أثارّت الميزة الجديدة في منصة "إكس" المتعلقة بعرض موقع إنشاء الحسابات وطرق تسجيل الدخول إليها، ردود فعل واسعة في إيران. ويقول بعض المستخدمين، استنادًا إلى البيانات الجديدة، إن مسؤولي النظام يتمتعون بإنترنت غير مُفلتر، في الوقت الذي يُصرّون فيه على فرض الفلترة على المواطنين.
وقد طرحت "إكس" مؤخرًا ميزة جديدة تُبيّن عنوان الـ"IP" الذي أُنشئ منه الحساب، والدولة التي يتصل منها المستخدم حاليًا، وكذلك الطريقة التي يستخدمها للدخول إلى حسابه.
ولكن في إيران، فإن منصة "إكس"، مثل كثير من شبكات التواصل الأخرى، خاضعة منذ سنوات للفلترة، التي يفرضها النظام، ولا يستطيع المستخدمون الوصول إليها إلا عبر "VPN" أو أدوات تجاوز الحجب الأخرى.
ولهذا السبب، لا يظهر مكان الاتصال داخل إيران في الميزة الجديدة لدى معظم المستخدمين، لأنهم يدخلون إلى المنصة عبر اتصالات غير مباشرة ومن خوادم خارج البلاد.
وما أثار حساسية الرأي العام الإيراني هو أن حسابات عدد من المسؤولين الحكوميين والنشطاء السياسيين والإعلاميين المقرّبين من النظام لا تزال تُظهر أن موقع الاتصال ومكان الحساب هو إيران.
ويقول المنتقدون إن هذا يدلّ على أنهم يستخدمون إنترنت بلا قيود، يُعرف باسم "الإنترنت الطبقي" أو "الشرائح البيضاء"، وهي شرائح غير خاضعة للفلترة.
غضب شديد من امتيازات الإنترنت للمستخدمين الحكوميين
كتب مستخدم باسم "حامد" على "إكس": "حين رأيت هذا الظلم في الإنترنت الخاص بذوي الشرائح البيضاء، تذكّرت رواية مزرعة الحيوان: الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها".
وكتب مستخدم آخر باسم "محمد" منتقدًا أحد المروجين للنظام: "من أشدّ مؤيدي الفلترة، لكنه يمتلك شريحة بيضاء (إنترنت طبقي). من حق الناس أن يكرهوكم".
وتناول أحد المواطنين البيانات المتعلقة بحساب أمير حسین ثابتي، عضو البرلمان الإيراني وأحد أشد المدافعين عن الحجاب الإجباري والفلترة، وقال بسخرية عن استخدامه هاتف آيفون: "هاتف أميركي، تطبيق أميركي، إنترنت أبيض.. ونصيحته للشعب: اقتصاد مقاوم".
وكتب مستخدم آخر في "إكس": "هذه الأيام لم تعد الحقيقة تُخفى؛ فهي تخرج من بين تفاصيل المواقع لتفضح من يتنفسون في ظل الشريحة البيضاء، ومن يُخنقون داخل قفص الفلترة".
وأضاف: "هؤلاء أصحاب الامتياز يظهرون بوجه هادئ قائلين: كان ذلك ضروريًا، احتجناه للعمل، ولأجل الأمن. لكن الحقيقة أن هذه الضرورة رائحة ريع، وهذا الأمن جدار أعلى حول الناس".
ويقول المنتقدون إن "الشريحة البيضاء" تُقدّمها وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري للعاملين المرتبطين بالنظام، حتى يستخدموا الإنترنت بلا قيود لصالح النظام الإيراني.
ومِن ثمّ، حتى عند حصول قطع أو اضطراب واسع في الإنترنت، تظل هذه الشرائح متصلة بشبكة غير مُفلترة، ولا تواجه أي قيود، بخلاف الشرائح العادية.
وبعد تصاعد الانتقادات، أكّد الناشط الإعلامي المقرّب من النظام، أمیر تنها: "الكثير من الأصدقاء منذ بداية الحرب (بين إسرائيل وإيران) فُعّلت لهم خطوط بيضاء، عن قصد أو بدون قصد، وهي مستمرة".
الإنترنت الطبقي في إيران.. ظاهرة جديدة أم امتياز قديم؟
قال الصحافي المقيم في ألمانيا، مسعود كاظمي، لـ "إيران إنترناشيونال"، إن موضوع "الإنترنت غير المُفلتر" كان موجودًا منذ منتصف عام 2017 على الأقل، بالتزامن مع تولّي محمد جواد آذري جهرمي وزارة الاتصالات في حكومة الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني.
وأضاف كاظمي: "في تلك الفترة، حصل المقرّبون من الأجهزة الأمنية وبعض الناشطين السياسيين والصحافيين الموثوقين لدى جهرمي على هذا الامتياز، لكن مع اندلاع حرب الـ 12 يومًا يبدو أن الأمر أصبح أكثر تنظيمًا، وأن النظام منح هذا الريع لعدد أكبر من الأشخاص الذين يثق بهم".
وأوضح أن الهدف، وفق الأدلة المتوفرة، كان بناء "سردية كبرى حول قومية مرغوبة لدى النظام وإظهار وحدة وطنية."
تساؤلات حول دقة ميزة "إكس" الجديدة
يرى البعض أن ميزة تحديد موقع المستخدم في منصة "إكس" ليست موثوقة بالكامل، وأن أخطاء أو تناقضات تظهر أحيانًا في تحديد الموقع.
وذكّرت صفحة "الإنترنت الحر للجميع" أنه إذا استخدم المستخدمون بروتوكولات مثل Warp"" أو "Mask" أو لجأوا إلى "الكونفيغ (مصطلح يُستخدم غالبًا في مجال تقنية المعلومات للإشارة إلى ملفات التكوين التي تخزن إعدادات مثل إعدادات النظام أو اللغة أو الشبكة) الخالي من الخادم" لتجاوز حجب "إكس"، فقد تظهر إيران في قسم "حول حسابك".
وأضافت الصفحة أن السبب هو أن عنوان الـ"IP" في تلك الحالات يظهر كأنه من إيران، أو أن العنوان الأصلي يُسجّل في حالة الاتصال الخالي من الخادم.
وجاء في التوضيح: "هذا لا يعني بالضرورة أن لديك إنترنت أبيض أو طبقيًا، لكنه قد يكون أحد عوامل تقييم الحساب، إلى جانب سلوك المستخدم، وتاريخ نشاطه، والألوان السياسية التي غيّرها في اللحظات الحساسة، وعدد تغييرات اسم المستخدم."
كما أشارت مستخدمة باسم "إلهه" إلى أن جزء Account based in "قابل للتغيير من قبل المستخدم، لذا لا يمكن الوثوق به كثيرًا".
وذكرت صحيفة "ذا فيرج" الأميركية أن شكاوى عديدة ظهرت حول عدم دقة هذه الميزة.
ووفق التقرير، فإن أسباب عدم الدقة متعددة؛ المستخدمون الذي يسافرون كثيرًا أو المؤسسات الإعلامية التي يعمل موظفوها في بلدان مختلفة قد يظهرون في مواقع غير حقيقية بشكل مؤقت.
كما أن استخدام "VPN" أو عناوين IP"" قديمة قد يؤدي أيضًا إلى خطأ في تحديد الموقع.
وأكّد رئيس قسم المنتجات في "إكس"، نيكيتا بير، أن الهدف من الميزة هو "زيادة الشفافية"، وأوضح أنها قد تحتوي في البداية على "بعض الأخطاء الصغيرة".
وأضاف مؤكدًا دعمه لها: "هذه خطوة مهمة للحفاظ على صحة وموثوقية ساحة النقاش العالمية. نريد توفير طرق أكثر للمستخدمين للتحقق من أصالة المحتوى الذي يرونه في إكس".
في حين تواصل واجهات المحلات في محيط سوق طهران الكبير بيع الأعشاب والفيتامينات الرخيصة، تتشكّل خلف هذا المظهر العادي سوق متنامية من المهدئات السريعة، التي تُبقي الشخص واعيًا، لكن بلا قدرة على المقاومة، وتمنعه من تذكّر ما حدث له لاحقًا.
وتُظهر تحقيقات "إيران إنترناشيونال"، عبر مراجعة المبيعات الإلكترونية، وتلك التي تتم في الشوارع داخل إيران، أنّ "أدوية الاغتصاب" باتت متاحة على نطاق واسع.
وفي ظل هذا الواقع، فإنّ غياب أي ردّ رسمي من جانب النظام الإيراني، وافتقار المجتمع لبرامج توعية عامة، مهّد الطريق لانتشار هذا السلوك الإجرامي، دون أي عائق جدّي.
ولمعرفة مدى سهولة الحصول عليها، تجوّل أحد المتعاونين مع "إيران إنترناشيونال"- متنكّرًا في هيئة مشترٍ- في شارع ناصر خسرو، السوق السوداء للدواء في طهران، وطلب من الباعة "دواء التخدير"، وهو التعبير المموه لـ "أدوية الاغتصاب".
استجاب الباعة فورًا. قال أحدهم: "هذا مناسب للنوم العميق. ارمِ هذه الحبة في الشراب. بلا طعم. لن يستيقظ طوال ساعات".
وبائع آخر عرض "قارورة" صغيرة لمحلول شفاف، وأضاف: "ثلاث قطرات تكفي لمعظم الناس. يستيقظون مشوشين. لن يتذكروا شيئًا مما حدث".
ولم يدل أي من هذه الحوارات على تردد أو همس أو سرّية؛ فالرجال كانوا يتحدثون كما لو كانوا يبيعون دواءً عاديًا.
وقال أحد خبراء السموم، الذي راجع نتائج تحقيق "إيران إنترناشيونال"، وطلب عدم كشف اسمه لدواعٍ أمنية، إنّ هذه المواد تنتمي إلى عائلات معروفة من "أدوية الاغتصاب". وأوضح أنّ هذه الحبوب تُقلّد على الأرجح مادة "فلونيترازبام"، المعروفة باسم "روفينول" أو "روفيس".
وأضاف: "هذه الأدوية تعمل على المسارات العصبية نفسها؛ فهي تقمع ردود الفعل وتُقطّع الذاكرة. قد يبدو الشخص مستيقظًا ويتصرّف بشكل طبيعي، لكنه لاحقًا لن يمتلك أي ذكرى موثوقة عمّا حدث".
وتابع أنّ هذه المواد غالبًا ما تُمزج مع المشروبات الكحولية، ما يجعلها "أشد خطورة وقد تكون قاتلة في بعض الحالات".
وأشار هذا الخبير إلى نوع آخر من هذه المواد يُدعى "غاما هيدروكسي بوتيرات (GHB)"، وهو مثبّط للجهاز العصبي المركزي، لا رائحة له وطعمه مالح قليلاً، ويمكن إخفاؤه بسهولة في الشراب.
وإلى جانب الاتجار في الشوارع، يزدهر أيضًا بيع هذه المواد عبر الإنترنت. صور لعلب الحبوب والقطرات تنتشر في إعلانات شبكات التواصل، وغالبًا ما يُقترح الدفع بالعملات الرقمية كخيار مفضل.
ويبلغ سعر قارورة صغيرة من هذا المحلول اليوم أقل من تكلفة وجبة لشخصين في مطعم.
وأثار نشر بعض التقارير في الإعلام الإيراني حول توزيع هذه الأدوية موجة صدمة وغضب على شبكات التواصل.
وكتب أحد المستخدمين على منصة "إكس": "لم يعد شيء يخرج من هذا النظام الإيراني يثير الدهشة".
وحذّر آخر: "عندما تضطر أن تراقب كأسك كل ثانية، فربما لا يوجد مكان آمن بالفعل".
وكتب مستخدم ثالث بصراحة: "المغتصبون لم يعودوا يختبئون. هذه الأدوية جعلت عملهم أسهل في وضح النهار".
وأشار بعض المستخدمين إلى حوادث سابقة. قال أحدهم: "أعرف أشخاصًا استيقظوا بعد شراب واحد فقط ولم يتذكروا شيئًا".
ووجّه آخر كلامه للبائعين قائلاً: "إلى أي حد يجب أن تكون مريضًا لتبيع شيئًا كهذا؟ إنه مقزز".
وفي أوروبا وأميركا الشمالية، تُروّج حملات واسعة للتوعية بتلك الأدوية. فبعض الأساور الاستهلاكية يمكنها، عبر تغيّر لونها، الكشف عن وجود مادة مخدرة في المشروب، وهي واحدة من الأدوات التي يستخدمها الشباب لمراقبة سلامتهم.
لكن في إيران لا يوجد أي هيكل مشابه: فليس هناك تعليم توعوي، ولا أدوات لفحص المشروبات، ولا جمع منظّم للبيانات. وهكذا تبقى الوقاية الذاتية هي الوسيلة الوحيدة.
ويقول المتخصصون إن على الشباب- خصوصًا النساء- ألا يتركوا مشروباتهم دون مراقبة، وأن يُفضّلوا إحضار مشروب مغلق معهم إلى المناسبات، وتجنّب التجمعات، التي لا يعرفون جميع الحاضرين فيها.
ويؤكّد نموذج الوقاية المتّبع في الغرب على قواعد محددة: احتفظ بمشروبك بجانبك دائمًا، استخدم زجاجات محكمة الإغلاق، لا تقبل مشروبًا مفتوحًا أو مُعدًّا مسبقًا، ابقَ مع أصدقاء موثوقين، انتبه لأي طعم أو رائحة غير مألوفة، وتخلّص فورًا من أي مشروب مشكوك فيه.
لكن في شارع ناصر خسرو، يواصل الباعة عملهم بلا أي إزعاج. الحبوب والقطرات تنتقل بين أيدي الناس يوميًا مثل أي سلعة أخرى.
في الوقت الراهن، تتوسع تجارة "أدوية الاغتصاب" في إيران؛ لا لأنها مخفية، بل لأن لا أحد يمنعها. تُبرم الصفقات في وضح النهار، في العلن، وبإيقاع ثابت يشبه العمل التجاري الاعتيادي.
وهذا يعكس واقعًا يشير إليه الكثيرون في طهران بشكل غير مباشر: استمرار هذا السوق ليس نتيجة السرية، بل بسبب غياب الرقابة والتدخل الجاد من الجهات المسؤولة.
تواجه إيران واحدًا من أخطر أعوامها المائية على الإطلاق. تُظهر البيانات الرسمية أن حجم المياه الواردة إلى السدود وصل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، فيما يعاني أكثر من نصف أحواض البلاد هبوطًا حادًا في المخزون الجوفي.
لكن الخبراء يحذّرون من أن المشكلة ليست في السماء، بل على الأرض؛ في السياسات التي دفعت البلاد نحو حافة «الإفلاس المائي»؛ من التسرّع في بناء السدود إلى الزراعة عديمة الكفاءة والإدارة المجزأة للموارد.
أمطار شحيحة وسدود شبه فارغة
وفقًا لتقرير حديث لوزارة الطاقة، بلغ حجم المياه الداخلة إلى خزانات السدود هذا العام 1.35 مليار متر مكعب فقط، وهو تراجع كبير مقارنة بالمعدلات طويلة الأجل.
كما تشير الأرقام إلى أن مجموع المياه المخزّنة في 193 سدًا كبيرًا يبلغ نحو 17.6 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 34 في المائة فقط من طاقتها الاسمية، بانخفاض 25 في المائة عن العام الماضي.
وفي طهران، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ إذ لا تحتوي السدود الأربعة الرئيسة المزوِّدة للعاصمة سوى على 12 في المائة من طاقتها، فيما يحفظ سد لار وحده 2 في المائة فقط من سعته.
والمقلق أن حجم المياه الواردة إلى سدود طهران تراجع بنسبة 43 في المائة خلال عام واحد، ما ينذر بضغط خطير على الشبكات الحضرية. وإذا استمر الوضع، فقد يشهد ملايين السكان في الصيف المقبل تقييدًا وجداول صارمة لتوزيع المياه.
الزراعة.. المتهم والضحية
تقع الزراعة في قلب الأزمة؛ فهي تستهلك أكثر من 80 في المائة من موارد إيران المتجددة، رغم أن إنتاجيتها المائية في كثير من المناطق لا تتجاوز 40 في المائة.
بمعنى أن جزءًا كبيرًا من مياه الري يُهدر بسبب التبخر والتسرّب واستخدام طرق تقليدية. وتشكّل الاستهلاكات المنزلية 6- 10 في المائة فقط من المياه، لكن الخطاب السياسي يركّز غالبًا على دعوات المواطنين لتقليل الاستخدام، بينما تكمن جذور الأزمة في مكان آخر: محاصيل شديدة الاستهلاك للماء، وسياسات "الاكتفاء الذاتي" غير الواقعية، والتخصيص غير المدروس للموارد.
وفي كثير من الأحواض، يفوق استهلاك المياه الجوفية قدرة الطبيعة على تعويضها بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات، ما أدى إلى هبوط منسوب المياه، وجفاف الآبار والعيون، وارتفاع معدلات الهبوط الأرضي، التي تصل في بعض المناطق إلى 30 سم سنويًا، وهي ظاهرة يصفها الخبراء بـ "الزلزال الصامت".
مناخ أكثر حرارة وأمطار أقل
أسهم تغيّر المناخ في تفاقم الأزمة؛ فقد ارتفع متوسط درجات الحرارة في إيران خلال العقد الأخير بنحو 1.8 درجة مئوية، ما يعني تبخر مليارات الأمتار المكعبة من المياه المخزنة في السدود والتربة.
كما تغيّر نمط الأمطار؛ إذ حلّت السيول السريعة محل الأمطار المتدرجة، التي تسهم في تغذية المياه الجوفية، فأصبحت المياه تتجه بسرعة نحو الجريان السطحي بدلاً من امتصاصها في الأرض.
من إدارة الأزمة إلى أزمة الإدارة
يرى الخبراء أن جذور المشكلة تكمن في الحوكمة المائية، لا في الجفاف وحده؛ فغياب التنسيق بين وزارة الطاقة ووزارة الجهاد الزراعي ومنظمة البيئة، إلى جانب نقص الشفافية وسوء التخطيط، جعل إدارة المياه غير فعالة.
إحدى الأمثلة كانت في يوليو (تموز) الماضي، حين أُغلقت طهران وعدة محافظات مؤقتًا لتقليل استهلاك المياه والكهرباء. كان القرار مسكنًا لحظيًا، لكنه كشف غياب سياسة طويلة الأمد.
كيف يمكن الخروج من الأزمة؟
يقترح المتخصصون ثلاث خطوات عاجلة، تتمثل في: - إصلاح نمط الزراعة: عبر التحول إلى محاصيل قليلة الاستهلاك، وتعميم الري بالتنقيط والضغط، وإعادة تقييم سياسة "الاكتفاء الذاتي الغذائي"، وفق قدرات البلاد المائية
- تجديد شبكات المياه المتهالكة: إذ تُهدر بعض المناطق أكثر من 30 في المائة من المياه المعالجة قبل وصولها للمنازل.
- تبني حوكمة شفافة تعتمد على البيانات: من خلال إتاحة المعلومات للعامة، وإشراك المجتمع المحلي، وتعزيز المساءلة المؤسساتية.
اختبار للثقة والبقاء
تعد أزمة المياه في إيران اختبارًا لفاعلية الدولة ورصيدها الاجتماعي. وإذا تأخرت الإصلاحات، فقد تتحول "الندرة" العام المقبل إلى عطش حقيقي يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
فالإفلاس المائي لا يعني فقط سدودًا فارغة؛ بل إنه مؤشر على تصدّع العلاقة بين الطبيعة والدولة والمجتمع، وهو تصدع إذا لم يُعالج، فسيدفع ثمنه الجميع من تراجع الثقة، وتآكل الأمن، ومخاطر تتجاوز حدود الجفاف بكثير.
لم تعد أوروبا وسيطًا، بل تحوّلت إلى شريك للولايات المتحدة في "هندسة الضغط" على النظام الإيراني، ومن المحتمل أن تدخل علاقات طهران والدول الأوروبية بعد "تفعيل الزناد" مرحلة أكثر عداءً ووضوحًا.
وقد أدّى تفعيل "آلية الزناد" مجددًا، في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى إزالة آخر العناصر المتبقية من الاتفاق النووي لعام 2015.
والزناد، بما يتجاوز كونه إجراءً تقنيًا، يرسّخ تحولاً استراتيجيًا كان قد بدأ سابقًا في أوروبا.
فمنذ عام 2006، لعبت دول "الترويكا" الأوروبية الثلاث: بريطانيا وفرنسا وألمانيا (E3) دور "المسهّل" وعمليًا "الداعم" للعقوبات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، أكثر من لعبها دور الوسيط الحقيقي. لكن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 وتعميق التعاون العسكري بين طهران وموسكو، لم تعد أوروبا تكتفي بلعب دور العازل لِضغوط واشنطن. فهي تتحول الآن إلى شريك كامل- بل ومهندس منسجم مع واشنطن- في استراتيجيات الغرب لاحتواء إيران.
وسيعتمد مستقبل هذه العلاقة على ثلاثة مجالات مترابطة: 1- العدسة الأمنية التي تنظر أوروبا من خلالها الآن إلى النظام الإيراني. 2- القيود الاقتصادية التي ترسم هامش حركة الطرفين. 3- الديناميكيات العسكرية الإقليمية التي قد تدفع أوروبا إلى اتخاذ خيارات أصعب مما كانت عليه في الماضي.
دبلوماسية احتجاز الرهائن
أصبحت المخاوف الأمنية الآن محور سياسة أوروبا تجاه إيران. فاستمرار "دبلوماسية احتجاز الرهائن"، التي ينتهجها النظام، والمتمثلة في اعتقال واحتجاز المواطنين الأجانب لفترات طويلة بهدف الاستفادة السياسية، جعل المواقف أكثر تشددًا في العواصم الأوروبية.
وتُعد قضية سيسيل كولر وجاك باریس، المواطنين الفرنسيين اللذين احتُجزا لأكثر من ثلاث سنوات بتهمة التجسس قبل إطلاق سراحهما في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري ضمن عملية تبادل، مثال بارز على هذا الوضع.
واليوم، لا يزال الاثنان داخل السفارة الفرنسية في طهران، في انتظار معرفة ما إذا كان بإمكانهما العودة إلى بلادهما بعد محاكمة يناير (كانون الثاني) 2026 الخاصة بالمواطنة الإيرانية، مهدية أسفندياري، التي وجدت هي الأخرى نفسها محاصرة داخل سفارة طهران في باريس.
ولقد كشفت هذه القضية عن نمط تراه أوروبا اليوم "دبلوماسية قسرية"، وليس أحداثًا فردية.
وفي بريطانيا أيضًا، أدى اعتقال لينزي وكريغ فورمن، منذ يناير الماضي، على يد استخبارات الحرس الثوري، وإضرابهما عن الطعام، إلى موجة مشابهة من الغضب التي قضت على ما تبقى من حُسن النية.
العمليات المحبطة
زاد تزايد الأدلة حول النشاطات السرية للنظام الإيراني في أوروبا من حدة التوتر.
فالأجهزة الأمنية في فرنسا وألمانيا وبريطانيا ودول أخرى أحبطت خططًا كان عملاء النظام الإيراني أو الشبكات الإجرامية المرتبطة به يُكلفون فيها برصد أو استهداف معارضين أو صحافيين أو حتى مسؤولين حكوميين.
وجاء في بيان مشترك صادر عن 14 دولة غربية في يوليو (تموز) الماضي، أن أكثر من عشرين عملية قد تم إحباطها في بريطانيا وحدها منذ عام 2022.
وترى طهران أن هذه الاتهامات "ملفقة"، لكن النتيجة واضحة: أوروبا تمنح الأولوية الآن للردع، وتعزز التنسيق الأمني، وتستعد لفترة طويلة من الدبلوماسية الدفاعية؛ وهي فترة قد تشمل أيضًا عمليات طرد إضافية لدبلوماسيي النظام الإيراني.
تراجع التجارة
لا يقدم المجال الاقتصادي هو الآخر أفقًا واضحًا لتخفيف التوتر. فقرار أوروبا بإعادة فرض العقوبات عبر "آلية الزناد" قطع فعليًا وصول إيران إلى التكنولوجيا والاستثمار والأسواق الأوروبية في وقت يعاني فيه الاقتصاد الداخلي ضغطًا شديدًا.
وبلغ إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي وإيران في عام 2024 نحو 4.5 مليار يورو، منها 800 مليون يورو واردات و3.7 مليار يورو صادرات. ويُتوقع الآن أن تبتعد الشركات الأوروبية، التي كانت أصلاً قلقة من العقوبات الثانوية الأميركية، بشكل أكبر عن السوق الإيرانية.
ومع ذلك، هناك غموض دائم: فأوروبا تعلم أن أي انفراجة دبلوماسية بين واشنطن وطهران قد تتطلب العودة السريعة إلى نوع من التفاعل الانتقائي، وخصوصًا في قطاع الطاقة.
الملف النووي
تظهر هذه التناقضات اليوم في فيينا. فقبل اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من 19 إلى 21 نوفمبر، أعدت الدول الأوروبية الثلاث مسودة قرار تدعو إيران إلى وقف التخصيب وإعادة المعالجة، استنادًا إلى تقارير المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، بشأن النشاطات غير المعلنة.
ويعتبر النظام الإيراني هذا الإجراء "غير قانوني"، قائلاً إنه بعد انتهاء مفعول القرار 2231 في أكتوبر الماضي لم يعد لهذه المطالب أي معنى.
لكن أوروبا تجد نفسها الآن عالقة بين دورين: من جهة، شريك للولايات المتحدة في فرض العقوبات، ومن جهة أخرى، مدافع عن نظام الرقابة متعدد الأطراف.
دور روسيا
في حين يعيد تفعيل "آلية الزناد" فرض القيود على برنامج الصواريخ الإيراني، ازدادت قدرات طهران على التعاون مع روسيا.
فمنذ عام 2022، وفرت إيران لروسيا طائرات مُسيّرة وذخائر في حربها في أوكرانيا، وفي الوقت ذاته، عززت تعاونها مع موسكو في مجالات التكنولوجيا والدفاع والطاقة النووية. وتم توقيع "اتفاقية التعاون الاستراتيجي لمدة 20 عامًا" في يناير 2025، وجرى التصديق عليها في مايو (أيار) الماضي.
ويجعل استعداد روسيا لمنح إيران التسهيلات داخل مجلس الأمن مسار الضغط الأوروبي عبر القنوات متعددة الأطراف أكثر تعقيدًا.
ظل الحرب
إن أي مواجهة كبرى بين إيران وإسرائيل، سواء مباشرة أو عبر الوكلاء، ستكون لها تداعيات فورية على أمن أوروبا وإمدادات الطاقة وسياساتها الداخلية.
وقد ترد أوروبا عبر زيادة إرسال الأسلحة إلى إسرائيل أو فرض عقوبات أوسع على إيران. لكن الانقسامات الداخلية، خاصة بشأن سلوك إسرائيل في غزة، قد تضعف وحدة الموقف الأوروبي.
كما يبقى اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في مجال المعلومات والردع والدبلوماسية عقبة أمام "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي.
الخلاصة
ستحدد الأشهر المقبلة ما إذا كان مسار خفض التوتر لا يزال ممكنًا أم لا. وسيكون قرار الوكالة في فيينا، وسلوك إيران النووي، ومسار التعاون الإيراني- الروسي مؤشرات أساسية.
وإذا لم يتحقق انفراج دبلوماسي ذو مغزى، فسيكون المسار الأكثر ترجيحًا هو تصاعد العداء وتعمّق اصطفاف أوروبا مع الولايات المتحدة في سياسة احتواء إيران. ويبقى السؤال: هل ستستطيع الدبلوماسية التفوق على أجواء الضغط والقسر وسط مشهد جيوسياسي ممزق؟
شكّلت أحداث نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 "الدامية" نقطة تحوّل في تاريخ الاحتجاجات الشعبية في إيران؛ حيث وصل فيها صدام النظام مع الشعب إلى نقطةً اللا عودة.
وفي هذه الاحتجاجات، أقدم قادة النظام الإيراني، من أجل بقائهم، على قطع الإنترنت وقتل المواطنين في عشرات المدن، وقمع المتظاهرين بدموية.
ومع القتل الحكومي والتعامل العنيف والدموي تجاه المتظاهرين، إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنووية والبيئية المتعددة، ومع تجاوز المواطنين لرهبة النظام، ربطت الحركات الاجتماعية في إيران بعضها ببعض، وتحولت إلى حركة ثورية.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الإطاحة بالنظام مطلبًا لغالبية كبيرة من الشعب الإيراني.
أوسع الاحتجاجات
كانت احتجاجات نوفمبر 2019 من أوسع الاحتجاجات في إيران منذ قيام النظام الإيراني، ومن حيث الامتداد الجغرافي هي الأوسع خلال عقد.
وفي العقدين، اللذين سبقا نوفمبر 2019، كانت معظم الاحتجاجات محصورة في مدينة أو بضع مدن. ففي عقد 1990، اقتصرت احتجاجات الطلاب بعد حادثة حي جامعة طهران على طهران وتبريز، وبقيت الاحتجاجات الشعبية في مشهد وإسلامشهر وقزوين محصورة في تلك المدن. حتى في الحركة الخضراء، رغم المشاركة المليونية في أحداث مثل تظاهرات 15 يونيو (حزيران) 2009، كان نطاق الاحتجاجات مركّزًا بشكل رئيس في طهران وعدد من المدن الكبرى.
وفي احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2018، وبحسب المسؤولين الحكوميين، نزل الناس إلى الشوارع في "160 مدينة كبيرة وصغيرة". لكن في نوفمبر 2019 أصبح نطاق الاحتجاجات أوسع؛ فقد سُجّلت التظاهرات في "أكثر من 200 مدينة"، وشهدت 29 محافظة في البلاد انتفاضاتٍ في الشوارع.
تجاوز المواطنين رهبة النظام
يمثل الفاصل الزمني بين احتجاجات نوفمبر 2019 واحتجاجات يناير 2018 تجاوز الشعب الإيراني لرهبة النظام.
وتُعد صناعة الخوف والرهبة من أعمدة آلة القمع لدى النظام الإيراني. ففي الاحتجاجات السابقة، كان النظام يفرض، عبر مزيج من القمع العنيف والدعاية الواسعة، جوًا من الخوف يجعل تكرار الاحتجاجات أمرًا مستحيلًا لعدة سنوات.
وقد تكرر هذا النمط في يناير 2018، لكن بعد 22 شهرًا فقط، أظهرت انتفاضة نوفمبر 2019 أن المجتمع الإيراني تجاوز هذه الدورة من الخوف المصطنع، ولم يعد لها التأثير السابق.
نهوض الحركة الطلابية من رماد القمع
إن دعم الطلاب في عدة جامعات للاحتجاجات الشعبية في نوفمبر 2019 أفشل مشروع النظام لاحتواء الحركة الطلابية وقمعها.
وكانت احتجاجات الطلاب في 17 و18 نوفمبر بجامعة طهران واسعة، لدرجة أن قوات القمع دخلت الجامعة واعتقلت أكثر من 50 طالبًا.
ومع ذلك، وبعد أسابيع قليلة، ومع إسقاط الطائرة الأوكرانية بصواريخ الحرس الثوري، شهدت أكثر من 20 جامعة كبرى في طهران ومدن أخرى احتجاجات طلابية.
فشل مشروع نزع الطابع السياسي
كان أحد المشاريع المحورية للنظام الإيراني، خاصة بعد احتجاجات 2009، هو الترويج لـ "نزع الطابع السياسي" عن المجتمع. وتحركت حكومتا الرئيسين الأسبقين، محمود أحمدي نجاد وحسن روحاني، في الاتجاه نفسه.
وكان هدف هذا المشروع تحويل المجتمع إلى مجتمع غير سياسي وخامل، وتحويل الاحتجاجات إلى حركات "محدودة ومسموح بها"، وتقليص مطالب الناس إلى مطالب ضيقة يمكن إدارتها في إطار المجموعات والفصائل الحكومية.
ولكن احتجاجات يناير 2018، ولاحقًا نوفمبر 2019، كشفت عن فشل هذا المشروع. فقد واجه النظام مجتمعًا شديد التسييس والوعي والاحتجاج، ومطالبه لم تعد تغييراتٍ محدودة.
استعراض قوة الشعب
اعتقد النظام الإيراني، بعد قمع الاحتجاجات الشعبية، في أوائل عقد 2010، أنه لم يعد بحاجة للاعتراف بـ "دور الشعب"، حتى بصورة شكلية. ولذلك امتنع عن تقديم أي تنازل للمجتمع.
ولكن انتفاضة نوفمبر 2019 كانت استعراضًا لـ "قوة الشعب"، لدرجة أنه بعد مرور ست سنوات لم يجرؤ أي مسؤول في النظام الإيراني على رفع أسعار البنزين.
دور النساء والشباب
كان النساء والشباب، الذين تحملوا أكبر قدر من القمع والتمييز في عهد النظام الإيراني، من اللاعبين الرئيسين في احتجاجات نوفمبر 2019.
ورغم أن هذه الاحتجاجات كانت ذات جذور اقتصادية، وأن شرارتها كانت "غلاء البنزين"، فإن مطالبها وشعاراتها اكتسبت بسرعة بُعدًا سياسيًا واجتماعيًا، ولعب النساء والشباب دورًا أساسيًا فيها.
وكان النظام لا يزال يعتقد أنه يمكنه، حتى في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أن يفرض منظومته الأيديولوجية على هؤلاء الفاعلين. لكن احتجاجات نوفمبر 2019، وبعدها انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" في عام 2022، أظهرت أن غضب النساء والشباب المتراكم من سنوات القمع والتمييز قد تحوّل إلى وقودٍ لنار تحرق أسس النظام الإيراني.
قطع الإنترنت وفشل آلة القمع
بعد قطع الإنترنت في جميع أنحاء البلاد، خلال احتجاجات نوفمبر 2019، قتل النظام الإيراني ما لا يقل عن "1500 شخص" في عملية القمع الدموي.
وهاتان الخطوتان تُظهران فشل آلة القمع للنظام الإيراني، الذي ينفق سنويًا آلاف المليارات من أموال الشعب على الأجهزة الدعائية، والجيش السيبراني، والإذاعة والتلفزيون، ومئات المؤسسات والمراكز الدعائية، لكن "قطع الإنترنت" في نوفمبر 2019 أظهر أن كل هذه الأجهزة عاجزة عن فرض رواية النظام على المواطنين.
كما أن قوات الشرطة والجيش والأمن، رغم الميزانيات الضخمة، لم تكن قادرة على احتواء الاحتجاجات دون عنف، وبقمعها الدموي زادت من فقدان شرعية النظام على مستوى العالم. وكان أحد أهم نتائج احتجاجات نوفمبر 2019 هو نزع الشرعية بالكامل عن النظام الإيراني.
تحول الاحتجاجات الاجتماعية إلى حركة ثورية
حوّلت احتجاجات نوفمبر 2019 أجواء الحركات الاجتماعية في إيران إلى حركة ثورية. فتحوّل شعار "إصلاحي، أصولي، انتهى الأمر" في احتجاجات يناير 2018 إلى شعارٍ شامل "الموت للديكتاتور" والشعارات المعارضة لكامل النظام الإيراني ومسؤوليه وقادته في احتجاجات نوفمبر 2019، وهو ما كان يعبر عن رغبة عامة في إسقاط النظام الإيراني.
وحوّلت احتجاجات نوفمبر 2019 الحركات الاجتماعية والاحتجاجية في إيران إلى حركة ثورية، وحوّلت المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحدودة إلى مطالب للتغيير البنيوي، وفي نهاية المطاف الإطاحة بالنظام الإيراني.
ومع احتجاجات نوفمبر 2019، أصبح الشرخ بين النظام والشعب الإيراني واسعًا وعميقًا وغير قابل للترميم إلى الحد الذي بلغ نقطة اللاعودة.
وفي خضم هذه الأحداث، طالب المواطنون صراحة بإسقاط النظام الإيراني. واستمرار هذه الأجواء الاحتجاجية واتساعها في سبتمبر (أيلول) 2022 بعد مقتل الشابة الإيرانية، مهسا أميني، في احتجاز دورية شرطة الأخلاق، أدى إلى بروز انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" التي جعلت من الإطاحة بالنظام الإيراني والتغيير الجذري السياسي والاجتماعي والثقافي مطلبًا عامًا للشعب الإيراني.
لا يزال العدد الدقيق للقتلى، الذين سقطوا على يد عناصر الأمن والشرطة والقوى شبه الرسمية في النظام الإيراني، خلال احتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 غير واضح. فقد اعترف النظام بمقتل 225 شخصًا، بينما تحدثت تقارير وتحقيقات مستقلة عن مئات إلى ألف وخمسمائة متظاهر أو أكثر.
وقد اندلعت احتجاجات نوفمبر 2019 على خلفية ارتفاع أسعار البنزين، ومع انتشارها وقمع المحتجين بعنف من قبل النظام، عُرفت هذه الأحداث باسم "نوفمبر 2019 الدامي". ومع ذلك، لا يوجد رواية موحدة حول عدد الضحايا.
وعلى المستوى الرسمي، امتنعت السلطات الإيرانية لشهور عن إعلان أي أرقام رسمية لعدد القتلى، وحاولت لاحقًا إبراز العدد أقل مما هو عليه في الواقع.
محاولات للتنصل من المسؤولية وتصغير حجم القمع في أبريل (نيسان) 2021، قال عضو البرلمان آنذاك والرئيس الإيراني الحالي، مسعود بزشکیان، في مقابلة مع صحيفة "همدلي" حول سبب عدم متابعة عدد القتلى: "أولئك الذين أعلنوا هذه الأرقام ذهبوا إلى السجن. أنا لم أعلن لأتفادى السجن؛ وأنتم أيضًا إذا أردتم القيام بذلك فستذهبون إلى السجن".
كما أكد عبد الرزاق رحماني فضلي، وزير الداخلية في حكومة الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، في 31 مايو (أيار) 2020 مقتل نحو 225 شخصًا، وبشأن إطلاق النار على رؤوس المتظاهرين، قال- ببرود أعصاب: "حسنًا، لم نطلق النار فقط على الرؤوس، بل أيضًا على الأرجل".
وفي اليوم التالي، أعلن رئيس لجنة الأمن القومي في الدورة العاشرة للبرلمان الإيراني، مجتبي ذو النور، أن عدد قتلى احتجاجات نوفمبر 2019 كان 230 شخصًا، وقال: "الإعلام الأجنبي أعلن أرقامًا كاذبة حتى وصل إلى 10 آلاف قتيل، لكن العدد الإجمالي كان 230، بينهم ستة عناصر أمنية".
وقال النائب السابق في البرلمان الإيراني، مصطفى كواكبيان، في 20 يناير (كانون الثاني) 2020، إن السلطات أبلغت أعضاء هذه اللجنة بأن عدد القتلى في احتجاجات نوفمبر كان 170 شخصًا، لكنه لم يحدد أي جهة جمعت هذه الأرقام وأبلغت بها؛ وهو الرقم الذي نُشر قبل أيام في مجلة "باسدار إسلام" في مدينة قم.
ويرى كثير من المراقبين أن الجزء الأكبر من القمع وقع بعد خطاب المرشد الإيراني، علي خامنئي في 17 نوفمبر 2019؛ حيث وصف المحتجين بأنهم "أشرار" وفتح فعليًا الطريق للقمع العنيف.
صورة أوسع لأبعاد المجزرة في المقابل، كشفت تقارير نشطاء حقوق الإنسان والهيئات والإعلام المستقل عن أرقام تفوق بكثير الروايات الرسمية، مما يعكس حجم القمع الدموي الواسع، الذي تعرض له المتظاهرون.
وأعلنت منظمة العفو الدولية عام 2020، في تقريرٍ لها، أنها استطاعت توثيق مقتل ما لا يقلّ عن 304 متظاهرين بين 16 و19 نوفمبر 2019، وقامت في نوفمبر 2021 بتحديث هذه القائمة إلى أكثر من 324 شخصًا.
ونشر موقع "كلمة"، في 2 يناير 2020، تقريرًا استنادًا إلى الأرقام الواردة في "نشرات سرية مصنّفة بحسب المحافظات في مختلف أنحاء البلاد"، وذكر فيه أن عدد قتلى احتجاجات نوفمبر بلغ 631 شخصًا.
وفي سياقٍ متصل، أفادت وكالة "رويترز"، في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2019، استنادًا إلى ثلاثة مسؤولين في وزارة الداخلية ومصدر مقرّب من مكتب المرشد الإيراني، بأن العدد التقريبي للضحايا يصل إلى نحو 1500 قتيل؛ وهي رواية جُمِع فيها المتظاهرون والمارّة والنساء والمراهقون وجزء من عناصر الأمن معًا.
كما أعلنت منظمة حقوق الإنسان في إيران، في 20 ديسمبر 2019، أن ما لا يقلّ عن 324 مواطنًا قُتلوا خلال تلك الاحتجاجات.
ونشر موقع "هرانا"، في 3 ديسمبر 2019، تقريرًا بعنوان "موجز عن احتجاجات نوفمبر الدامية 2019"، قال فيه إن مركز الإحصاء التابع له وضع ثلاث طبقات من البيانات لعدد الضحايا، وأن التقديرات العامة للهيئات ووسائل الإعلام غير الحكومية تشير إلى أكثر من 430 قتيلاً.
وهذا التباين الكبير بين الأرقام المتعلقة بعدد قتلى احتجاجات نوفمبر 2019 هو نتيجة غياب إمكانية إجراء تحقيقٍ مستقل داخل إيران في ظلّ الرقابة المنهجية، التي يفرضها نظام خامنئي، فضلاً على اختلاف طرق جمع البيانات.
الارتفاع الحاد في الوفيات وفق سجلات الأحوال المدنية من جهة أخرى، وعلى الرغم من غياب الإحصاءات الرسمية الشفافة، فقد قدّمت بيانات الأحوال المدنية في البلاد مؤشرًا مهمًا لفهم حجم المجزرة.
ونشرت منظمة الأحوال المدنية عام 2021 الإحصاءات الشهرية للوفيات في خريف 2019؛ وهي بيانات أظهرت تسجيل أكثر من سبعة آلاف وخمسمائة حالة وفاة إضافية في شهر نوفمبر من ذلك العام، مقارنة بمتوسط السنوات السابقة.
ففي نوفمبر 2019 وحده، سُجِّل في نظام الأحوال المدنية ما لا يقلّ عن 38 ألفًا و517 حالة وفاة؛ أي أكثر بأربعة آلاف حالة من أكتوبر (تشرين الأول) الذي شبقه مباشرة، وبقرابة خمسة آلاف حالة من ديسمبر. وقد أعلن عدد كبير من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي آنذاك أن هذا الارتفاع لا يشبه أيّ نمط معروف للوفيات في السنوات السابقة أو اللاحقة.
وفي السنوات التالية، أكدت تحليلات ودراسات إحصائية هذا المشهد، مشيرةً إلى أن الزيادة الاستثنائية البالغة عدة آلاف من الوفيات في خريف 2019 لا يمكن تفسيرها بانتشار "كورونا" أو "الإنفلونزا"، ولا بحوادث السير، ولا بالأخطاء المعتادة في التسجيل؛ إذ لم يُظهر أي من هذه العوامل نمطًا تصاعديًا ينسجم مع هذه الذروة غير الطبيعية.
وهذا الارتفاع الكبير في بيانات الأحوال المدنية، عندما يُوضَع إلى جانب الروايات الميدانية عن طريقة القمع، يرسم صورة أوضح لحجم المجزرة في نوفمبر 2019.
قطع الإنترنت وتوسّع القمع إلى جانب هذا الارتفاع في الوفيات، أدّت شدة القمع في الشوارع وقطع الإنترنت بشكلٍ واسع في الأيام الأخيرة من نوفمبر 2019 إلى إخراج جزء مهم من الواقع عن نطاق التوثيق المستقل.
فمع بدء الاحتجاجات واتّساعها في عشرات المدن ومئات النقاط، قُطع الإنترنت المحمول والمنزلي تمامًا لعدة أيام؛ وهو إجراء حرم المواطنين من إمكان تصوير الأحداث، وإرسال التقارير، وإبلاغ العائلات عما يجري.
وقدمت الشهادات الميدانية وروايات المواطنين، في الأسابيع والأشهر التالية، صورة مماثلة؛ إذ جرى استخدام واسع للأسلحة العسكرية، وإطلاق الرصاص مباشرة على رؤوس ووجوه وصدور المتظاهرين، وفي بعض المناطق مثل مدينة "ماهشهر"، جرى استخدام الرشاشات الثقيلة ضد متظاهرين احتموا بالمستنقعات على أطراف المدينة.
وأكد مسؤولون محليون بالمدينة، في مقابلات لاحقة، حصول هذه المجزرة، لكن لم يُقدَّم أي رقم رسمي عنها؛ وهو النمط نفسه الذي تكرر في عدد من المدن الأخرى في إيران.
وجاء في التقارير المستقلة من "ماهشهر" أن عشرات المتظاهرين، بينهم نساء ومراهقون، استُهدفوا بالرشاشات أثناء لجوئهم إلى المستنقعات. وقدّرَت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية عدد ضحايا هذا الحادث بنحو 100 شخص.
الضغط على عائلات الضحايا إلى جانب القمع في الشوارع، شكّل الضغط المنظّم، الذي مارسته الأجهزة الأمنية والقضائية للنظام الإيراني على عائلات الضحايا، عائقًا آخر أمام توثيق الأرقام بدقة.
فقد خضعت عائلات الضحايا في الأشهر والسنوات، التي تلت نوفمبر 2019، لواحدة من أشدّ حملات الضغط والتهديد والمراقبة، بهدف إسكاتهم وثنيهم عن المطالبة بتحقيق العدالة، ومنعهم أيضًا من تسجيل أي رقم يتعارض مع الرواية الرسمية للنظام.
واستُدعي كثير من أفراد هذه العائلات للتعهّد بعدم التحدث مع وسائل الإعلام عن كيفية مقتل أبنائهم. وتعرّض آخرون لتهديدات مباشرة بأنهم إذا لم يصمتوا، فسيُصاب أفراد آخرون من الأسرة بأذى، أو "سيُقتلون".
وحين قصدت بعض العائلات المستشفيات والمراكز الطبية، واجهت جدارًا آخر من الصمت؛ فلم تُعثر على أسماء ذويها في السجلات، ولم يُسلَّم لها أي ملف طبي أو تقرير إسعاف أو نتيجة تشريح. وقيل لها إن الوثائق "سرية" أو يجب متابعتها عبر الأجهزة الأمنية.
وفي بعض الحالات، مُنع حتى تسجيل إصابات الجرحى أو نقل الجثث إلى المستشفيات رسميًا، حتى لا يبقى أي أثر عن وقت الإصابة أو نوعها أو هوية المصابين في الأنظمة الرسمية.
وهذا التعتيم جعل التحقق من سبب الوفاة وطريقتها شبه مستحيل بالنسبة للجهات المستقلة.
وإضافةً إلى التهديدات، واجه كثير من العائلات ظاهرة أخرى؛ فقد سُلّمت جثامين بعض الضحايا للعائلات تحت الضغط والإلحاح، وفي حالات كثيرة جرى الدفن ليلاً، ودون حضور ذوي المتوفين، لمنع إقامة مراسم أو تجمعات أو نشر الصور.
كما استُخدمت في شهادات الوفاة عبارات مبهمة مثل "إصابات ناجمة عن اشتباك"، "ضربة بجسم صلب" أو "توقف القلب"، لإخفاء السبب الحقيقي للوفاة، وهو الإصابة بالرصاص أو جراء إطلاق النار المباشر أو الضرب العنيف.
وفي عدد من الملفات، حاولت قوات الأمن تقديم الضحايا بوصفهم "مثيري شغب" أو "مشتبهين أمنيين"، وتصوير موتهم كأنه نتيجة "اشتباك مسلح”.
وهذه الإجراءات مجتمعة أدت إلى سدّ الطريق أمام التوثيق المستقل، وجعلت الوصول إلى الأرقام الحقيقية غير ممكن.
ونتيجةً لعدم القدرة على الوصول إلى المستشفيات والطب الشرعي والوثائق الرسمية، اضطرت المؤسسات المستقلة إلى اعتماد طرق مختلفة في تسجيل القتلى.
فغالبية منظمات حقوق الإنسان لا تنشر إلا الأسماء، التي جرى التحقق منها، عبر عدة مصادر وشهادات مستقلة؛ لذلك فإن قوائمها تمثل "الحد الأدنى الموثّق" لا "العدد الحقيقي للضحايا".
وفي المقابل، قدّمت وسائل إعلام مثل "كلمة" أو الشبكات المحلية، التي تصل إلى تقارير المحافظات أو مصادر غير رسمية، أرقامًا أعلى.
أما منظمة "هرانا"، المعنية بحقوق الإنسان في إيران، فقد قدمت ثلاثة مستويات من الأرقام: تقدير عام يفوق 430 قتيلاً، قائمة بأسماء 227 شخصًا، و88 حالة مؤكدة بشكل مستقل. هذا الاختلاف في الأساليب يفسر جزءًا مهمًا من التباين بين الأرقام.
وإلى جانب القتلى، امتدّ نطاق القمع في نوفمبر 2019 إلى آلاف الاعتقالات والأحكام القضائية القاسية؛ إذ حُكم على كثيرين بالإعدام، والسجن لمدد طويلة، والنفي، والحرمان من الحقوق الاجتماعية.
ولا يزال محمد جواد وفايي ثاني، الملاكم والسجين السياسي المعتقل بسبب مشاركته في هذه الاحتجاجات، تحت طائلة حكم الإعدام.
وهذا الواقع يذكّر بأن رسالة القمع في أحداث "أبان" (نوفمبر الدامي) لم تُوجّه فقط في الشوارع، بل امتدت إلى محاكم الثورة، وغرف التحقيق، والسجون.
لماذا لم يُعرف العدد النهائي حتى الآن؟ بعد ست سنوات من نوفمبر 2019، يبقى غياب آلية فعالة لكشف الحقيقة، سواء داخل إيران أو على المستوى الدولي، العائق الأكبر أمام تحديد العدد النهائي للضحايا.
فالنظام لم ينشر أبدًا وثائق المستشفيات، أو قوائم القتلى، أو تقارير الطب الشرعي، أو الملفات القضائية الخاصة بهم.
كما أدى قطع الإنترنت، وحذف الأدلة المصوّرة، واعتقال الشهود، وتهديد العائلات، إلى ضياع جزء كبير من الشواهد المستقلة.
وفي هذه الظروف، لا تستطيع الجهات المستقلة سوى الاعتماد على شهادات العائلات والوثائق المحلية وبيانات الأحوال المدنية؛ وهي بيانات تسمح فقط بتقديم "حد أدنى موثّق" لا "رقم نهائي"، وهو ما يفسّر بقاء التباين قائماً.
إن الفجوة بين الأرقام الرسمية، التي يعلنها النظام وبين الأرقام التي تقدّمها المصادر المستقلة ليست اختلافًا تقنيًا؛ بل هي انعكاسٌ لحجب الحقيقة بشكل ممنهج وللسياسات القمعية.
إن جمع بيانات الأحوال المدنية، والروايات الميدانية، وشهادات العائلات، وتقارير حقوق الإنسان يقدم صورة واضحة: "نوفمبر 2019" كان واحدًا من أكثر موجات القمع دموية في تاريخ النظام الإيراني، وعدد ضحاياه الحقيقي أكبر بكثير مما اعترف به النظام.
ولا تُعد مطالبة العائلات بالعدالة مجرد محاولة لتوثيق عدد القتلى، بعد ست سنوات على نوفمبر 2019، بل هي محاولة للحفاظ على حقيقة يسعى النظام الإيراني إلى محوها.
وقد واصل كثير من هذه العائلات، مثل عائلات الضحايا في العقود الماضية، المطالبة بالعدالة، رغم التهديدات المستمرة من الأجهزة الأمنية للنظام الإيراني، وحوّلوا الحداد والفجيعة إلى فعل سياسي ومدني.
وتُظهر تجارب الدول، التي انتقلت بعد فترات القمع إلى مسار العدالة الانتقالية أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يتجاوز جراحه الجماعية، دون كشف الحقيقة كاملة، وتوثيق أسماء جميع الضحايا، ومحاسبة الآمرين والمنفذين.
إن مطالبة عائلات ضحايا نوفمبر 2019 بالعدالة اليوم جزء من هذا المسار؛ مسارٍ سيشكّل مستقبلاً أساس أي آلية لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
ويظل "نوفمبر 2019" ملفًا مفتوحًا، لن يُغلق إلا بتشكيل آلية لكشف الحقيقة ونشر الوثائق الرسمية، فيما يبقى سؤاله المركزي قائمًا: "كم عدد من قتلهم النظام الإيراني في تلك الأحداث؟".