلًا إلى جانب مجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري، والسلطة القضائية، وشبكة المؤسسات الاقتصادية الكبرى.
وفي هذا الهيكل أصبحت إدارة الوصول إلى المرشد بحد ذاتها أداة قوة؛ إذ إن تحديد من يلتقي بالمرشد ومتى وبأي أجندة يمكن أن يؤثر في نتائج العديد من القرارات السياسية. وتشير تقارير إلى أن مجتبى خامنئي لعب دورًا بارزًا في تنظيم هذا الوصول والتنسيق خلف الكواليس.
وكان إلى جانب شخصيات، مثل محمد محمدي كلبايكاني (مدير مكتب خامنئي) ووحيد حقانيان (اليد اليمنى لخامنئي ومرافقه السخصي)، جزءًا مما يُعرف بـ «شبكة الظل» في مكتب القيادة، وهي شبكة من رجال الدين والمديرين الأمنيين والإداريين تمر عبرها خطوط رئيسية من السياسات الداخلية والخارجية.
وقد أدى هذا الدور إلى مقارنته أحيانًا بالدور الذي لعبه أحمد الخميني، نجل مؤسس النظام الإيراني، آض صباح صصصي خلال السنوات الأولى للنظام، عندما كان حلقة وصل بين بيت الخميني والمؤسسات الأمنية والسياسية. غير أن الشبكة التي ارتبطت بمجتبى خامنئي وُصفت بأنها أكثر تنظيمًا وتشابكًا مع المؤسسات العسكرية والاقتصادية.
علاقاته بالحرس الثوري والأجهزة الأمنية
تشير معظم الدراسات الموثوقة عن مجتبى خامنئي إلى نقطة مشتركة أساسية: علاقته الوثيقة والعميقة والممتدة مع الحرس الثوري الإيراني، ولا سيما فروعه الأمنية.
فعلى مدى عقدين أقام علاقات قوية مع قادة الحرس الثوري، من فيلق القدس إلى "الباسيج" واستخبارات الحرس، وهو ما عزز نفوذه بشكل كبير داخل البنية السياسية والأمنية للدولة.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية عند فرض عقوبات عليه عام 2019 أن علي خامنئي فوّض جزءًا من مسؤولياته إلى مجتبى، وأنه «يعمل نيابةً عن أبيه المرشد»، مع الإشارة في البيان الرسمي إلى تعاونه مع قادة فيلق القدس و"الباسيج" لتحقيق «أهداف مزعزعة للاستقرار في المنطقة وأهداف قمعية داخلية».
كما أشار تقرير تحليلي صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن مجتبى خامنئي، إلى جانب عدد من الشخصيات الأخرى، صُنّف من قِبل وزارة الخزانة الأميركية كجزء من «شبكة ظل» ضمن «الدائرة المقربة» من المرشد؛ وهي شبكة تتولى تصميم وتنفيذ جانب مهم من السياسات الأمنية.
الانتخابات والصراعات الداخلية وملف 2009
ارتبط اسم مجتبى خامنئي منذ منتصف العقد الأول من الألفية بالانتخابات الرئاسية والصراعات داخل النظام.
وقد اعتبره كثيرون أحد الفاعلين خلف الكواليس في صعود محمود أحمدي نجاد المفاجئ إلى الرئاسة عام 2005. وكان المرشح الإصلاحي مهدي كروبي قد بعث رسالة رسمية إلى علي خامنئي، اشتكى فيها من دور مجتبى في دعم أحمدي نجاد، وهي اتهامات رفضها المرشد آنذاك لكنها بقيت في ذاكرة معارضي النظام.
وخلال الانتخابات المثيرة للجدل عام 2009 وقمع الحركة الخضراء، زعمت تقارير إعلامية- استنادًا غالبًا إلى مصادر مجهولة- أن مجتبى لعب دورًا في التنسيق مع الحرس الثوري والباسيج لإدارة التعامل مع المحتجين. ورغم أن هذه الادعاءات لم تثبت بوثائق رسمية داخلية، فإنها ظلت جزءًا من رواية المعارضة منذ ذلك الحين.
وخلال احتجاجات عام 2022 بعد مقتل الشابة الإيرانية، مهسا (جينا) أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، عاد اسمه ليتحول إلى رمز لما وصفه منتقدون بـ «مثلث البيت- الحرس- القمع»، وتصاعدت الانتقادات الشخصية الموجهة إليه.
العقوبات الأميركية وترسيخ نفوذ غير منتخب
في خريف 2019 فرضت وزارة الخزانة الأميركية، بموجب الأمر التنفيذي 13876، عقوبات على شبكة من المقربين من علي خامنئي، وصفت في بيان رسمي بأنها «شبكة ظل من المستشارين العسكريين ومستشاري السياسة الخارجية للمرشد».
وضمت القائمة مجتبى خامنئي، إلى جانب شخصيات مثل محمدي كلبايكاني ووحيد حقانيان وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، وقد وصفوا بأنهم جزء من «الدائرة الداخلية» التي «قمعت الشعب الإيراني لعقود وساهمت في سياسات مزعزعة للاستقرار».
وأكد البيان أن مجتبى، رغم عدم شغله أي منصب حكومي رسمي، «يعمل نيابةً عن المرشد» وتُسند إليه بعض مهام علي خامنئي، ومنها التعاون الوثيق مع فيلق القدس والبسيج.
الخلافة ومعضلة «ولاية العهد»
قبل سنوات من مقتل علي خامنئي، كان سيناريو خلافته محل اهتمام واسع لدى المحللين، وكان اسم مجتبى يتكرر في مقدمة المرشحين، خصوصًا بعد وفاة الرئيس السابق، إبراهيم رئيسي، في حادث تحطم مروحية عام 2024، ما غيّر توازن القوى بين المرشحين المحتملين.
وقد وصفت تقارير "رويترز" و"نيويورك تايمز" و"إيران إنترناشيونال" مجتبى بأنه أحد أبرز المرشحين للقيادة، إذ رأى بعضهم أن ترشيحه يمنح النواة الصلبة للنظام- وخاصة الحرس الثوري- ميزتين: الاستمرارية بوصفه ابن المرشد، وإمكانية السيطرة بسبب علاقاته الأمنية وشبكاته داخل النظام.
ولكن هذه الخصائص نفسها أثارت اتهامات بتحول النظام إلى «وراثة سياسية» داخل دولة قامت أصلاً على شعار معاداة الملكية.
كما أثارت مرتبته الدينية جدلًا إضافيًا؛ إذ يُعرف غالبًا بلقب «حجة الإسلام»، ورغم أن بعض وسائل الإعلام الدينية استخدمت لاحقًا لقب «آية الله» له، فإن هذا اللقب ظل موضع نقاش بين بعض رجال الدين والرأي العام، على غرار الجدل الذي دار حول مرجعية علي خامنئي عام 1989.
اختيار مجتبى مرشدًا
بعد مقتل علي خامنئي في الهجمات الأميركية والإسرائيلية، أفادت تقارير بأن مجلس خبراء القيادة، وتحت ضغط من الحرس الثوري وفي خضم الحرب، اختار مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام الإيراني.
وقد اعتبر منتقدون داخل إيران وخارجها أن هذا التطور دليل على «تحول النظام الإيراني إلى نظام ذي طابع وراثي»، ورأوا فيه ضربة جديدة لشرعية النظام الثورية.
لماذا يبقى مجتبى خامنئي قضية دائمة في السياسة الإيرانية؟
يمثل مجتبى خامنئي في بنية السلطة الإيرانية نموذجًا لما يسمى «اللاعبين بلا منصب لكن ذوي نفوذ»؛ وهي شخصيات لا تظهر أسماؤها في المناصب الرسمية لكنها تمتلك مفاتيح عديدة داخل منظومة السلطة.
وتكشف قصته- من دوره في بيت القيادة وعلاقته بالحرس الثوري إلى العقوبات الأميركية والجدل حول الخلافة- أن فهم الشبكات، التي تعمل في الظل داخل الأنظمة الشخصية قد يكون أحيانًا أكثر أهمية من معرفة المناصب الرسمية.
إن الإعلان الرسمي عن مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام الإيراني يوضح حقيقة أساسية: في لحظات الأزمات لا تكون الأسماء وحدها هي الحاسمة، بل الشبكات التي ترتبط بها تلك الأسماء.
ومع ذلك، فإن كل هذه السيناريوهات تبقى مرهونة بشرط أساسي: أن يتمكن هو والنظام، الذي يقوده، من النجاة من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وأن يخرج من مخبئه ويظهر فعليًا بوصفه قائد النظام الإيراني.