• إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo
  • فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English

هل تنقذ “سياسة المستنقع” النظام الإيراني؟

رضا حاجي حسيني
رضا حاجي حسيني

صحافي

10 مارس 2026، 21:14 غرينتش

في أعقاب الهجمات العنيفة، التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع النظام الإيراني ومقتل المرشد السابق، علي خامنئي، نفذ النظام الإيراني وعده بإشعال حرب إقليمية ومهاجمة دول الجوار.

والسؤال المطروح هو: هل يمكن لهذا النهج أن يمنع سقوط النظام الأيديولوجي الذي يحكم إيران منذ 47 عامًا؟

وقادت السياسات المدمرة للنظام في النهاية إيران وشعبها إلى حرب كانت طهران قد هددت بها المنطقة لسنوات، بشكل علني وسري.

وفي مثال قريب على هذه التهديدات، أعلن خامنئي في 2 فبراير (شباط) الماضي أي قبل نحو شهر من مقتله نتيجة هجوم صاروخي أميركي- إسرائيلي، أنه إذا قامت الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد النظام الإيراني فإن الحرب هذه المرة ستكون “حربًا إقليمية”.

ولتنفيذ هذه الاستراتيجية التي وضعها المرشد الراحل للنظام الإيراني، قامت القوات المسلحة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، بإقحام جيران إيران في الحرب إلى درجة أن بعض الأصدقاء المقربين في الأمس (وبشكل خاص قطر) تحولوا إلى خصوم اليوم.

ولم تقتصر الهجمات على الدول الخليجية فحسب، بل تعرضت جمهورية أذربيجان وتركيا أيضًا لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن السؤال يبقى: هل يمكن لهذه السياسة أن تفتح طريق إنقاذ للنظام الإيراني، أم أن هذا النظام وصل بالفعل إلى نهاية الطريق؟

التحرك نحو نهاية الطريق

خلال سنوات وجودها، ورغم أن النظام الإيراني تمكن في بعض المنعطفات، وسط مسار من التراجع وبعد فترات من الركود الاجتماعي والسياسي، من كسب دعم ملحوظ من الرأي العام (مثلما حدث في عامي 1997 و2001 مع انتخاب محمد خاتمي رئيسًا وبداية مرحلة الإصلاحات التي لم تصل إلى نتيجة، وكذلك في انتخابات 2009 التي شهدت مشاركة واسعة من الشعب، ثم فوز حسن روحاني في انتخابات 2013 و2017)، فإن المسار العام للنظام كان مصحوبًا بتراجع واسع في عدد مؤيديه وأنصاره.

وقد بلغ هذا التراجع حدًا واضحًا في انتخابات الرئاسة عام 2024، التي أُعلن فيها فوز مسعود بزشكيان؛ إذ شارك، بحسب الأرقام الرسمية، 39.92 في المائة فقط من المؤهلين للتصويت في الجولة الأولى، و49.48 في المائة في الجولة الثانية.

هذا الانخفاض الملحوظ في شرعية النظام كان نتيجة القمع العنيف للاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في أعوام 1999 و2009 و2019 و2022، وصولاً إلى المجزرة الكبيرة في الشوارع في يناير (كانون الثاني) 2026. كما شهدت هذه السنوات احتجاجات أخرى متكررة، منها الاحتجاجات التي اندلعت بعد إسقاط الطائرة الأوكرانية بصواريخ الحرس الثوري الإيراني.

ونحو خمسة عقود من الحكم الأيديولوجي غير الفعّال لنظام الملالي أدخلت إيران ومواطنيها في أزمات كبرى متعددة، من بينها أزمات البيئة (ومن أمثلتها جفاف بحيرة أرومية)، ونقص الطاقة وأزمة المياه، والأزمة الاقتصادية والمعيشية، والتمييز والفساد البنيوي، وغيرها.

وقد اتسع نطاق هذه الأزمات وتراكمت إلى درجة أصبح معها فشل النظام واضحًا يومًا بعد يوم لجميع المواطنين. وفي الوقت نفسه، أدى القمع العنيف وغير المحدود إلى خلق حالة من اليأس من إمكانية التغيير الداخلي، وربط بعض الآمال بإمكانية الاستعانة بقوى خارجية لإسقاط النظام الإيراني.

والآن، بعد تجاوز جميع المحاولات الفاشلة التي لم تؤدِّ إلى سقوط النظام (إذ إن قوة القمع والإنفاق الضخم على أجهزة الأمن، إلى جانب قطع الإنترنت ومنع تدفق المعلومات، رجّحت كفة السلطة عمليًا)، ومع استمرار السياسات الحربية، خاصة ضد إسرائيل، وفي وقت تنفذ فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات قوية ضد مواقع النظام، بدأ الحكام الفعليون في إيران تطبيق ما يسمى “سياسة المستنقع”.

وفق هذه السياسة، تحاول طهران ربط مصيرها ومصير نظامها بوجود وأمن جيرانها والمنطقة؛ أي أنها، بينما تغرق في مستنقع صنعته سياساتها وأداؤها، تسعى إلى جرّ الآخرين معها إلى القاع.

وقد أكد قادة النظام الإيراني مرارًا أنهم يمتلكون أدوات لتهديد المنطقة، لكن دول الجوار حذرت في المقابل من أن هذه السياسة لن تكون مجدية بالنسبة لطهران.

ومن بين هذه التحذيرات ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد أن اعترض حلف شمال الأطلسي (الناتو) صاروخًا باليستيًا أُطلق من إيران باتجاه تركيا وتم تدميره فوق البحر المتوسط. فقد حذر الحكومة الإيرانية قائلاً إنها لا تستطيع أن تغرق المنطقة فقط لأنها تغرق هي نفسها.

وأضاف أردوغان أن على طهران أن “تقدّر صداقة أنقرة”.

وبذلك، رغم أن سياسة النظام الإيراني تقوم على إثارة الفوضى، وربما يعتقد مسؤولوه أنهم يستطيعون إنقاذ أنفسهم عبر إشعال حرب إقليمية، فإن ردود فعل دول الجوار على ما تعتبره تنمرًا من طهران قد تكون قاسية، مما سيزيد الوضع صعوبة على القادة القلائل المتبقين في السلطة.

والسؤال الذي يثير قلق الجيران ويزيد من عدائهم تجاه النظام الإيراني هو: إذا فعلت طهران ذلك مرة، فما الضمان ألا تفعله مرة أخرى؟

وبعبارة أخرى، من المرجح أن تتخذ دول المنطقة ردود فعل جدية بكل الوسائل الممكنة، ولن يؤدي إشعال المنطقة بالحرب إلى ضمان بقاء النظام الإيراني أو تثبيت حكمه من جديد.

كما ينبغي الانتباه إلى أن تصعيد العنف واتباع سياسة خارجية أكثر عدوانية غالبًا ما يكونان آخر أدوات الأنظمة التي تكون على وشك الانهيار.

كيف سيكون مستقبل المواجهة مع النظام الإيراني؟

في ضوء مجمل الاتجاهات المشار إليها- من فشل داخلي وخارجي واضح للنظام الإيراني- إضافة إلى الوضع الميداني الحالي المتمثل في تدمير واسع للقدرات العسكرية وجرّ دول الجوار إلى الحرب، يبدو أن سقوط النظام أمر لا مفر منه، وإن كان لا يمكن استبعاد أي احتمال عملي آخر بشكل مطلق.

لكن في عالم السياسة، وفي مثل هذه الظروف المعقدة التي تتشابك فيها علاقات الدول، يمكن أن تظهر خيارات مختلفة ومتعددة، إذ إن عشرات العوامل- وربما مئات- تؤثر في رسم ملامح المستقبل، كما أن الأطراف المتنافسة لا تكشف خططها مباشرة ولا تظهر أوراقها حتى اللحظة الأخيرة.

ووضع الضغط الناتج عن هذا الغموض بشأن المستقبل كثيرًا من المواطنين المعارضين للنظام الإيراني في حالة نفسية وعقلية مضطربة.

وفي مثل هذه الظروف، يجب الانتباه إلى نقطتين مهمتين:

- الأولى: أن الأنظمة الدكتاتورية تبقى قائمة حتى اللحظة الأخيرة قبل سقوطها. ورغم أن الأنظمة الشمولية تحاول إظهار قوتها وترهيب المجتمع لتبدو راسخة وغير قابلة للاهتزاز، فإن سقوطها قد يحدث فجأة، مثل انهيار جليدي على سفح جبل أو فيضان يجرف أساسات أضعفتها النخور.

ومن الأمثلة القريبة على ذلك سوريا، حيث انتهى الأمر بالرئيس بشار الأسد إلى مصير مختلف عما كان يتوقعه، رغم أن خامنئي كان يقول إن “مدافعي الحرم” سيعودون قريبًا إلى هذا البلد.

- النقطة الثانية هي أن آلات الدعاية في الأنظمة الشمولية قد تستمر في العمل حتى بعد سقوط النظام نفسه.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك نظام حزب البعث في العراق ووزير إعلام صدام حسين محمد سعيد الصحاف، الذي كان في 9 أبريل (نيسان) 2003، وبعد 24 عامًا من حكم صدام، يعلن انتصار الجيش العراقي وهزيمة الجيش الأميركي، بينما كانت القوات الأمريكية تطلق النار خلفه في بغداد التي كانت قد سقطت بالفعل.

والتصريحات التي يدلي بها اليوم بعض المحللين والمفكرين المؤيدين للنظام الإيراني حول استقرار النظام وقوته وبقائه- رغم أنها قد تكون احتمالاً ضعيفًا بين عشرات أو مئات الاحتمالات- هي نفسها التي كانت تُقال عن النظام السوري، حين كان مؤيدوه يؤكدون أن نظام الأسد “قصاب دمشق” لا يمكن أن يسقط، لكنه في النهاية فرّ إلى روسيا.

وخلاصة القول:

كما كان خامنئي حيًا حتى اللحظة التي سبقت موته، فإن الأنظمة الاستبدادية أيضًا تبدو قائمة حتى اللحظة التي تسبق سقوطها.

الأكثر مشاهدة

 هروب للجنود ونقص في الذخائر والأغذية.. فجوة عميقة وتمييز بين الجيش والحرس الثوري في إيران
1
خاص:

هروب للجنود ونقص في الذخائر والأغذية.. فجوة عميقة وتمييز بين الجيش والحرس الثوري في إيران

2

معارض إيراني من داخل السجن: تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا “مسرحية فاضحة ومضحكة"

3

الحرس الثوري يهدد بمنع تصدير النفط من الشرق الأوسط.. ترامب: إيران ستتلقى “ضربات أشد بكثير”

4

سلطان عمان يهنئ مجتبى خامنئي باختياره مرشداً لإيران

5

ترامب: نتائج العمليات العسكرية ضد إيران فاقت التوقعات ومجتبى خامنئي لن"يستطيع العيش بسلام"

•
•
•

المقالات ذات الصلة

مجتبى خامنئي.. من شبكة النفوذ في الظل إلى قيادة النظام الإيراني

9 مارس 2026، 14:27 غرينتش
•
نعيمة دوستدار

أُعلن، مساء الأحد 8 مارس (آذار)، تنصيب مجتبى خامنئي، الابن الثاني لعلي خامنئي، مرشدًا ثالثًا للنظام الإيراني. وهي شخصية كانت لسنوات أحد أكثر الفاعلين غير الرسميين نفوذًا في السلطة الإيرانية، ولعبت دورًا مهمًا داخل النواة الصلبة للحكم، قبل أن يصبح الآن خليفة والده رسميًا.

ورغم أنه نادر الظهور في المجال العام، وسعى طوال السنوات الماضية إلى الحفاظ على صورة غامضة والعمل خلف الكواليس، فإنه كان عقدة مركزية في البنية الشبكية التي ربطت بين "بيت المرشد" والمؤسسات الأمنية ومشروع انتقال السلطة؛ عقدة عملت طويلًا «في الظل»، لكن أثرها كان واضحًا في لحظات الأزمات، من الانتخابات المثيرة للجدل عام 2009 إلى حرب عام 2024.

من مشهد إلى "بيت المرشد"

وُلِد مجتبى حسيني خامنئي عام 1969 في مشهد، وهو الابن الثاني للمرشك الراحل ، علي خامنئي، في عائلة دينية انتقلت بعد ثورة 1979 من هامش الحوزة والسياسة إلى قلب السلطة في النظام الإيراني.

بعد الثورة انتقلت عائلة خامنئي إلى طهران، حيث درس مجتبى في مدرسة علوي، إحدى المؤسسات التعليمية التي كانت تعدّ نخبة دينية- سياسية قريبة من النظام، والتي خرج منها لاحقًا عدد كبير من مسؤولي ومديري النظام الإيراني.

وخلال الحرب الإيرانية- العراقية انضم مجتبى خامنئي إلى «كتيبة حبيب»، وهي وحدة لم تكن ذات طابع عسكري فحسب، بل تحولت أيضًا إلى نواة شبكة من العلاقات بين عناصر الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، حيث أصبح كثير من رفاق تلك المرحلة لاحقًا من قادة المؤسسة العسكرية والاستخباراتية في البلاد.

وكان صعود علي خامنئي إلى منصب المرشد عام 1989 نقطة تحول في حياة مجتبى؛ إذ انتقل من كونه ابن رئيس جمهورية وخطيب معروف إلى ابن المرشد الأعلى. وفي تلك الفترة واصل دراساته الدينية في طهران وقم، وعُرف بصفته رجل دين بدرجة «حجة الإسلام».

نفوذ سياسي بلا منصب رسمي

لم يشغل مجتبى خامنئي أي منصب رسمي داخل الحكومة أو مؤسسات الدولة في إيران؛ فلم يكن وزيرًا ولا نائبًا في البرلمان ولا قائدًا معلنًا في الحرس الثوري.

ومع ذلك وصفته وسائل إعلام غربية بأنه «شخصية متشددة» و«مدير الشبكات خلف كواليس السلطة» و«أحد أكثر رجال الدين الحاكمين نفوذًا». فعلى الرغم من ظهوره المحدود في العلن، كان يؤثر في عملية صنع القرار عبر الدوائر الداخلية لـ "بيت المرشد" .

وفي برقية دبلوماسية أميركية عام 2007 كُشف عنها لاحقًا، وصف ثلاثة مصادر إيرانية مجتبى خامنئي بأنه «بوابة الوصول» إلى علي خامنئي، وهو توصيف تكرر لاحقًا في العديد من التقارير الإعلامية.

وفي الأدبيات التحليلية يُعد نموذجًا لما يمكن تسميته «الفاعل المرتبط بالبيت»: شخصية بلا توقيع رسمي، لكنها تمتلك مجموعة من «المفاتيح»؛ مفاتيح الوصول إلى المرشد، والتنسيق بين بيت القيادة والمؤسسات الأمنية، ونقل الرسائل في اللحظات الحساسة.

"بيت المرشد".. من منزل إلى مؤسسة حكم

في الجمهورية الإسلامية تحول بيت المرشد تدريجيًا من مكتب ومنزل شخصي إلى مؤسسة حكم مؤثرة، اكتسبت وزنًا مستقلًا إلى جانب مجلس صيانة الدستور، والحرس الثوري، والسلطة القضائية، وشبكة المؤسسات الاقتصادية الكبرى.

وفي هذا الهيكل أصبحت إدارة الوصول إلى المرشد بحد ذاتها أداة قوة؛ إذ إن تحديد من يلتقي بالمرشد ومتى وبأي أجندة يمكن أن يؤثر في نتائج العديد من القرارات السياسية. وتشير تقارير إلى أن مجتبى خامنئي لعب دورًا بارزًا في تنظيم هذا الوصول والتنسيق خلف الكواليس.

وكان إلى جانب شخصيات، مثل محمد محمدي كلبايكاني (مدير مكتب خامنئي) ووحيد حقانيان (اليد اليمنى لخامنئي ومرافقه السخصي)، جزءًا مما يُعرف بـ «شبكة الظل» في مكتب القيادة، وهي شبكة من رجال الدين والمديرين الأمنيين والإداريين تمر عبرها خطوط رئيسية من السياسات الداخلية والخارجية.

وقد أدى هذا الدور إلى مقارنته أحيانًا بالدور الذي لعبه أحمد الخميني، نجل مؤسس النظام الإيراني، آض صباح صصصي خلال السنوات الأولى للنظام، عندما كان حلقة وصل بين بيت الخميني والمؤسسات الأمنية والسياسية. غير أن الشبكة التي ارتبطت بمجتبى خامنئي وُصفت بأنها أكثر تنظيمًا وتشابكًا مع المؤسسات العسكرية والاقتصادية.

علاقاته بالحرس الثوري والأجهزة الأمنية

تشير معظم الدراسات الموثوقة عن مجتبى خامنئي إلى نقطة مشتركة أساسية: علاقته الوثيقة والعميقة والممتدة مع الحرس الثوري الإيراني، ولا سيما فروعه الأمنية.

فعلى مدى عقدين أقام علاقات قوية مع قادة الحرس الثوري، من فيلق القدس إلى "الباسيج" واستخبارات الحرس، وهو ما عزز نفوذه بشكل كبير داخل البنية السياسية والأمنية للدولة.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية عند فرض عقوبات عليه عام 2019 أن علي خامنئي فوّض جزءًا من مسؤولياته إلى مجتبى، وأنه «يعمل نيابةً عن أبيه المرشد»، مع الإشارة في البيان الرسمي إلى تعاونه مع قادة فيلق القدس و"الباسيج" لتحقيق «أهداف مزعزعة للاستقرار في المنطقة وأهداف قمعية داخلية».

كما أشار تقرير تحليلي صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن مجتبى خامنئي، إلى جانب عدد من الشخصيات الأخرى، صُنّف من قِبل وزارة الخزانة الأميركية كجزء من «شبكة ظل» ضمن «الدائرة المقربة» من المرشد؛ وهي شبكة تتولى تصميم وتنفيذ جانب مهم من السياسات الأمنية.

الانتخابات والصراعات الداخلية وملف 2009

ارتبط اسم مجتبى خامنئي منذ منتصف العقد الأول من الألفية بالانتخابات الرئاسية والصراعات داخل النظام.

وقد اعتبره كثيرون أحد الفاعلين خلف الكواليس في صعود محمود أحمدي نجاد المفاجئ إلى الرئاسة عام 2005. وكان المرشح الإصلاحي مهدي كروبي قد بعث رسالة رسمية إلى علي خامنئي، اشتكى فيها من دور مجتبى في دعم أحمدي نجاد، وهي اتهامات رفضها المرشد آنذاك لكنها بقيت في ذاكرة معارضي النظام.

وخلال الانتخابات المثيرة للجدل عام 2009 وقمع الحركة الخضراء، زعمت تقارير إعلامية- استنادًا غالبًا إلى مصادر مجهولة- أن مجتبى لعب دورًا في التنسيق مع الحرس الثوري والباسيج لإدارة التعامل مع المحتجين. ورغم أن هذه الادعاءات لم تثبت بوثائق رسمية داخلية، فإنها ظلت جزءًا من رواية المعارضة منذ ذلك الحين.

وخلال احتجاجات عام 2022 بعد مقتل الشابة الإيرانية، مهسا (جينا) أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، عاد اسمه ليتحول إلى رمز لما وصفه منتقدون بـ «مثلث البيت- الحرس- القمع»، وتصاعدت الانتقادات الشخصية الموجهة إليه.

العقوبات الأميركية وترسيخ نفوذ غير منتخب

في خريف 2019 فرضت وزارة الخزانة الأميركية، بموجب الأمر التنفيذي 13876، عقوبات على شبكة من المقربين من علي خامنئي، وصفت في بيان رسمي بأنها «شبكة ظل من المستشارين العسكريين ومستشاري السياسة الخارجية للمرشد».

وضمت القائمة مجتبى خامنئي، إلى جانب شخصيات مثل محمدي كلبايكاني ووحيد حقانيان وعدد من كبار قادة الحرس الثوري، وقد وصفوا بأنهم جزء من «الدائرة الداخلية» التي «قمعت الشعب الإيراني لعقود وساهمت في سياسات مزعزعة للاستقرار».

وأكد البيان أن مجتبى، رغم عدم شغله أي منصب حكومي رسمي، «يعمل نيابةً عن المرشد» وتُسند إليه بعض مهام علي خامنئي، ومنها التعاون الوثيق مع فيلق القدس والبسيج.

الخلافة ومعضلة «ولاية العهد»

قبل سنوات من مقتل علي خامنئي، كان سيناريو خلافته محل اهتمام واسع لدى المحللين، وكان اسم مجتبى يتكرر في مقدمة المرشحين، خصوصًا بعد وفاة الرئيس السابق، إبراهيم رئيسي، في حادث تحطم مروحية عام 2024، ما غيّر توازن القوى بين المرشحين المحتملين.

وقد وصفت تقارير "رويترز" و"نيويورك تايمز" و"إيران إنترناشيونال" مجتبى بأنه أحد أبرز المرشحين للقيادة، إذ رأى بعضهم أن ترشيحه يمنح النواة الصلبة للنظام- وخاصة الحرس الثوري- ميزتين: الاستمرارية بوصفه ابن المرشد، وإمكانية السيطرة بسبب علاقاته الأمنية وشبكاته داخل النظام.

ولكن هذه الخصائص نفسها أثارت اتهامات بتحول النظام إلى «وراثة سياسية» داخل دولة قامت أصلاً على شعار معاداة الملكية.

كما أثارت مرتبته الدينية جدلًا إضافيًا؛ إذ يُعرف غالبًا بلقب «حجة الإسلام»، ورغم أن بعض وسائل الإعلام الدينية استخدمت لاحقًا لقب «آية الله» له، فإن هذا اللقب ظل موضع نقاش بين بعض رجال الدين والرأي العام، على غرار الجدل الذي دار حول مرجعية علي خامنئي عام 1989.

اختيار مجتبى مرشدًا

بعد مقتل علي خامنئي في الهجمات الأميركية والإسرائيلية، أفادت تقارير بأن مجلس خبراء القيادة، وتحت ضغط من الحرس الثوري وفي خضم الحرب، اختار مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام الإيراني.

وقد اعتبر منتقدون داخل إيران وخارجها أن هذا التطور دليل على «تحول النظام الإيراني إلى نظام ذي طابع وراثي»، ورأوا فيه ضربة جديدة لشرعية النظام الثورية.

لماذا يبقى مجتبى خامنئي قضية دائمة في السياسة الإيرانية؟

يمثل مجتبى خامنئي في بنية السلطة الإيرانية نموذجًا لما يسمى «اللاعبين بلا منصب لكن ذوي نفوذ»؛ وهي شخصيات لا تظهر أسماؤها في المناصب الرسمية لكنها تمتلك مفاتيح عديدة داخل منظومة السلطة.

وتكشف قصته- من دوره في بيت القيادة وعلاقته بالحرس الثوري إلى العقوبات الأميركية والجدل حول الخلافة- أن فهم الشبكات، التي تعمل في الظل داخل الأنظمة الشخصية قد يكون أحيانًا أكثر أهمية من معرفة المناصب الرسمية.

إن الإعلان الرسمي عن مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام الإيراني يوضح حقيقة أساسية: في لحظات الأزمات لا تكون الأسماء وحدها هي الحاسمة، بل الشبكات التي ترتبط بها تلك الأسماء.

ومع ذلك، فإن كل هذه السيناريوهات تبقى مرهونة بشرط أساسي: أن يتمكن هو والنظام، الذي يقوده، من النجاة من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وأن يخرج من مخبئه ويظهر فعليًا بوصفه قائد النظام الإيراني.

ما بين المواجهة والتراجع.. الاختيار الأخير للنظام الإيراني

27 فبراير 2026، 03:07 غرينتش
•
فرزين نديمي

بعد عقود من محاولات مسؤولي النظام الإيراني لتصدير أيديولوجيتهم خارج إيران وفرض السيطرة بالقوة داخلها، يواجه النظام الآن خيارًا محدودًا بين مسارين خطيرين: التنازل عن جزء من السلطة أو الانزلاق نحو مواجهة أعمق.

لقد ربط النظام إيران بأيديولوجية وعدت بالكرامة والاستقلال لمدة 47 عامًا، لكنها أدت عمليًا إلى العزلة والتدهور الاقتصادي وأزمات متكررة.

ما بدأ كمشروع ثوري تحوّل تدريجيًا إلى نظام ثيوقراطي متجمد، حافظ على نفسه من خلال المواجهة خارجيًا والقمع داخليًا، لكن هذا الدوران الاستراتيجي المغلق يبدو اليوم تحت ضغط متزايد.

وكانت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة نقطة وصفها الكثيرون بلحظة الانفصال: إذ قتل وأصيب واعتُقل آلاف الأشخاص أثناء قمع شامل من قِبل القوات الأمنية، وهو عنف صدم حتى مجتمعًا متعوّدًا على القمع الرسمي.

لقد تجاوز النظام عتبة سياسية واجتماعية، واعتمد علنًا على القمع للحفاظ على السيطرة، ما أدى إلى زوال أي شرعية كان دعيها.

وتواجه إيران اليوم ضغوطًا متزامنة: التدهور الاقتصادي، الاستياء الشعبي الواسع، العزلة الدولية المستمرة، والتهديد الملموس باستخدام القوة من قبل الولايات المتحدة.

ولم تعد الصيغ السابقة- المماطلة والانحراف الدبلوماسي، تصعيد التوتر عبر شركاء إقليميين، وتوسيع القدرات العسكرية- ضامنًا للاستقرار.

التطرف الأيديولوجي والتكاليف الاستراتيجية

في قلب الأزمة، يقف نوع من التطرف الأيديولوجي المكلف ماليًا واستراتيجيًا؛ حيث إن عشرات مليارات الدولارات- وإذا أُخذت التكلفة الاقتصادية الكاملة، أكثر من 100 مليار دولار- أنفقت على تخصيب اليورانيوم للحفاظ على ما يسميه المسؤولون «الخيار النووي».

وهذا المسار لم يؤمن الأمن، بل أدى إلى دورات متكررة من العقوبات والعزلة المتزايدة.

كما أنفقت مليارات أخرى على البنية التحتية الصاروخية والمرافق تحت الأرض لعرض الردع خارج الحدود الإيرانية. يراها أنصارها دفاعية، فيما يعتبرها النقاد أدوات ضغط تعمّق المواجهة دون تحقيق استقرار دائم.

والمنطق نفسه شكّل شبكات الميليشيات الموالية لطهران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، التي صُممت لتوسيع النفوذ ومحاصرة المنافسين بتكلفة منخفضة نسبيًا، لكنها في الواقع جرّت إيران إلى مواجهات متكررة مع جيوش أقوى منها وكرّست دورة تصعيد التوتر.

وداخليًا، يظل الحرس الثوري و"الباسيج":أدوات السيطرة الرئيسية، وترتبط مهمتهمة أكثر من أي وقت مضى بقمع الاحتجاجات الداخلية. كل موجة احتجاج تُقابل بالقوة تعمّق الفجوة بين النظام والشعب، واستمرار الاعتماد على القمع يهدد استقرار المجتمع الإيراني والمنطقة بأكملها.

لحظة القرار: الواقعية أم الاستنزاف

في الوقت نفسه، دخلت الولايات المتحدة مرحلة تعتمد على الضغط الردعي المستدام، مع قدرات جوية وهجومية، قاذفات استراتيجية جاهزة للمهام، طائرات استطلاع، أنظمة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، وحضور بحري مكثف يشمل مجموعتي حاملات طائرات قرب الممرات الحيوية، مما يُظهر حجم القدرة والإصرار الأميركي.

وأميركا تمتلك الآن أدوات موثوقة لاستهداف الدفاعات الجوية، الهياكل القيادية، القوات الصاروخية، الأصول البحرية، والقدرات العسكرية والنووية الإيرانية، دون العودة إلى الحروب البرية الواسعة السابقة.

والرسالة ليست أن الحرب حتمية، بل إن استراتيجية اللعب على حافة الهاوية ربما وصلت إلى نهايتها.

القرار الآن في يد طهران، ولا يعني بالضرورة الاستسلام، بل الواقعية الاستراتيجية.

مثلما قبل روح الله الخميني عام 1988 بعد ثمانية أعوام من الحرب مع العراق «شرب كأس السم» لضمان وقف التدمير والحفاظ على الدولة، قد تواجه إيران لحظة مماثلة من التحوّل.

إن التراجع الاستراتيجي لا يعني انهيار الدولة أو التخلي عن الدفاع الوطني، بل قد يعني تسليم بعض السلطات للجهات مثل الحرس الثوري و"الباسيج" التي لعبت دورًا في القمع الداخلي واستمرار العزلة.

كما يشمل التراجع وقف تخصيب اليورانيوم، وضع برامج الصواريخ تحت قيود يمكن التحقق منها، قطع العلاقات مع الميليشيات الموالية كأداة سياسة خارجية، ووقف الخطاب التهديدي تجاه المنافسين الإقليميين.

وفي المقابل، يمكن لإيران تحقيق ما طالما طالب به مواطنوها: الانتعاش الاقتصادي، رفع العقوبات، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، رغم أن هذه الإنجازات وحدها قد لا تلبي توقعات المجتمع بعد الألحتجاجات الشعبية الأخيرة.

ويطالب جزء متنامٍ من الشعب الإيراني الآن بتغييرات سياسية جذرية ومسار موثوق نحو الديمقراطية العلمانية والانتخابات الحرة.

والخيار البديل هو الاستنزاف العسكري مع هشاشة اقتصادية واضطرابات داخلية تؤدي إلى تدمير البنية التحتية وتعميق العزلة وزيادة الغضب الشعبي، حيث إن القمع قد يكبح المعارضة مؤقتًا لكنه يزيد عدم الاستقرار طويل الأمد.

ومعروف أن التاريخ قاسٍ مع الحكام الذين يخلطون بين التعنت الأيديولوجي والقوة.

ولا يزال لدى قادة إيران نافذة ضيقة لاختيار مصالح وطنية حقيقية على حساب التوسع الأيديولوجي. القوة المستدامة لا تكمن فقط في صالات الطرد المركزي وأنفاق الصواريخ، بل في الشرعية والرفاه والتماسك الاجتماعي.

ولعدة عقود، ربط النظام الإيراني المواجهة بالقوة والمقاومة بالمصير. اليوم، يخيّم شبح الحرب على إيران، والاختيار بين التنازل السلمي عن جزء من السلطة أو تصعيد جديد غير معروف العواقب سيحدد مستقبل النظام ومسار البلاد التي يحكمها.

والمسار الأقل خطورة لإيران يبدو واضحًا: التراجع عن المواجهة وترك اختيار المستقبل للإيرانيين، حتى لو كان ذلك يعني نهاية عهد الحكام الحاليين.

في انتظار المعركة النهائية.. هل الحرب الخيار الوحيد لبقاء النظام الإيراني؟

20 فبراير 2026، 14:14 غرينتش
•
عطا محامد

في السابع عشر من فبراير (شباط)، وبينما كان فريق المفاوضات الإيراني في جنيف مشغولاً بالحوار مع الأميركيين، توجه المرشد علي خامنئي من طهران إلى ترامب بالقول: "أكثر خطورة من حاملة الطائرات، هو السلاح الذي يمكنه أن يغرقها في قاع البحر".

وبعد هذه التصريحات مباشرة، خرج الشعراء الموالون للنظام بمقاطع تتكرر فيها عبارة: "نحن نقف، نسقط عند هذه الشجرة نفسها". عمليًا، يقول النظام الإيراني إنه ليس جاهزًا للتوصل إلى اتفاق، بل لـ "المعركة النهائية".

واحد من الفروقات الجوهرية في جولة المفاوضات هذه مقارنة بالسابق، هو غياب أي فكرة للسلام أو تيار يعتقد أن المفاوضات ستكون مثمرة.

وفي الجولة السابقة، كان هناك اعتقاد بأن إيران "محبة للسلام لكنها تعرف الحرب"، أما في هذه الجولة فعدد قليل فقط من المقربين من النظام يعتقدون أن المفاوضات ستؤدي إلى اتفاق.

ويقول مسؤولو النظام الإيراني إن الهدف الرئيسي من هذه المحادثات هو تجنب "صراع إقليمي كارثي"، ويقدمون المفاوضات كوسيلة لتخفيف التوتر. لكن حتى هم لا يعلقون آمالاً كبيرة على نتائجها.

ويظهر هذا النهج بوضوح في وسائل الإعلام الموالية للنظام، حيث يتم الحديث بثقة عن وقوع الحرب واحتمال الانتصار فيها. بعض التحليلات تركز على الجوانب الفنية، مثل ترتيب القوات والصواريخ لتحقيق أفضل نتيجة، بينما يركز جزء آخر على تفسير الأمور من منظور ديني، موضحًا كيف تقود "الإرادة الإلهية" النظام نحو النصر النهائي.

المؤمنون بالحرب يعتبرون أي تسوية أو اتفاق مع الأميركيين بمثابة هزيمة. ويرون أن الاتفاق سيضع إيران في موقف مشابه لليبيا والقذافي: نزع السلاح مقابل وعود، يليها النفوذ الخارجي، والضعف الداخلي، وفي النهاية السقوط. بمعنى آخر، يرون أن الاتفاق الجاد هو "بداية النهاية"، بينما الحرب قد تؤدي إلى وقف إطلاق النار، واستعادة القوة، وإعادة تعريف قواعد اللعبة.

الحرب من أجل الظهور

الخطاب السياسي للنظام في السنوات الماضية كان يتسم دائمًا بلغة المخلّص، لكن بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل ازداد هذا الخطاب شدة، وأصبح النظام يرى نفسه أكثر من أي وقت مضى حاملاً لمهمة تاريخية ودينية.

وفي هذا الفكر، يعتبر الحاكم نفسه حاملاً لمهمة تتجاوز التاريخ في "جبهة الحق". لذلك، لم تعد طاولة المفاوضات مكانًا للدبلوماسية، بل ساحة لقياس القوة واختبار ولاء القوات للمبادئ.

ويؤكد النظام أن طاولة المفاوضات لن تحل شيئًا، ويرى أن المقاومة مكلفة، لكن الاستسلام المذل مكلف أكثر، لأن الطريق الصحيح هو طريق الرجال الثابتين الذي يؤدي بالنهاية إلى "نصر إلهي".

وعمليًا، تتحدث وسائل الإعلام والشخصيات المقربة من النظام عن "المعركة النهائية"، وفي التجمعات الجماهيرية يرددون شعارات مثل: "هذه هي المعركة الأخيرة، المهدي سيعود".

ويقول العسكريون، مغيرين نبرة التحذير إلى "الاستعداد للنصر"، إن إسرائيل ستُدمّر في هذه المعركة الحاسمة وإن القوات الأميركية ستغادر المنطقة.

وفي هذا الإطار، يتحدث النظام الإيراني عن "حرب متعددة الطبقات" تحتاج إلى وعي وعمل ضمن "الأمر الإلهي". لذلك، تُعتبر أوجه الضعف الهيكلية والفجوة بين الدولة والمجتمع ليست علامة على الانهيار الداخلي، بل اختبارًا لإيمان الأمة، حتى تُترجم أضرار الحرب ومعاناتها إلى "أجر وثواب" ديني.

المهمة المقدسة

وفقًا لتفسير خامنئي للقرآن، يتحقق النصر على التحديات من خلال إدخال الأحداث ضمن سياق "الإرادة الإلهية". ويرى أتباع هذا المنظور أن الحرب الحالية ليست صراعًا بين إيران وأميركا فقط، بل صراع بين الحق والباطل، وسينتصر الحق وفق "الوعد الإلهي".

وفي هذا الإطار، تعني كلمة "المقاومة" صمود "الأمة المتحدة ضد الطاغوت"، وتكرار "صمود الحسين" الذي حتى لو أدى للشهادة، يعد نصرًا معنويًا وتاريخيًا.

وهذا التصور مرتبط بمعتقدات آخر الزمان والمكانة ما بعد التاريخية للنظام. فبعض المسؤولين مستلهمين أفكار مثل "الشيخ يماني" يرون أن النظام مكلف بمهمة مقدسة، وفي النهاية سيُسلم خامنئي الراية للإمام المهدي.

بهذا المنظور لدى النظام، الحرب ليست تهديدًا أو خيارًا أخيرًا بعد فشل الدبلوماسية، بل فرصة إلهية لإثبات الحق.

ومن زاوية دينية، تعتبر الحرب المسار الطبيعي لتاريخ الأحداث لتحقيق الوعود الموعودة والوصول إلى النتيجة القدسية للعالم.

إمكانية البقاء

يسعى النظام الإيراني لتحديد موقفه من الولايات المتحدة "مرة واحدة وإلى الأبد"، إذ يرى أن "احتمال البقاء" موجود بهذا الطريق. إذا قبل النظام الاتفاق، فإن ما وصفه خامنئي بـ "النفوذ" سيحدث، وهو أحد أسباب انهيار الاتفاق النووي، لأن الاتفاق سيؤدي إلى فقدان الركائز الرئيسية: القوة الصاروخية، الطاقة النووية، والقوة الإقليمية، ومِن ثمّ وضع النظام تحت مراقبة خارجية تُعتبر "إذلالاً" له.

وفي هذا السياق، يعتبر النظام الإيراني الحرب فرصة. فرصة مستمدة من فهم الحرب التي استمرت 12 يومًا، والتي لم تؤدِ إلى إسقاط النظام، والشعب لم يخرج إلى الشوارع، والمحتجون تم سحقهم في الاحتجاجات الأخيرة. وحتى مسيرات 11 فبراير (يسميها النظام ذكرى انتصار الثورة) أظهرت، وفق وسائل الإعلام التابعة له، أن "أي إمام لم يمتلك أمة كهذه".

يؤكد علي أكبر رائفي بور، أحد أبرز دعاة الكراهية المؤيد للنظام، أن ما نراه هو اختبار إلهي، وأن المهم هو "إدارة الداخل" وأن الحرب لن تُلحق ضربة قاتلة بالنظام. ويرى أن الحفاظ على النظام الداخلي هو الاستراتيجية الأساسية للنظام أثناء الحرب. وفي هذا الإطار، يقول الخطيب والمُنظّر المؤيد للنظام الإيراني، حسن عباسي، إنه لا ينبغي حتى السماح للعمال بالإضراب خلال هذه الفترة.

الاستراتيجية الأميركية والحرب الإقليمية

من منظور استراتيجي، يرى النظام الإيراني أن الحرب، خصوصًا إذا طال أمدها، ستنتهي بالنصر، وسيتم قمع الشعب، ما يضمن بقاء النظام لفترة أطول ويوفر الظروف المثلى لتقديم "راية الإسلام للإمام المهدي".

وبالإضافة إلى القمع الداخلي، استراتيجيتها الأساسية لمواجهة أمريكا هي إشعال حرب غير متماثلة وتوسيع أبعاد الصراع إلى المنطقة. إذا اقتصرت الحرب على الأراضي الإيرانية أو المواقع النووية، فإن احتمال تعرض النظام للضربات والتآكل سيكون عاليًا.

هنا تُطرح فكرتان من قِبل الشخصيات المقربة من الحرس الثوري: الأولى تصور حرب إقليمية محدودة من أفغانستان حتى سوريا، والثانية تصور صراع واسع يمتد من جنوب ماليزيا إلى سواحل أمريكا.

كما يبدو أن النظام يخطط لتحركات بحرية واستهداف المصالح الاقتصادية الأميركية في المنطقة، وهو ما يُناقش على الأقل على المستوى الإعلامي.

والحقيقة أن النظام الإيراني ليس "عاشقًا للحرب" بالضرورة، وعقليته ليست مجرد عدوانية، بل يرى نفسه في "فخ البقاء". من وجهة نظر طهران، الاتفاق مع نزع السلاح يعني نهاية مريرة وانهيارًا محتومًا، بينما الحرب، خصوصًا إذا امتدت إلى أزمة إقليمية، هي السيناريو الوحيد الذي لا يزال بإمكانه إعادة ترتيب الطاولة، وفرض وقف إطلاق النار، والحصول على مكاسب للبقاء، وعرض القوة على القاعدة الاجتماعية، وقمع المعارضين، بحيث تُجرى المفاوضات ليس من موقع ضعف، بل من موقع مساواة.

خاص:قتل المتظاهرين لحماية تمثال قاسم سليماني في "كرمان" بإيران

13 فبراير 2026، 19:51 غرينتش

قام المحتجون بإسقاط تماثيل قاسم سليماني في عدة مدن إيرانية، وأُحرقت لافتات تحمل صورته. وفي مدينة كرمان، التي تُعد مسقط رأس ومكان دفن القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري، أصبح إسقاط تمثال سليماني الهدف الرئيسي للمتظاهرين.

وقال أحد المواطنين المعارضين من كرمان لـ "إيران إنترناشيونال": "إن الاحتجاجات في المدينة، مثل باقي أنحاء البلاد، بدأت بشكل متفرق قبل 8 يناير (كانون الثاني) الماضي. وكانت هذه التجمعات غالبًا في نطاق الأسواق، وتم نشر مقاطع محدودة منها. وكانت الشعارات في مراحلها الأولى معتدلة وداعمة، ولم تُعتبر الإجراءات الأمنية عنيفة بشكل كبير".

ومع ذلك، تصاعدت الاشتباكات في بعض الشوارع.

من التجمعات المتفرقة إلى التركيز على تمثال سليماني

أشار مواطن آخر إلى أنه منذ مساء الخميس 8 يناير الماضي، تركزت الاحتجاجات بشكل ملحوظ على ميدان الحرية، وهو ميدان ذو رمزية خاصة لشعب "كرمان"، حيث كان التمثال موجودًا، وكانت محاولات سابقة لإزالته أو الإضرار به قد فشلت.

وأضاف هذا المواطن: "قبل 8 يناير، ومع غياب أي دعوة رسمية، أصبح الحضور الكبير والعفوي للناس في ميدان الحرية بمثابة مقر لهم. كان الناس يريدون إسقاط تمثال سليماني".

وأظهر فيديو أُرسل سابقًا لـ "إيران إنترناشيونال" حرق تمثال سليماني. وأضاف المواطن عما حدث يوم الخميس 8 يناير: "بدأت الجماهير بالتحرك نحو الميدان منذ الساعة الرابعة والخامسة مساءً، وحتى قبل الساعة الثامنة مساءً، شهدت المدينة حدثًا غير مسبوق؛ عائلات، أصدقاء، شبان وكبار السن، أطفال ومراهقون، جميعهم تحركوا يدًا بيد نحو الميدان. هذا الحضور الواسع، الذي كان أكبر من الاحتجاجات السابقة، خلق شعورًا زائفًا بالأمان؛ فالأشخاص الأكثر ضعفًا، بمن فيهم كبار السن والأطفال، كانوا ضمن المجموعة، وكان الكثيرون يعتقدون أن العائلة أو الأصدقاء قادرون على حمايتهم".

"الخميس الدموي" ورصاصات متواصلة

ذكر المواطن أن القوات الأمنية أغلقت محيط ميدان الحرية بسياراتها وعناصرها قبل بدء التحرك، لمنع الناس من الوصول إليه.

وأشار إلى أن المتظاهرين اتخذوا إجراءات احترازية أولية، مثل ارتداء الكمامات والملابس الداكنة وعدم حمل الهواتف المحمولة، لكن تقييمهم للمخاطر كان غير كافٍ.

من غروب الشمس تقريبًا، سُمعت أصوات إطلاق نار تشبه رصاص القنابل الهوائية، إضافة إلى الغاز المسيل للدموع، فيما حلّقت الطائرات المسيرة بين الساعة 19 و20 مساء (بالتوقيت المحلي). ومنذ الساعة 20، سُمعت أعيرة نارية متتابعة، وتصاعدت الاشتباكات.

وأضاف المواطن: "كانت الاشتباكات الرئيسية في تقاطع خواجو والشوارع المؤدية إلى ميدان الحرية، بما في ذلك جادة الجمهورية وشارع بهمنيار وشريعتي والاستقلال. وكان شارع الاستقلال ممتلئًا تمامًا بالمتظاهرين، وتحولت الشوارع المحيطة إلى ساحات اشتباك. وقد أقام الناس تحصينات في شارع بهمنیار، واستمرت الحشود من جادة الجمهورية إلى شارع شرفات وتقاطع شاهو. وكانت الاشتباكات الأعنف في تقاطع خواجو وبداية جادة الجمهورية. والأمر اللافت أن هذه المناطق تقع بالقرب من عدة مرافق طبية، بما فيها مستشفيان وعدة عيادات ومراكز طبية وصيدليات".

وقال المواطن إن إطلاق النار المباشر بدأ في الميدان، ثم قام القناصة المتمركزون على المباني بإطلاق النار: "ونظرًا لكثرة المراكز الطبية في المنطقة، لجأ الجرحى بسرعة إلى المباني الطبية، وعالجهم الأطباء والكادر الطبي".

وأشار أحد العاملين في القطاع الطبي إلى أن عدد القتلى المسجلين في مستشفيات كرمان وصل إلى 70 على الأقل، وهو الرقم الذي يشمل فقط من توفوا في المستشفيات، وليس جميع القتلى.

أسماء وصور تحولت إلى أرقام

وفقًا للمعلومات، لم يتم تحديد العدد الدقيق للقتلى في كرمان، لكن بعض أسمائهم نُشرت سابقًا:
* مهدي خسروي، شاب 24 عامًا، قُتل مساء 8 يناير برصاص القوات.
* مهربویا عبداللهی بیدنی، طالب 22 عامًا، اعتُقل ثم عُثر على جثته بعد 20 يومًا في ثلاجة الموتى.
* محمد حسين‌ بور نخعی، معلم ولاعب كرة قدم من راور، قُتل برصاص مباشر في 8 يناير.
* دانيال دياني، شاب 24 عامًا، قُتل على يد قوات الحرس الثوري.
* إحسان جعفري، طالب ميكروبيولوجيا، أصيب يوم 9 يناير برصاص القوات ودخل في غيبوبة قبل أن يتوفى بعد نحو شهر.

* مرضيه كمالی، 21 عامًا، طالبة طب من عنبرآباد، قُتلت يوم 9 يناير برصاص قوات الأمن.

دور الأطباء واعتقال الكادر الطبي

أشار أحد العاملين في القطاع الطبي إلى أن ما لا يقل عن 10 أطباء في كرمان اعتُقلوا لمساعدتهم الجرحى، ومن بينهم الطبيبان: أمير شفيعي وسامان سالاري.

العنف الذي اندلع فجأة

قالت امرأة معارضة من كرمان إن المدينة كانت مغطاة بالغاز المسيل للدموع وأصوات إطلاق النار من الخميس وحتى فجر السبت (8- 10 يناير)، ما جعل التنفس صعبًا، وأُغلقت النوافذ في كل أنحاء المدينة.

وأضافت أن الاحتجاجات كانت متفرقة قبل الساعة 20 يوم 8 يناير، حيث انضم بعض السكان إلى الشباب المتظاهرين، وتكوّن فراغ بين الناس والقوات الأمنية، وظهر بعض الأشخاص مجهولي الهوية يعتدون على المباني ويطلقون الزجاجات الحارقة، بينما كانت القوات تتفرج دون تدخل، ثم بدأ الهجوم على المتظاهرين.

المدينة الأمنية وموجة المفقودين

قال محامٍ من كرمان: "بعد دفن سليماني، أصبحت كرمان مدينة أمنية بالكامل. ولم يشهد سكانها تجارب أمنية مماثلة لمدن أخرى مثل مشهد أو أصفهان أو طهران. وبعد مجزرة يناير، يعيش الناس صدمة نفسية عميقة".

وأضاف أن هناك قلقًا كبيرًا بشأن المفقودين، وخاصة الفتيات الشابات، حيث تخفي العائلات أسماء أبنائها خوفًا من التعرض للتهديد أو الاعتداء.

وأشار إلى أنه صدرت لوائح اتهام ضد 30 سجينًا على الأقل بتهمة "المحاربة"، وهناك مجموعة أخرى مكونة من نحو 500 شخص صدرت أحكامهم، أغلبهم من الأطباء والكادر الطبي والشباب، وهناك آخرون في وضع مجهول.

المعركة الأخيرة من وجهة نظر الطرفين

قال المحامي: "اعتبر كل طرف، أي المتظاهرين والنظام، أن هذه المعركة هي الأخيرة؛ المتظاهرون من أجل الحرية، والنظام لإنهاء الاحتجاجات مرة واحدة للأبد".

وأشار إلى أن بعض المحاكمات تُجرى عن بُعد ومن خارج المحافظة، وربما من طهران.

وبحسب المعلومات العامة عن المعتقلين:

* أدیب شهباز بور، مواطن بهائي ولاعب تنس معروف، اعتُقل يوم الثلاثاء 20 يناير.
* شكيلا قاسمي، مواطنة بهائية، اعتُقلت أيضًا.
* بيوه نعيمي ورزین حسيني‌ نجاد، مواطنان بهائيان، اعتُقلا كذلك.
* أميرمحمد سرحدي، طالب حقوق في جامعة باهنر، محتجز حاليًا.
* محمد محمديان وعلي كيلاني، متهمان بـ "التجمع والتواطؤ بقصد الإخلال بأمن البلاد".
* بوريا ميرزاي، متهم بـ "الإفساد في الأرض".
* بدرام صفربور، فنان يبلغ من العمر 30 عامًا.

رمز النظام الذي تحول إلى ساحة معركة

كانت "كرمان"، التي حاول النظام تسميتها "مدينة قاسم سليماني"، واحدة من المدن التي اشتعلت فيها شرارة الاحتجاجات.

وكان التمثال نفسه، الذي حاول النظام جعله رمزًا للمدينة، هدف الشعب؛ رمز يعتقد المتظاهرون أن سقوطه قد يؤدي إلى سقوط النظام، وربما كان رجال الأمن يؤمنون بذلك أيضًا، إذ قتلوا عشرات الأشخاص لحمايته.

وثيقة سرية: إيران تقرّ بوجود 26 مليونا تحت خط الفقر وتآكل شرعية النظام بعد حرب الـ 12 يوما

2 فبراير 2026، 09:51 غرينتش
•
أردوان روزبه

حصلت "إيران إنترناشيونال" على وثيقة سرّية صادرة عن نائب الشؤون الاستراتيجية في رئاسة الجمهورية الإيرانية، تُظهر أن طهران، بعد أسابيع قليلة فقط من انتهاء حرب الـ 12 يومًا مع إسرائيل، أقرت بوجود أزمة حادة تعيشها البلاد.

وأقرت الوثيقة بأن 26 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر، وحدوث تآكل حاد في شرعية النظام، ووجود خطر حقيقي لاندلاع احتجاجات شعبية واسعة.

وجاءت الوثيقة الاستراتيجية، التي تحمل تاريخ 18 أغسطس (آب) 2025، بعنوان "الحزمة الاستراتيجية لإدارة الأزمة من أجل استمرار تقديم الخدمات للمواطنين والحفاظ على الصمود الاجتماعي"، وصُنّفت على أنها "سرّية"، وتم تعميمها على الوزراء ونوابهم.

وفي الوقت الذي كانت فيه المنابر الرسمية تتحدث عن "الاقتدار"، تكشف هذه الوثيقة عن وجود 26 مليون إيراني تحت خط الفقر، وعن تورّط المسؤولين في أوهام صنعوها بأنفسهم، وعن حاجة ملحّة إلى التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة من أجل البقاء.

وتظهر الوثيقة خوفًا عميقًا من الانهيار، وهو الخوف الذي تُرجم لاحقًا إلى أكثر الفترات دموية بحق الشعب الإيراني خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة الأخيرة. وهو خوفٌ أدى إلى قتل المواطنين في الشوارع بأقصى درجات العنف من أجل الحفاظ على نظام كان قد وصل بنفسه إلى نهاية الطريق.

كيف يمكن البقاء؟

بعد أسابيع قليلة من انتهاء حرب الـ 12 يومًا، وبينما كان مسؤولو النظام الإيراني يكررون في خطاباتهم عبارات مثل "النصر" و"الردع" و"الاقتدار"، قدّمت هذه الوثيقة السرّية رواية مختلفة تمامًا عن واقع البلاد: رواية أزمة شاملة، وتآكل في الشرعية، وسخط شعبي، وخوف عميق من انهيار وظيفي للحكم.

إن تصنيف الوثيقة على أنها سرّية يدل بوضوح على قلق النظام من تداعيات كشف هذا التقييم. ففي الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الرسمية منشغلة بتثبيت رواية "الانتصار"، كانت الحكومة داخل بنيتها التنفيذية تحذّر من
"اضطرابات واسعة"، و"حرب نفسية"، و"تهديد للبنى التحتية الحيوية"، و"الحاجة إلى قيادة موحّدة لإدارة الأزمة".

وبعبارة أخرى، جاءت الوثيقة كردٍّ طارئ على سؤال جوهري:

إذا استمر الوضع القائم، فكيف يمكن للنظام أن "يبقى" فقط؟

ويُظهر محتوى الوثيقة أن الحكومة، خلافًا للرواية الرسمية، لم تعتبر حرب الـ 12 يومًا انتصارًا، بل نقطة بداية لحرب مركّبة استهدفت أسس الشرعية والصمود الوطني، وألحقت ضررًا بالغًا بالثقة العامة، وأدخلت المجتمع في حالة هشّة.

26 مليون إيراني تحت خط الفقر

أحد أكثر أقسام الوثيقة صدمة، والذي ينسف كل الادعاءات الاقتصادية الرسمية، هو الاعتراف الصريح بالحالة الانفجارية للفقر في البلاد.

ففي الصفحة 12 من الوثيقة السرّية، تم الإقرار صراحة بوجود "26 مليون شخص تحت خط الفقر".

وتحذّر الوثيقة من أن هذه الكتلة السكانية الضخمة تمتلك "قدرة محدودة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية"، وأن أي ضغط جديد قد يؤدي إلى "تعميق الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي".

ويُظهر هذا الاعتراف أن السلطة كانت تدرك تمامًا أن المجتمع تحوّل إلى مخزن بارود قابل للانفجار مع أي شرارة؛ وهي الشرارة التي اندلعت بالفعل في الاحتجاجات الشعبية الأخيرة.

"حرب الـ 12 يومًا" وأزمة الشرعية
في مقدمة هذه الحزمة الاستراتيجية، لا يتم توصيف الأزمة على أنها "حدث مؤقت"، بل كحالة "ممتدة، متعددة الطبقات، ومزمنة".

وتشير الوثيقة إلى أن المجتمع الإيراني بعد الحرب بات في وضع يمكن أن يتحول فيه أي صدمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية بسرعة إلى أزمة شاملة تُعطّل "الوظائف الطبيعية للدولة والمجتمع".

وقد خلصت الوثيقة إلى أن "حرب الـ 12 يومًا" لم تُسهم في إعادة بناء الاقتدار، بل عمّقت الفجوة بين النظام والمجتمع.

وتتحدث الوثيقة صراحة عن "تآكل رأس المال الاجتماعي"، و"تراجع الثقة العامة"، و"ازدياد السخط الاجتماعي"؛ وهي مفاهيم نادرًا ما تُستخدم بهذا الوضوح في الخطاب الرسمي للنظام الإيراني.

مأزق الحكم والاعتراف بـ "أوهام المسؤولين"

في قسم تشخيص الخلل، تكشف الوثيقة عن حقيقة لافتة: اعتماد منظومة الحكم على الكذب والمعلومات غير الدقيقة.

ويؤكد التقرير السرّي أن نظام اتخاذ القرار يعاني خللاً بنيويًا، وأن كبار المسؤولين محاصرون داخل "سجن إدراكي صنعوه بأنفسهم".

كما تكشف الوثيقة أن "تقديم معلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها للمسؤولين الكبار" أدى إلى اتخاذ قرارات مبنية على أوهام.

وترسم هذه الاعترافات صورة نظام عالق في مأزق كامل:
لا الشعب يثق به، ولا مؤسساته الداخلية تتعامل مع الحقيقة، وكل طرف يكذب على الآخر لأنه يريد سماع رواية نجاح وهمية.

اعتبار الشعب تهديدًا في "حرب مركّبة"

تُعد الأقسام الأمنية من أكثر أجزاء الوثيقة صراحة؛ إذ لا ينظر النظام الإيراني إلى الاضطرابات الداخلية باعتبارها احتجاجات مدنية، بل تفسّرها على أنها جزء من "الحرب المركبة للعدو"، وتضع الاضطرابات الداخلية على مستوى التهديد الخارجي.

وعندما يُعرَّف المواطن المحتجّ على أنه "جندي في الحرب المركبة للعدو"، فإن ذلك يمنح غطاءً مسبقًا لقمعه بعنف.

اقتراح التفاوض مع الولايات المتحدة

رغم الشعارات العدائية العلنية ضد واشنطن، تكشف الوثيقة أن النظام كان، في الخفاء، يبحث عن مخرج للبقاء عبر الولايات المتحدة.

ففي الصفحة 22 من الوثيقة، وتحت بند الإجراءات السياسية والأمنية، يتم التوصية صراحة بـ "إجراء حوار مباشر وصريح مع الولايات المتحدة في إطار المصالح الوطنية".

ويعكس هذا التناقض حجم الخوف من الانهيار، إلى درجة الاستعداد للتضحية سرًا بأهم الشعارات الأيديولوجية من أجل إطالة عمر النظام.

فشل سياسة الحجب والخوف من الإعلام

تعترف الوثيقة أيضًا بفشل سياسة حجب الإنترنت خلال الأزمات. إذ توصي بأنه من أجل السيطرة على الرواية وعدم خسارة معركة الرأي العام، يجب خلال الأزمات رفع الحجب وفتح المنصات الاتصالية الأساسية.

وهذا اعتراف بأن مهندسي "الإنترنت" والحجب كانوا يعلمون أن أدوات الرقابة تصبح عديمة الجدوى في لحظات الخطر، وأن المواطنين يلجأون إلى وسائل إعلام أخرى بحثًا عن الحقيقة.

من الاعتراف السرّي إلى القتل العلني

تؤكد الوثيقة أن البلاد دخلت مرحلة "أزمات متزامنة ومزمنة"، وأن إدارتها "لا يمكن أن تتم بالأدوات الأمنية وحدها".

وتُظهر هذه الوثيقة السرّية المؤلفة من 35 صفحة أن النظام كان يدرك جيدًا عجزه عن استعادة ثقة المجتمع أو تقديم دعم حقيقي له بعد "حرب الـ 12 يومًا"، وأنه عالق في مأزق لا يمكن الخروج منه بالشعارات ولا بالإصلاحات الشكلية.

وفي ظل هذه الظروف، اعتُبرت احتجاجات يومي 8 و9 يناير (كانون الثاني) الماضي بالنسبة لنظام رأى نفسه على حافة الانهيار تهديدًا وجوديًا لا مجرد تحدٍّ عادي.

ومِن ثمّ، فإن ما جرى في الشوارع لم يكن رد فعل لحظيًا، بل نتيجة استعداد محسوب من نظام أيقن أن الفجوة بينه وبين المجتمع بلغت حدًا جعله يواجه شعبًا أعزل بأقصى درجات العنف.

والنتيجة كانت: استخدامًا غير مسبوق للقوة، ومقتل ما لا يقل عن 36,500 شخص، بأمر مباشر من المرشد الإيراني، علي خامنئي، من أجل الحفاظ على نظام يعترف بنفسه، في وثائقه السرّية، بعجزه وفشله.