ويعكس هذا التوجّه تحولاً في النظرة التقليدية لطهران التي كانت تعتبر الحرب تهديدًا وجوديًا. اليوم، يبدو أن حكّام إيران توصّلوا إلى قناعة بأن المواجهة المُتحكَّم بها يمكن أن تُسهم في الحفاظ على النظام بطريقة لم تعد الدبلوماسية قادرة عليها.
وهذه القناعة نفسها تفسّر لماذا لم تعد الحرب أمرًا غير قابل للتصوّر في طهران، بل تُعاد صياغتها تدريجيًا كأداة يمكن الاتكال عليها في الحكم.
في صلب هذا التحول تكمن قراءة صريحة: طاولة المفاوضات تحوّلت إلى ساحة خسارة. ليس لأن التوصل إلى اتفاق مع واشنطن مستحيل، بل لأن الإطار الذي تفرضه الولايات المتحدة وحلفاؤها حوّل الدبلوماسية إلى مسار من التنازلات المتراكمة.
وعندما تُعامل القيود النووية، والضوابط الصاروخية، والنفوذ الإقليمي، وحتى السلوك الداخلي، كملفات مترابطة، يرى قادة إيران الحوار لا كوسيلة لتخفيف الضغط، بل كتراجع استراتيجي من دون ضمانات موثوقة للبقاء.
ومن منظور طهران، لم تعد الدبلوماسية تشتري الوقت، بل تعزّز الهشاشة.
وفي هذا السياق، تبدو المواجهة أقل تهوّرًا، وأكثر كطريق للخروج من ممر يضيق باستمرار.
الحرب كأداة للسيطرة الداخلية
لماذا الحرب؟ لأن الحرب هي السيناريو الوحيد الذي يعتقد النظام الإيراني أنه ليس خاسرًا فيه بالضرورة.
وداخليًا، يواجه النظام أخطر أزمة شرعية له منذ عقود.
القمع الواسع، وقتل المحتجين، والانهيار الاقتصادي، ومجتمع بات أكثر مقاومة لحكم قائم على الخوف، كلها عوامل أنهكت أدوات السيطرة التقليدية للدولة.
وفي مثل هذه الظروف، تكتسب الحرب وظيفة سياسية قوية وتعيد كتابة قواعد الحكم.
وفي زمن الحرب، يمكن إعادة تعريف السخط الشعبي على أنه «تعاون مع العدو»، ويتحوّل الاحتجاج إلى تخريب، وتُصوَّر المعارضة على أنها تهديد للأمن القومي.
ومنطق حالة الطوارئ يضيّق الفضاء العام ويُضفي شرعية على إجراءات كانت ستواجه رفضًا واسعًا في زمن السلم.
وبالنسبة للنظام الإيراني، لا يتم تصوير الحرب أولاً ككارثة مفروضة من الخارج، بل كآلية لإعادة ترسيخ الهرمية والانضباط والخوف في الداخل.
وهذه الرؤية ليست حكرًا على إيران، لكنها اكتسبت إلحاحًا جديدًا في مواجهة مجتمع لم يعد ام ترهيبه بسهولة.
من هذا المنظور، تكتسب الطريقة التي أدارت بها طهران الدبلوماسية مؤخرًا معنى مختلفًا.
تغيير أماكن التفاوض، وتبديل الصيغ، وتقييد جدول الأعمال، وتأجيل المحادثات، ليست مجرد محاولات لشراء الوقت. بل هي مؤشرات على أن المفاوضات لن تتقدم إلا وفق شروط إيران، أو لن تتقدم أصلًا.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الجولة الأخيرة من المحادثات المقررة مع واشنطن.
فبعد مقاومة أولية، وبناءً على طلب طهران، نُقل مكان اللقاء من إسطنبول إلى عُمان.
وأصرّ المسؤولون الإيرانيون على صيغة ثنائية بالكامل، وسعوا إلى حصر الحوار في الملف النووي، مستبعدين صراحةً الصواريخ والأنشطة الإقليمية التي تُعد أولوية للولايات المتحدة وشركائها.
وفي المحصلة، تشير هذه الخطوات إلى استراتيجية أوسع: تفريغ الدبلوماسية من مضمونها، مع الإبقاء على المواجهة حيّة.
وخارجيًا، تقوم حسابات طهران أيضًا على افتراض آخر: أن الولايات المتحدة تسعى لتجنّب حرب طويلة.
وعززت تجارب أفغانستان والعراق، إلى جانب النهج الحذر لواشنطن تجاه حرب أوكرانيا، الاعتقاد بأن أمريكا تفتقر إلى الشهية السياسية لصراع طويل ومُنهِك.
ومن وجهة نظر طهران، حتى أي ضربة عسكرية محتملة ستكون على الأرجح محدودة.
والضربات الجوية، والعمليات السيبرانية، أو الهجمات المحدودة المُعرَّفة، هي أشكال ضغط يعتقد النظام الإيراني أنه قادر على تحمّلها.
وهذا يغذّي أحد المرتكزات الأساسية لعقيدة بقاء النظام: من دون وجود قوات برية أجنبية، لا يمكن إسقاطه.
وبناءً عليه، يُنظر إلى أي عمل عسكري لا يفضي إلى مشاركة برية مستدامة على أنه قابل للاحتواء.
وإلى جانب ذلك، يعتقد قادة طهران أنهم قادرون على تصدير كلفة التصعيد إلى أنحاء المنطقة.
ومن خلال تهديد حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، تحسب طهران أن أي مواجهة طويلة ستغدو سريعًا غير جذابة سياسيًا واقتصاديًا لواشنطن.
وفق هذا التصور، يمكن لحرب محدودة أن تُخرج قضايا حقوق الإنسان من جدول الأعمال العالمي، وتكشف الخلافات بين الحلفاء الغربيين، وتربك أسواق الطاقة، وفي النهاية تفرض العودة إلى مفاوضات أكثر محدودية.
ومع ذلك، تقوم هذه الاستراتيجية على افتراض خطير: السيطرة.
فالحروب التي تبدأ على أساس إمكانية الاحتواء نادرًا ما يتم احتواؤها.
وفي منطقة متقلبة ومليئة بالسلاح، يصعب إدارة سلاسل التصعيد، وقد تُفسَّر إجراءات تعتبرها طهران رادعة في واشنطن على أنها «تجاوز للخطوط الحمراء».
ومع ذلك، يبقى المسار واضحًا. فقد توصل النظام الإيراني إلى قناعة بأنه يخسر على طاولة المفاوضات، لكنه قد يصمد- أو حتى تستعيد بعض أوراق الضغط- في ظل توتر مستدام.
وهذه القناعة تفسّر لماذا لم تعد الحرب الخيار الأخير، بل تتحول تدريجيًا إلى عنصر محسوب، وإن كان بالغ المخاطر، في استراتيجية بقاء النظام الإيراني.