وأقرت الوثيقة بأن 26 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر، وحدوث تآكل حاد في شرعية النظام، ووجود خطر حقيقي لاندلاع احتجاجات شعبية واسعة.
وجاءت الوثيقة الاستراتيجية، التي تحمل تاريخ 18 أغسطس (آب) 2025، بعنوان "الحزمة الاستراتيجية لإدارة الأزمة من أجل استمرار تقديم الخدمات للمواطنين والحفاظ على الصمود الاجتماعي"، وصُنّفت على أنها "سرّية"، وتم تعميمها على الوزراء ونوابهم.
وفي الوقت الذي كانت فيه المنابر الرسمية تتحدث عن "الاقتدار"، تكشف هذه الوثيقة عن وجود 26 مليون إيراني تحت خط الفقر، وعن تورّط المسؤولين في أوهام صنعوها بأنفسهم، وعن حاجة ملحّة إلى التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة من أجل البقاء.
وتظهر الوثيقة خوفًا عميقًا من الانهيار، وهو الخوف الذي تُرجم لاحقًا إلى أكثر الفترات دموية بحق الشعب الإيراني خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة الأخيرة. وهو خوفٌ أدى إلى قتل المواطنين في الشوارع بأقصى درجات العنف من أجل الحفاظ على نظام كان قد وصل بنفسه إلى نهاية الطريق.
كيف يمكن البقاء؟
بعد أسابيع قليلة من انتهاء حرب الـ 12 يومًا، وبينما كان مسؤولو النظام الإيراني يكررون في خطاباتهم عبارات مثل "النصر" و"الردع" و"الاقتدار"، قدّمت هذه الوثيقة السرّية رواية مختلفة تمامًا عن واقع البلاد: رواية أزمة شاملة، وتآكل في الشرعية، وسخط شعبي، وخوف عميق من انهيار وظيفي للحكم.
إن تصنيف الوثيقة على أنها سرّية يدل بوضوح على قلق النظام من تداعيات كشف هذا التقييم. ففي الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الرسمية منشغلة بتثبيت رواية "الانتصار"، كانت الحكومة داخل بنيتها التنفيذية تحذّر من
"اضطرابات واسعة"، و"حرب نفسية"، و"تهديد للبنى التحتية الحيوية"، و"الحاجة إلى قيادة موحّدة لإدارة الأزمة".
وبعبارة أخرى، جاءت الوثيقة كردٍّ طارئ على سؤال جوهري:
إذا استمر الوضع القائم، فكيف يمكن للنظام أن "يبقى" فقط؟
ويُظهر محتوى الوثيقة أن الحكومة، خلافًا للرواية الرسمية، لم تعتبر حرب الـ 12 يومًا انتصارًا، بل نقطة بداية لحرب مركّبة استهدفت أسس الشرعية والصمود الوطني، وألحقت ضررًا بالغًا بالثقة العامة، وأدخلت المجتمع في حالة هشّة.
26 مليون إيراني تحت خط الفقر
أحد أكثر أقسام الوثيقة صدمة، والذي ينسف كل الادعاءات الاقتصادية الرسمية، هو الاعتراف الصريح بالحالة الانفجارية للفقر في البلاد.
ففي الصفحة 12 من الوثيقة السرّية، تم الإقرار صراحة بوجود "26 مليون شخص تحت خط الفقر".
وتحذّر الوثيقة من أن هذه الكتلة السكانية الضخمة تمتلك "قدرة محدودة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية"، وأن أي ضغط جديد قد يؤدي إلى "تعميق الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي".
ويُظهر هذا الاعتراف أن السلطة كانت تدرك تمامًا أن المجتمع تحوّل إلى مخزن بارود قابل للانفجار مع أي شرارة؛ وهي الشرارة التي اندلعت بالفعل في الاحتجاجات الشعبية الأخيرة.
"حرب الـ 12 يومًا" وأزمة الشرعية
في مقدمة هذه الحزمة الاستراتيجية، لا يتم توصيف الأزمة على أنها "حدث مؤقت"، بل كحالة "ممتدة، متعددة الطبقات، ومزمنة".
وتشير الوثيقة إلى أن المجتمع الإيراني بعد الحرب بات في وضع يمكن أن يتحول فيه أي صدمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية بسرعة إلى أزمة شاملة تُعطّل "الوظائف الطبيعية للدولة والمجتمع".
وقد خلصت الوثيقة إلى أن "حرب الـ 12 يومًا" لم تُسهم في إعادة بناء الاقتدار، بل عمّقت الفجوة بين النظام والمجتمع.
وتتحدث الوثيقة صراحة عن "تآكل رأس المال الاجتماعي"، و"تراجع الثقة العامة"، و"ازدياد السخط الاجتماعي"؛ وهي مفاهيم نادرًا ما تُستخدم بهذا الوضوح في الخطاب الرسمي للنظام الإيراني.
مأزق الحكم والاعتراف بـ "أوهام المسؤولين"
في قسم تشخيص الخلل، تكشف الوثيقة عن حقيقة لافتة: اعتماد منظومة الحكم على الكذب والمعلومات غير الدقيقة.
ويؤكد التقرير السرّي أن نظام اتخاذ القرار يعاني خللاً بنيويًا، وأن كبار المسؤولين محاصرون داخل "سجن إدراكي صنعوه بأنفسهم".
كما تكشف الوثيقة أن "تقديم معلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها للمسؤولين الكبار" أدى إلى اتخاذ قرارات مبنية على أوهام.
وترسم هذه الاعترافات صورة نظام عالق في مأزق كامل:
لا الشعب يثق به، ولا مؤسساته الداخلية تتعامل مع الحقيقة، وكل طرف يكذب على الآخر لأنه يريد سماع رواية نجاح وهمية.
اعتبار الشعب تهديدًا في "حرب مركّبة"
تُعد الأقسام الأمنية من أكثر أجزاء الوثيقة صراحة؛ إذ لا ينظر النظام الإيراني إلى الاضطرابات الداخلية باعتبارها احتجاجات مدنية، بل تفسّرها على أنها جزء من "الحرب المركبة للعدو"، وتضع الاضطرابات الداخلية على مستوى التهديد الخارجي.
وعندما يُعرَّف المواطن المحتجّ على أنه "جندي في الحرب المركبة للعدو"، فإن ذلك يمنح غطاءً مسبقًا لقمعه بعنف.
اقتراح التفاوض مع الولايات المتحدة
رغم الشعارات العدائية العلنية ضد واشنطن، تكشف الوثيقة أن النظام كان، في الخفاء، يبحث عن مخرج للبقاء عبر الولايات المتحدة.
ففي الصفحة 22 من الوثيقة، وتحت بند الإجراءات السياسية والأمنية، يتم التوصية صراحة بـ "إجراء حوار مباشر وصريح مع الولايات المتحدة في إطار المصالح الوطنية".
ويعكس هذا التناقض حجم الخوف من الانهيار، إلى درجة الاستعداد للتضحية سرًا بأهم الشعارات الأيديولوجية من أجل إطالة عمر النظام.
فشل سياسة الحجب والخوف من الإعلام
تعترف الوثيقة أيضًا بفشل سياسة حجب الإنترنت خلال الأزمات. إذ توصي بأنه من أجل السيطرة على الرواية وعدم خسارة معركة الرأي العام، يجب خلال الأزمات رفع الحجب وفتح المنصات الاتصالية الأساسية.
وهذا اعتراف بأن مهندسي "الإنترنت" والحجب كانوا يعلمون أن أدوات الرقابة تصبح عديمة الجدوى في لحظات الخطر، وأن المواطنين يلجأون إلى وسائل إعلام أخرى بحثًا عن الحقيقة.
من الاعتراف السرّي إلى القتل العلني
تؤكد الوثيقة أن البلاد دخلت مرحلة "أزمات متزامنة ومزمنة"، وأن إدارتها "لا يمكن أن تتم بالأدوات الأمنية وحدها".
وتُظهر هذه الوثيقة السرّية المؤلفة من 35 صفحة أن النظام كان يدرك جيدًا عجزه عن استعادة ثقة المجتمع أو تقديم دعم حقيقي له بعد "حرب الـ 12 يومًا"، وأنه عالق في مأزق لا يمكن الخروج منه بالشعارات ولا بالإصلاحات الشكلية.
وفي ظل هذه الظروف، اعتُبرت احتجاجات يومي 8 و9 يناير (كانون الثاني) الماضي بالنسبة لنظام رأى نفسه على حافة الانهيار تهديدًا وجوديًا لا مجرد تحدٍّ عادي.
ومِن ثمّ، فإن ما جرى في الشوارع لم يكن رد فعل لحظيًا، بل نتيجة استعداد محسوب من نظام أيقن أن الفجوة بينه وبين المجتمع بلغت حدًا جعله يواجه شعبًا أعزل بأقصى درجات العنف.
والنتيجة كانت: استخدامًا غير مسبوق للقوة، ومقتل ما لا يقل عن 36,500 شخص، بأمر مباشر من المرشد الإيراني، علي خامنئي، من أجل الحفاظ على نظام يعترف بنفسه، في وثائقه السرّية، بعجزه وفشله.