وعلى مدار السنوات الماضية، كانت إقامة مراسم تُعرف باسم "تشييع الشهداء المجهولين" في مختلف أنحاء البلاد جزءًا من جهود النظام الإيراني لدعوة الناس للحضور في الشوارع وإظهار الدعم الشعبي للنظام الحاكم.
وفي أحدث مثال، أشار رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، عبر رسالة، في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، إلى ما وصفه بـ "الحضور غير المسبوق وغير القابل للوصف للشعب الموالي للنظام في مراسم الاستقبال والوداع والتشييع"، وربط حضور الناس في هذه المراسم السياسية بالامتثال لقيادة النظام.
ويشير مصطلح "الشهيد المجهول"، في خطاب مسؤولي النظام الإيراني، إلى الجثث التي تُدفن دون تحديد هويتها، وتظل في القبور على هذا النحو لاحقًا.
طبيعة الجثث المجهولة
بالنظر إلى مرور أكثر من 36 عامًا على نهاية حرب إيران والعراق، فإن طبيعة ما يتم تشييعه تحت اسم هؤلاء القتلى غير واضحة. فقد أظهرت بعض الصور والتقارير في السنوات الماضية أن ما تحتويه هذه التوابيت غالبًا يكون مجرد بعض قطع العظام.
قال الرئيس السابق لمركز أبحاث التكنولوجيا البيولوجية الحديثة محمود تولائي، في عام 2022، إن "العديد من الجثث بقيت لفترات طويلة في ظروف بيئية غير مناسبة؛ مما قد يجعل بعضها غير صالح للاختبارات، وفي بعض الحالات يعجز عن التعرف عليها".
التأثير النفسي لتكريم الموت على المجتمع
قالت صبا آلاله، محللة نفسية اجتماعية، لـ "إيران إنترناشيونال"، إن "النظام الإيراني طوال هذه السنوات لم يكتفِ بتكريم الموت، بل قام بتضخيمه، وإظهاره كمقدس وبطولي، وذلك للسيطرة على العقل الجمعي للمجتمع".
وأضافت: "يهدف النظام من خلال صور الشهداء والتشييعات المهيبة والروابط العاطفية إلى تحويل الموت إلى قيمة، تعكس الهيكل السياسي وتبرز أن الاستشهاد من أجل النظام علامة على الشرف والتضحية والولاء".
وأوضحت أن الأنظمة الاستبدادية، مثل النظام الإيراني تحتاج دائمًا إلى هذه العروض لإظهار شرعيتها، التي بدأت بالدم واستمرت عبر الدم على مدى هذه السنوات.
وأكدت أن النظام يريد من خلال هذه المراسم خلق شعور بـ "المديونية والذنب والخجل" لدى الناس، وجعلهم يشعرون بأنه إذا اعترضوا فهم يسيئون للشهداء، وهو نوع من السيطرة العاطفية والنفسية لضمان الطاعة.
أهداف النظام الإيراني من هذه المراسم
أشارت آلاله إلى أن أحد أهم أهداف هذه المراسم هو عرض السلطة الرمزية للنظام وتعزيزها باستمرار.
وقالت إن هذه المراسم تساعد في إعادة بناء المعايير الأخلاقية والسلوكية التي كانت قائمة منذ الثورة في 1979.
وأوضحت أن أي معارضة لهذه المراسم يتم تحويلهامن قِبل النظام إلى عدم احترام للتضحيات، ما يضع المعارضين تحت ضغط اجتماعي.
بداية هذه المراسم
بدأ تشييع قتلى حرب إيران والعراق رسميًا في عام 1995 في جزيرة أبو موسى، وقد أصبحت هذه المراسم لاحقًا حركة رمزية حكومية.
ومع مرور الوقت، انتقلت هذه المراسم من المناطق العسكرية إلى المدن والمراكز الإدارية والتعليمية.
عدد القتلى المجهولين
قبل أن تبدأ المراسم الحكومية في السبعينيات، تم دفن عدد من القتلى المجهولين في مقابر إيران أثناء الحرب.
ووفقًا للإحصاءات الرسمية، تم دفن 116 شخصًا فقط باسم مجهول خلال الحرب. ولكن لا توجد إحصاءات دقيقة وموثوقة عن عدد القتلى الذين دُفنوا لاحقًا مجهولين.
وقال علي أصغر جعفري، نائب المنسق لشؤون البرلمان في "مؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس والمقاومة"، في 26 نوفمبر: "من بين نحو 50 ألف شهيد مجهول، تم التعرف على أكثر من 30 ألفًا وتسليمهم لعائلاتهم".
أماكن الدفن
وفقًا لإحصاءات المسؤولين الإيرانيين، دفن هؤلاء في أكثر من 13 ألف موقع في نحو 1300 نصب تذكاري وما يقارب 3000 مكان دفن.
وتشمل هذه المواقع أماكن حضرية، وجامعات، ومناطق عسكرية، وحوزات علمية، ومراكز بحثية وصناعية ورياضية وفنية، وقرى، ومقابر وأضرحة.
تم تخصيص أكثر من 4000 قبر للقتلى المجهولين في طهران بمقبرة "بهشت زهرا"، ويقول مسؤولو النظام إن إيران تحتل المرتبة الأولى عالميًا من حيث عدد النصب التذكارية لـ "الجندي المجهول".
تفسير وجودها في الأماكن العامة
يبرر النظام الإيراني دفن الجثث في الأماكن العامة، مثل الجامعات، بطلبات من سكان المناطق ومسؤولين محليين لسهولة الوصول إليها.
ولكن المعارضين يرون أن النظام يسعى من خلال ذلك للسيطرة على الفضاءات العامة والخاصة، وكان أحد أبرز الأمثلة على ذلك دفن القتلى المجهولين في الجامعات خلال ولاية الرئيس الإيراني الأسبق، محمود أحمدي نجاد.
وقد اعترض الطلاب على ذلك، معتبرين أنه يسهل وصول القوات الأمنية إلى البيئة الجامعية، إلا أن المراسم أُجريت رغم الاحتجاجات.
وكان الناشطون الطلابيون في ذلك الوقت يعتقدون أن الحكومة تسعى إلى تنفيذ مثل هذه الخطة لتسهيل وصول الأفراد النظاميين وقوات الأمن إلى البيئات الجامعية.
ولهذا السبب، رافق دفن الضحايا المجهولين ورموز الحرب العراقية الإيرانية في الساحات الجامعية احتجاجات طلابية في عدة حالات.
في عام 2004، بعد دفن نعشين في جامعة الشهيد رجائي، احتج بعض الطلاب، حتى أن مسؤولي الجامعة وعدوا بوقف المراسم؛ ولكن في النهاية، تم إقامة المراسم.
وفي العام نفسه، دمر طلاب جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا المبنى المركزي لقوات الباسيج في الجامعة احتجاجًا على وجود الباسيج كجزء من مؤسسة عسكرية أمنية.
بعد هذه الحادثة، وبفضل تدخل أعضاء مجلس المدينة، وأحمدي نجاد، والحرس الثوري، تحول موقع مبنى حركة الطلاب الباسيج المدمر إلى مقبرة للقتلى المجهولين في الحرب العراقية الإيرانية.
في مارس/آذار 2005، وفي الوقت الذي تم فيه نقل التوابيت الثلاثة إلى جامعة شريف للتكنولوجيا، أعلنت مجموعة من الطلاب المحتجين، وهم يرددون شعارات مثل "الجامعة ليست مكاناً للشهداء"، معارضتهم للدفن في الحرم الجامعي ودعوا إلى إجراء استفتاء حول هذه المسألة.
وتطورت هذه الاحتجاجات إلى مناوشات لفظية وجسدية بين المؤيدين والمعارضين، لكن في النهاية تم دفن الجثث في مسجد الجامعة، وأصبحت هذه الحادثة واحدة من أكثر الأمثلة المثيرة للجدل في تعامل الطلاب مع قضية الشهداء المجهولين.
بعد ثلاث سنوات، في مارس (آذار) 2006، وخلال جنازة ودفن خمس جثث في جامعة أمير كبير، احتج الطلاب على الدفن في حرم الجامعة، مرددين شعارات وممزقين لافتات تعبيرًا عن معارضتهم. هذه المرة، اندلعت اشتباكات بين المتظاهرين والجماعات الموالية للحكومة، لكن الدفن جرى كما هو مخطط له.
الجهات المسؤولة عن التخطيط والتنفيذ
حتى عام 2018، كانت لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة مسؤولة عن جميع مراحل البحث، النقل، التشييع والدفن.
وبعد ذلك العام، تم إنشاء آلية جديدة؛ حيث تولت لجنة متعددة الجهات تحديد مواقع الدفن وتنظيم التشييع والدفن، تضم ممثلين عن منظمة التراث الثقافي، مؤسسة الشهداء، وزارة الداخلية، هيئة الأركان العامة، مؤسسة حفظ آثار الحرب، وعدة جهات أخرى.
وغالبًا ما تُقام هذه المراسم خلال "أيام فاطمية"، لكن يمكن أن تُقام أيضًا في المناسبات الدينية والحكومية.