بين الأمل والحذر.. طهران تستعد لمحادثات "جنيف" الحاسمة

يسود في طهران، عشية الجولة الثالثة من المحادثات مع واشنطن، مزيج من الأمل الحذر والقلق المتصاعد.
صحفي

يسود في طهران، عشية الجولة الثالثة من المحادثات مع واشنطن، مزيج من الأمل الحذر والقلق المتصاعد.
ومن المقرر أن يلتقي المفاوضون في جنيف، يوم الخميس 26 فبراير (شباط)، في محادثات قد تكون حاسمة، لا سيما إذا صحت التقارير التي تفيد بأن واشنطن وضعت مهلًا غير رسمية لتحقيق تقدم.
ويعكس الخطاب العام داخل إيران حالة من الترقب والقلق، في وقت يستعد فيه المسؤولون لجولة قد تكون مفصلية.
وفي وقت متأخر من مساء الثلاثاء 24 فبراير، وقبيل مغادرته إلى جنيف، تبنّى وزير الخارجية، عباس عراقجي، نبرة متفائلة.
وكتب على منصة "إكس": "لدينا فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق غير مسبوق يعالج المخاوف المشتركة ويحقق المصالح المتبادلة. الاتفاق في متناول اليد، ولكن فقط إذا مُنحت الدبلوماسية الأولوية".
وصفت صحف مقربة من النظام الإيراني، مثل صحيفتا "إيران" و"اعتماد"، المحادثات بأنها "مخرج للطرفين" و"الفرصة الأخيرة لتجنب مواجهة عسكرية". وحملت هذه الصياغات طابع الإلحاح، مع اعتراف ضمني بتصاعد المخاطر.
في الوقت نفسه، سعت وسائل إعلام مقربة من الدوائر الأمنية إلى التقليل من احتمالات اندلاع حرب وشيكة.
فقد رفض موقع "تابناك"، الذي يديره قائد سابق في الحرس الثوري، و"نور نيوز"، المرتبط بأمين مجلس الدفاع الوطني ومستشار خامنئي البارز، علي شمخاني، التقارير الغربية حول احتمال عمل عسكري أميركي، واصفين إياها بأنها "إرهاب إعلامي مستوحى من خطاب ترامب في كتاب فن الصفقة". وكانت الرسالة واضحة: تهديدات واشنطن جزء من حملة ضغط، وليست تمهيدًا لهجوم.
وجاء هذا التصعيد في الخطاب، عقب خطاب حالة الاتحاد، الذي ألقاه الرئيس دونالد ترامب، والذي تطرق فيه إلى البرنامجين النووي والصاروخي لإيران، وهي تصريحات كان لها صدى سريع في الإعلام والأوساط السياسية الإيرانية.
وفي سياق موازٍ، عكست تحليلات أخرى نهجًا حذرًا؛ إذ تناولت منصتا "فرارو" و"الدبلوماسية الإيرانية"، المقربتان من وزارة الخارجية، سيناريوهات عسكرية محتملة، تتراوح بين ضربات رمزية محدودة وهجمات تستهدف البنية التحتية أو مسؤولين كبارًا، لكنها رجّحت أن كلفة التصعيد تجعل من غير المرجح نشوب صراع طويل.
وبقي الخطاب الرسمي حازمًا؛ إذ أفادت وكالة "إيسنا" بأن إيران حذّرت الأمم المتحدة من أنها "سترد سريعًا على أي عدوان"، بما في ذلك استهداف "جميع الأصول والقواعد العسكرية للأطراف المعتدية في المنطقة"، والتي ستعتبرها طهران أهدافًا مشروعة.
في المقابل، عكست المؤشرات الاقتصادية حساسية واضحة تجاه التوترات؛ حيث ارتفع سعر الدولار إلى 1,660,000 ريال إيراني، في ظل تجدد حالة عدم اليقين.
ومن بين التقييمات الأكثر توازنًا، مقال نشره موقع "فرارو" للخبير محسن جليلوند، الذي رأى أنه "لن تكون هناك حرب"، وأن احتمال انخراط دول المنطقة في مواجهة "يقارب الصفر".
ومع ذلك، أقرّ بوجود مأزق، قائلًا: "هناك فجوة كبيرة بين مطالب الطرفين"، محذرًا من أنه حتى في حال رفع العقوبات فورًا، "سيستغرق الأمر ما لا يقل عن 15 عامًا لعودة البلاد إلى أوضاعها الطبيعية".
واختتم بالقول الذي يلخص المزاج العام: "لا يمكننا تحمّل قدر مفرط من التفاؤل".

لم يكن الجزء المتعلق بإيران في الخطاب السنوي للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أمام "الكونغرس"، مجرد استعراض للسياسة الخارجية، بل كان محاولة منهجية لإعادة تأطير النظام الإيراني باعتباره "تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأميركي".
وتشكل المحاور الثلاثة الرئيسية في تصريحات ترامب بشأن إيران- القتل الواسع للمتظاهرين، والتهديد الصاروخي للأراضي الأميركية، وإحياء البرنامج النووي- رواية متكاملة تجعل من العمل العسكري، في نظر الرأي العام، ليس خيارًا اختياريًا، بل ردًا ضروريًا.
من القمع الداخلي إلى شرعية التدخل الخارجي
من خلال الإشارة إلى مقتل "ما لا يقل عن 32 ألف متظاهر" ووصف مشاهد إطلاق النار والإعدامات، يصوّر ترامب النظام الإيراني ليس فقط كمنافس جيوسياسي، بل كنظام "خطير ووحشي".
ولهذا التأطير وظيفتان:
* أولاهما: إضفاء بُعد أخلاقي على المواجهة؛ فعندما يُقدّم نظام ما على أنه يرتكب "مجازر بحق شعبه"، يمكن أن يُنظر إلى مواجهته كدفاع عن القيم الإنسانية، وليس مجرد صراع قوة.
* ثانيهما: ربط عدم الاستقرار الداخلي بالتهديد الخارجي؛ فالنظام الذي "يديره أشخاص خطرون للغاية"، بحسب ترامب، قد يصدّر هذا العنف إلى الخارج.
وبذلك لا يعود الأمر مجرد سياسة إقليمية، بل تهديدًا "غير متوقع وأيديولوجي الطابع".
من الماضي الدموي إلى تهديد مباشر للأراضي الأميركية
من خلال التذكير بمقتل وإصابة "آلاف الجنود الأميركيين" عبر "العبوات الناسفة"، والإشارة إلى تصفية القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، يعيد ترامب بناء سردية تُحمّل نظام خامنئي مسؤولية مباشرة عن إيذاء الأميركيين.
هذا الاستحضار التاريخي يخلق أرضية عاطفية لتقبّل خطوات أكثر حسمًا.
ولكن النقطة الأهم في تصريحاته كانت قوله إن النظام الإيراني يطوّر صواريخ "ستصل قريبًا إلى الولايات المتحدة".
وهذه العبارة تمثل جوهر التأطير الأمني.
ففي الأدبيات السياسية الأميركية، عندما يصل التهديد إلى "الأراضي الأميركية"، يرتفع مستوى الحساسية لدى الرأي العام و"الكونغرس" بشكل كبير.
وطالما بقي الخطر محصورًا في الشرق الأوسط أو أوروبا، يكون رفض الحرب أسهل؛ لكن عندما يُصوَّر كخطر على المدن الأميركية، يتحول النقاش من "اختيار" إلى "وقاية".
وبذلك يعيد ترامب إحياء منطق الضربة الاستباقية: "إذا لم نتحرك الآن، فقد يكون الأوان قد فات لاحقًا".
الملف النووي: تجاوز الخط الأحمر التقليدي
يؤكد ترامب مرارًا أنه "لن يسمح أبدًا لأكبر راعٍ للإرهاب في العالم بالحصول على سلاح نووي".
وهذا التصريح يستند إلى إجماع طويل في السياسة الأميركية: منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
ومن خلال الإشارة إلى "عملية مطرقة منتصف الليل"، خلال "حرب الـ 12 يومًا"، في يونيو (حزيران) الماضي، وادعاء تدمير البرنامج النووي الإيراني، ثم التأكيد على أن طهران "أعادت بناء كل شيء من جديد"، يصوغ رواية متكررة:
* نحن دمّرنا
* هم أعادوا البناء
* حذرناهم
* لم يستجيبوا
وهذه الرواية تضع المفاوضات الجارية ضمن إطار محدد: الدبلوماسية جُرّبت، لكن الطرف الآخر لم يعلن بعد: "لن نمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا".
وبذلك، إذا فشلت المفاوضات، ستقع المسؤولية في نظر الرأي العام على طهران، لا على واشنطن.
بناء منطق "السلام عبر القوة"
يوجه ترامب رسالتين متزامنتين: "أفضل الدبلوماسية" و"لن أتردد في مواجهة أي تهديد لأميركا".
وهذا التوازن يسمح له بتقديم نفسه كرئيس يفضّل السلام، لكنه لا يتراجع أمام التهديد.
وهو خطاب يجذب القاعدة الجمهورية وبعض المستقلين: ليس داعيًا للحرب، لكنه أيضًا ليس ضعيفًا.
الأمن القومي كمصدر للشرعية
في المجمل، تبني تصريحات ترامب ثلاث طبقات من الشرعية لأي عمل عسكري محتمل:
1- شرعية أخلاقية: مواجهة نظام يقتل شعبه.
2- شرعية تاريخية-انتقامية: الرد على مقتل أميركيين.
3- شرعية أمنية استباقية: منع تهديد صاروخي أو نووي للأراضي الأميركية.
وهذا المزيج يحوّل النظام الإيراني من قضية إقليمية إلى تهديد مباشر للأمن القومي الأميركي.
وفي هذا الإطار، إذا قرر البيت الأبيض تنفيذ هجوم محدود أو واسع، يمكن تقديمه ليس كحرب اختيارية جديدة في الشرق الأوسط، بل كخطوة ضرورية للدفاع عن المواطنين الأميركيين.
وبعبارة أخرى، لا تمثل تصريحات ترامب مجرد تحذير، بل مرحلة من التهيئة الذهنية للرأي العام لسيناريو قد يصبح فيه العمل العسكري مبررًا، في حال فشل الدبلوماسية.
أقدم طلاب في ثلاث جامعات بطهران، يوم الاثنين، على إحراق علم النظام الإيراني، في خطوة تُعد مؤشراً جديداً على تعمّق الفجوة بين النظام السياسي الحاكم في إيران وشرائح المجتمع.
لم يعد الحراك الاحتجاجي في إيران، كما في السابق، يقتصر على استهداف رموز محددة للنظام بشكل انتقائي، بل اتسع نطاقه ليطال كل ما يُنظر إليه باعتباره ممثلاً للنظام، بما في ذلك العلم الرسمي للبلاد.
ويعود أحد أبرز مظاهر القطيعة العلنية إلى عام 2009، حين أضرم طلاب النار في صورة مرشد النظام السابق ومؤسسة الثورة، روحالله الخميني، في خطوة اعتُبرت آنذاك كسرًا لمحظور سياسي، ودفع قادة "الحركة الخضراء" إلى القول إن جهات أمنية قد تكون وراءها لتبرير تشديد القمع.
في تلك المرحلة أيضاً، رُدد شعار "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران"، في إشارة إلى تحوّل لدى جزء من المجتمع من خطاب أيديولوجي عابر للحدود إلى تأكيد الهوية الوطنية.
ومنذ احتجاجات عام 2017، التي شهدت شعار "إصلاحي، أصولي، انتهى الأمر"، اتخذت الاحتجاجات مساراً أكثر شمولاً، وصولاً إلى احتجاجات يناير الأخيرة، حيث اتسع نطاق رفض النظام بمختلف أجنحته.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الهتافات التي تستهدف مباشرة المرشد علي خامنئي وقادة عسكريين بارزين مثل قاسم سليماني، بوصفهم رموزاً لسياسات النظام الداخلية والخارجية، كما أُزيلت صورهم وأُحرقت في احتجاجات متفرقة.
وامتد هذا الرفض إلى ساحات غير سياسية، بينها بطولة كأس العالم 2022 في قطر، حيث تعرض المنتخب الإيراني لانتقادات من بعض الأوساط التي رأت فيه ممثلاً للنظام أكثر من كونه فريقاً رياضياً.
إحراق العلم
في 23 فبراير، ولليوم الثالث على التوالي، نظم طلاب في عدد من الجامعات الإيرانية تجمعات احتجاجية رددوا خلالها شعارات مناهضة للمرشد، وأخرى داعمة لرضا بهلوي. وخلال هذه التحركات، داس بعض المحتجين على علم النظام وألقوه باتجاه قوات الأمن.
وفي جامعات أمير كبير، وجامعة طهران، وجامعة الزهراء، أُحرقت أعلام النظام.
وكان نظام طهران قد سعى عام 1979 إلى دمج الرموز الوطنية والدينية في العلم الرسمي، مع الإبقاء على الألوان التقليدية وإضافة عبارة "الله أكبر" في الوسط وعلى الشريطين الأخضر والأحمر، وهي عناصر لا تحظى اليوم بإجماع رمزي لدى جميع الإيرانيين.
ورغم أن القوانين الإيرانية لا تنص صراحة على تجريم إهانة العلم الوطني، فإن وجود لفظ الجلالة عليه قد يفتح المجال أمام ملاحقات بتهمة الإساءة للمقدسات.
النظام الإسلامي في مواجهة إيران
منذ تأسيسها، لم تُبدِ الجمهورية الإسلامية اهتماماً واسعاً ببعض الرموز والتقاليد الوطنية. فقد حاول الخميني استبدال احتفالات النوروز بمناسبات دينية، دون أن ينجح في ذلك.
وخلال سنوات ما بعد الثورة، لم يحظَ العلم الوطني بحضور بارز في الفضاء العام، قبل أن يتغير ذلك في عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، حيث توسع استخدام العلم بشكل ملحوظ، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول البرنامج النووي، في مسعى لتقديمه كقضية وطنية لا حكومية فحسب.
وبعد الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، سعت السلطات إلى إعادة إبراز بعض الرموز الوطنية. ففي إحدى المناسبات، طُلب أداء نشيد "يا إيران" عقب خروج خامنئي من ملجأ خلال الحرب، إلا أن هذه الخطوات اعتبرها منتقدون متأخرة وغير كافية.
ويشير مراقبون إلى أن اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع والنظام انعكس أيضاً على بعض المظاهر الاجتماعية والدينية، حيث شهدت بعض مراسم تشييع ضحايا احتجاجات سابقة أنماطاً مختلفة عن الطقوس التقليدية، في دلالة على تحولات أعمق في المزاج العام.
بالتزامن مع انعقاد جولة جديدة من المفاوضات النووية بين طهران وواشنطن في جنيف، أقدم النظام الإيراني على إطلاق صواريخ في محيط مضيق هرمز، وإجراء مناورات بحرية بالذخيرة الحية، وإعلان إغلاق مؤقت لأجزاء من هذا الممر الاستراتيجي.
كما هدّد المرشد الإيراني، علي خامنئي، باستهداف السفن الحربية الأميركية في المنطقة، وإغراقها.
وتأتي هذه التحركات العسكرية في وقت تُجرى فيه المحادثات بشكل غير مباشر، مع تركيزها على البرنامج النووي ومسألة رفع العقوبات. وفي المقابل، رفعت الولايات المتحدة مستوى الردع عبر إرسال حاملات طائرات وتعزيز انتشارها العسكري في الشرق الأوسط.
ويعزز مجمل هذه التطورات التقدير بأن طهران، بينما تواصل التفاوض، تسعى في الوقت نفسه إلى تعديل ميزان الضغط وإعادة صياغة معادلة التفاوض القائمة.
وعلى المستوى العملياتي، لا يُعدّ إغلاق مضيق هرمز- حتى لو كان مؤقتًا- مجرد خطوة تدريبية. فهذا الممر يشهد عبور نحو 20 في المائة من النفط العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسواق الطاقة وأسعار النفط. ومن هذا المنظور، فإن تحرك طهران يحمل رسالة اقتصادية تتجاوز البعد العسكري، موجهة ليس فقط إلى واشنطن، بل أيضًا إلى الفاعلين في سوق الطاقة العالمية، عبر إثارة القلق لدى المشترين والبائعين.
وتشير تقارير إلى أن هذه الخطوات جاءت بالتزامن مع زيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بما في ذلك نشر حاملات طائرات، ومدمرات صاروخية، وتعزيز البنية التحتية العملياتية. كما تحدث مسؤولون أميركيون عن الاستعداد لسيناريوهات محتملة في حال فشل المفاوضات.
وفي هذا السياق، يمكن تحليل التحركات العسكرية لطهران ضمن إطار "الردع النشط"؛ فهي تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن أي هجوم على بنيتها التحتية النووية أو العسكرية سيُقابل برد مباشر. ويأتي التهديد الصريح للسفن الأميركية ضمن هذا الإطار.
ولكن وظيفة هذه الخطوات ليست عسكرية فحسب. فالمفاوضات الحالية تتركز أساسًا على ملف العقوبات. ولا يزال الاقتصاد الإيراني تحت ضغط القيود النفطية والمالية، ويُعدّ رفع العقوبات المطلب الرئيسي لطهران. ومِن ثمّ، يمكن اعتبار إثارة "توتر مقصود" أداة ضغط على طاولة التفاوض، أي رفع مستوى المخاطر بهدف انتزاع تنازلات.
وعلى صعيد المفاوضات، بقيت "الخطوط الحمراء" الإيرانية دون تغيير. فقد أعلنت طهران أنها لن تقبل بوقف كامل لعمليات التخصيب، ولن تُدرج برنامجها الصاروخي ضمن المحادثات، وأن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفعًا للعقوبات. ويُعدّ استعراض القدرات الصاروخية والبحرية ترجمة ميدانية لهذه الخطوط، في وقت ترى فيه واشنطن أن إيران لا تتحرك بجدية كافية نحو اتفاق، وتواصل تعزيز قواتها في المنطقة.
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن الوضع الداخلي في إيران. فالاحتجاجات الواسعة في الأشهر الأخيرة، وما رافقها من قمع وسقوط ضحايا، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن العقوبات، فرضت ضغوطًا مضاعفة على بنية الحكم. وفي مثل هذا المناخ، قد يخدم إبراز التهديد الخارجي أهدافًا داخلية، من بينها تعزيز التماسك الأمني وصرف انتباه الرأي العام عن الأزمات الداخلية.
زاستراتيجيًا، يمكن توصيف هذا النمط ضمن سياسة "رفع مستوى التوتر لتغيير المعادلة". فإيران لم تنسحب من طاولة المفاوضات، ولم تُغلق باب الاتفاق، لكنها تسعى إلى إعادة تعريف شروطه؛ فالإغلاق الرمزي لمضيق هرمز، والمناورات بالذخيرة الحية، والتهديد للسفن الأميركية، كلها أدوات لزيادة الوزن التفاوضي في مواجهة الضغوط العسكرية والعقوبات.
غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة. فالوجود العسكري الكثيف في المنطقة، والمناورات الحية، وحوادث الاحتكاك البحري أو الجوي المحتملة، كلها تزيد احتمال الخطأ في الحسابات. وفي مثل هذه الظروف، يمكن لحادث تكتيكي محدود أن يتحول سريعًا إلى أزمة استراتيجية.
ويمكن وصف السلوك الحالي لطهران بأنه "سياسة حافة الهاوية"؛ أي تصعيد التوتر حتى عتبة الأزمة دون تجاوزها إلى مواجهة مباشرة. والهدف هو دفع الطرف المقابل إلى الاختيار بين تقديم تنازلات أو تحمل مخاطر مزيد من عدم الاستقرار.
لكنها لعبة مكلفة؛ فالانتشار العسكري الكثيف، والمناورات المتزامنة، واعتراض الطائرات المسيّرة، والتحذيرات البحرية، كلها ترفع احتمالات سوء التقدير. وفي مثل هذا المناخ، قد يتحول حادث محدود من مجرد رسالة عسكرية إلى مواجهة فعلية، يبدو أن كلفتها قد تكون باهظة بالنسبة لطهران.
سلّطت انسحابات طلابية من المدارس في مختلف أنحاء إيران هذا الأسبوع الضوء على الحضور السياسي المستمر لجيل شاب ظل منخرطًا بعمق في الشأن العام، رغم أشهر من الاعتقالات والقمع.
وجاء هذا التحرك، الذي لوحظ في العديد من المدارس الثانوية والإعدادية، عقب دعوة أطلقها في وقت سابق من الأسبوع اتحاد المعلمين في البلاد، وهو من بين الهيئات المهنية المستقلة القليلة المتبقية التي يواجه أعضاؤها وقياداتها بشكل متكرر الاستدعاء والاحتجاز والسجن.
وكان الاتحاد قد حثّ الطلاب والمعلمين على إحياء ذكرى قتلى الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، وكثير منهم كانوا مراهقين أو في مطلع العشرينات من العمر.
وتشير منظمات حقوقية وتقارير إعلامية إلى أن الشباب شكّلوا نسبة كبيرة من القتلى والجرحى والمعتقلين خلال حملة القمع، ما يعزز الدور المحوري لـ "الجيل زد" في الحركة الاحتجاجية الإيرانية.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، يوم الأربعاء 18 فبراير (شباط)، طلابًا- كثير منهم فتيات- يرفضون حضور الدروس ويتجمعون في ساحات المدارس مرددين أناشيد وطنية في ما بدا تضامنًا مع الضحايا.
وأقرّ وزير العدل الإيراني، أمير حسين رحيمي، هذا الأسبوع بأن عددًا من القُصّر ما زالوا قيد الاحتجاز على خلفية الاحتجاجات، مضيفًا أن السلطات تعمل على الإفراج عن بعض المعتقلين دون السن القانونية.
في قلب الاضطرابات
لعب "الجيل زد" في إيران دورًا بارزًا في موجات الاضطرابات المتعاقبة، بما في ذلك الاحتجاجات التي عمّت البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وتُظهر قوائم أعدّتها منظمات حقوقية أن نسبة كبيرة من القتلى أو المعتقلين كانت دون الثلاثين عامًا، بمن فيهم طلاب جامعات وقُصّر.
ويعكس انخراط الشباب الإيرانيين عوامل ديموغرافية وواقعًا اجتماعيًا أعمق.
فقد نشأ "الجيل زد" في إيران في ظل فترة اتسمت بعدم الاستقرار الاقتصادي، والعزلة الدولية، وتزايد القيود الاجتماعية. وقد شكّلت هذه الظروف تطلعاتهم ونظرتهم السياسية بطرق تختلف عن الأجيال السابقة.
هوية متميزة
في تعليق حديث نشرته صحيفة "اعتماد" الإصلاحية الإيرانية، قال المحلل السياسي، عباس عبدي، إن الجيل الشاب في إيران يواجه "طبقات متعددة من الضغوط"، تعكس صعوبات اقتصادية، وقيودًا اجتماعية، وضعف التمثيل السياسي.
وأشار إلى عدة مصادر للتوتر، من بينها تراجع الفرص الاقتصادية، واتساع الفجوة بين المعايير الرسمية والواقع الاجتماعي، وما وصفه بالتهميش السياسي للشباب.
وكتب أن هذه الضغوط أسهمت في تنامي شعور بالانفصال بين الشباب الإيراني والمؤسسة السياسية في البلاد.
كما شدد عبدي على أن "الجيل زد" هو أول جيل في إيران ينشأ متصلاً بالكامل بالشبكات الرقمية، مع إمكانية الوصول إلى معلومات عالمية ومصادر بديلة لتشكيل الهوية.
وقد غيّر هذا التحول أنماط التنشئة الاجتماعية التقليدية ومفهوم السلطة، إذ يميل الشباب الإيرانيون إلى تقبّل أقل لأشكال الخطاب السياسي الهرمي، وأكثر ميلاً إلى أشكال تعبير وتنظيم لامركزية وغير رسمية.
ورغم احتفاظ الدولة بقدرات قمعية وانتزاع اعترافات قسرية، فإن استمرار مشاركة الشباب في الاحتجاجات يشير إلى أن التوترات الاجتماعية والجيلية الكامنة لم تُحل بعد.
وحذّر عبدي من أن الفشل في معالجة هذه الضغوط الجيلية قد يعمّق عدم الاستقرار على المدى الطويل، معتبرًا أن النظام السياسي المستدام يعتمد في نهاية المطاف على قدرة مؤسسات الحكم على التكيّف مع التغيرات الاجتماعية.
ورغم محدودية نطاق الانسحابات الطلابية هذا الأسبوع، فإنها عكست الوعي السياسي المستمر لجيل نشأ خلال واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ إيران الحديث، وهو جيل يُرجح أن يظل عنصرًا محوريًا في تشكيل المسار السياسي للبلاد.
قوبلت الجولة الثانية من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة بردّ فعل فاتر، وانتقادي غالبًا في طهران؛ حيث شككت وسائل إعلام رسمية في التزام واشنطن؛ بعدما غادر المفاوضون الأميركيون جنيف خلال ساعات، رغم عرض إيران مواصلة النقاشات.
ومع ذلك، وصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، المحادثات بأنها إيجابية في المجمل، لكنه حذّر من أن التوصل إلى اتفاق نهائي سيستغرق وقتًا. وقال إن الجانبين اتفقا على البدء في صياغة مسودات محتملة لاتفاق، وتبادل الوثائق، وتحديد موعد لجولة ثالثة.
غير أن العديد من الأصوات في طهران وجّهت انتقادات حادة لما اعتبرته افتقارًا إلى الجدية من الجانب الأميركي.
واتهمت صحيفة "إيران" الرسمية الإدارة الأميركية باتباع "دبلوماسية بدوام جزئي"، معتبرة أن الزيارة القصيرة التي قام بها المبعوثان الأميركيان: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر تعكس نهجًا مبسّطًا أكثر من اللازم في التعامل مع الملف النووي الإيراني.
وكتبت الصحيفة في افتتاحيتها: "هذا هو تحدّي التفاوض مع شخصيات غير دبلوماسية"، مضيفة أنه إذا كان من المفترض أن تحلّ الدبلوماسية محل الضغط والتوتر، فعليها أن تستند إلى "قرار واضح ودائم على أعلى المستويات السياسية".
عمل جانبي لرجال أعمال
وربط معلّقون هذه الانتقادات بقرار الأميركيين مغادرة جنيف لإجراء مفاوضات منفصلة تتعلق بالحرب في أوكرانيا، في مقابل استعداد طهران لإجراء محادثات مطوّلة مدعومة بفريق كبير من الخبراء.
وكتب المحلل المقرّب من وزارة الخارجية الإيرانية، رضا نصري، على منصة "إكس": "ويتكوف وكوشنر يتعاملان مع جنيف كأنها مطعم دبلوماسي للوجبات السريعة.. الاستقرار العالمي ليس وجبات سريعة. الدبلوماسية الجادة تتطلب تركيزًا ونية حقيقية، لا عملاً جانبيًا لرجال أعمال".
كما شكّك موقع "نور نيوز"، المقرب من أمين مجلس الدفاع الوطني، علي شمخاني، في أولويات واشنطن، في مقال بعنوان "أين تضييع الوقت الحقيقي؟"، معتبرًا أن اتهامات المماطلة تنطبق على الولايات المتحدة، التي قال إنها تعتمد بشكل كبير على الاستعراض الإعلامي وتُوفد ممثلين يفتقرون إلى التخصص الكافي.
وجاءت هذه التبادلات الدبلوماسية وسط تصاعد في الخطاب السياسي والإشارات العسكرية. وقبيل اجتماع جنيف، جدّد المرشد الإيراني، علي خامنئي، موقفه المتشدد، مستحضرًا مرجعية تاريخية شيعية للتأكيد على مقاومة الضغوط الأميركية.
كما أبرزت وسائل إعلام طهران مناورات بحرية للحرس الثوري الإيراني في المياه الخليجية، ووصفتها بأنها رسالة ردع تتزامن مع المسار الدبلوماسي النووي.
وتفاعلت الأسواق المالية الإيرانية سلبًا مع محادثات جنيف، متأثرة جزئيًا بتقارير عن تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. فقد تراجع الريال الإيراني مجددًا، يوم الأربعاء 18 فبراير (شباط)، إذ ارتفع سعر الدولار بنحو 1.2 في المائة ليصل إلى نحو مليون و630 ألف ريال.
مخاطر انهيار المحادثات
وحذّر المحلل السياسي الإيراني، محمد سلطاني نجاد، من أن البدء في صياغة مسودات أولية لا يعني اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي.
وقال لموقع "انتخاب": "حتى لو تم التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا، فهذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستتصرف وفقًا لذلك".
وأوضح سلطاني نجاد أن إيران تسعى إلى رفع ملموس للعقوبات، في حين قد تفضّل الولايات المتحدة الإبقاء على الضغط الاقتصادي لكسب أوراق ضغط في ملف الصواريخ الإيراني، ما يثير تساؤلات حول إمكانية مواءمة المصالح الاقتصادية والأمنية للطرفين بسهولة.
ومن جهته، قال المحلل مصطفى نجفي في مقابلة عبر الإنترنت إن احتمال انهيار المفاوضات يبدو أكبر من سيناريوهات التوصل إلى اتفاق، حتى لو كان محدودًا لإدارة التوتر.
أما الصحافي الإصلاحي، أحمد زيد آبادي، فقدم تقييمًا أكثر تفاؤلًا، إذ كتب على قناته في "تلغرام" أن المحادثات لا تزال تملك فرصة للنجاح.
لكنه حذّر من أن الخشية من المتشددين في الداخل الإيراني أو الضغوط من مؤيدي رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في الولايات المتحدة ربما تُفشل اتفاقًا قد يكون مفيدًا للطرفين.