هذه الجولة تختلف عن سابقاتها بسبب المهلة التي أعطتها الترويكا الأوروبية (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا) لطهران بتفعيل آلية الزناد نهاية أغسطس (آب) الجاري، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق، مما يجعل إيران تحت تهديد عودة العقوبات الأممية، ويزيد الضغوط على النظام الذي يعاني من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة، فضلا عن الخسائر الإقليمية التي مُني بها خلال الأشهر الماضية، وقصف منشآته النووية في حرب الـ12 يوما.
الدول الأوروبية تتمسك بوقف طهران لخروقاتها للاتفاق النووي، وعودة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيش جميع المواقع النووية الإيرانية بلا استثناء، وخفض تخصيب اليورانيوم إلى 3.6 في المائة، وتقليص برنامج الصواريخ الباليستية، وضبط سياسة طهران الإقليمية.
ورغم تحركات روسيا والصين، الداعمتين لطهران، خلال الأيام الأخيرة وتقديم مقترحات جديدة للتغلب على الأزمة الراهنة، فإن تاريخ المفاوضات بين طهران والغرب يظهر استخدام النظام الإيراني للعديد من المناورات للتهرب من الوصول إلى اتفاق.
فمع وصول إدارة جو بايدن إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2021 وظهور مؤشرات على تراجع الإدارة عن سياسة الضغط الأقصى التي انتهجها ترامب ضد طهران في ولايته الأولى، انطلقت مفاوضات فيينا في أبريل (نيسان) 2021 بمشاركة إيران و"4+1" (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين)، بينما كانت مشاركة الولايات المتحدة بشكل غير مباشر عبر الاتحاد الأوروبي.
المفاوضات التي استمرت على مدار 6 جولات لم تحقق سوى تقدم يسير، سرعان ما توقف عقب وصول الرئيس الإيراني الأصولي إبراهيم رئيسي للحكم في يونيو (حزيران) من العام نفسه.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2021 عادت المحادثات في عهد حكومة رئيسي، وشهدت خلافات حول مطالب طهران بالحصول على ضمانات بعدم انسحاب واشنطن مستقبلاً، وشطب الحرس الثوري من قائمة الإرهاب.
في مارس (آذار) 2022: تم التوافق على نقاط مشتركة عديدة لكن بقيت نقاط عالقة مثل الحرس الثوري، تسلسل رفع العقوبات.
وفي يونيو (حزيران) 2022 جرت جولة من المحادثات غير المباشرة بين إيران وأميركا في الدوحة، لكن فشلت بسبب تمسك كل طرف بموقفه.
وفي أغسطس (آب) 2022 جرت مفاوضات فيينا، وقدم الاتحاد الأوروبي "النص النهائي" للاتفاق، لكن طهران طلبت تعديلات عليه، خاصة المتعلقة بالضمانات والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتوقفت المحادثات دون اتفاق بعد أن رفضت واشنطن معظم التعديلات التي طالبت بها إيران.
وبعد أن توقفت المفاوضات لفترة، عادت وساطات بعض الدول كعُمان وقطر، انتهت إلى تفاهم مؤقت لتخفيف التوتر وصفقة لتبادل سجناء في سبتمبر (أيلول) 2023، حيث تم إطلاق 5 أميركيين محتجزين في إيران، مقابل الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية، نُقلت فيما بعد إلى حسابات في قطر.
واستمر النظام الإيراني في مناوراته وتهربه من التزاماته وفق الاتفاق النووي، وقام برفع نسب تخصيب اليورانيوم، مما زاد من معدل الضغط الغربي، وبدأت إدارة بايدن في فرض عقوبات على النظام، فيما رفعت الوكالة الذرية من تحذيراتها بشأن البرنامج النووي الإيراني وغياب الشفافية عنه، خاصة مع وجود مواقع مشبوهة رفضت طهران تقديم إجابات واضحة عنها.
ورغم أن النظام كان يراهن على استمرار إدارة بايدن- التي قدمت العديد من التسهيلات له- لدورة جديدة، فإن نتائج الانتخابات الأميركية وعودة دونالد ترامب مرة أخرى إلى البيت الأبيض زاد من الضغوط الدولية على النظام خاصة مع عودة سياسة "الضغط الأقصى" الأميركية وفرض عقوبات غير مسبوقة على نظام طهران.
من جديد عاد النظام للمفاوضات خلال أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2025 في مفاوضات غير مباشرة مع واشنطن في مسقط وروما على مدار 4 جولات، لكن لم تسفر عن أي تقدم.
ومع انتهاء المهلة التي أعطاها الرئيس الأميركي لطهران نشبت حرب الـ12 يوما والتي أسفرت عن تدمير البرنامج النووي الإيراني ومقتل العديد من القادة الإيرانيين، حيث قررت طهران تعليق العمل مع الوكالة الذرية ووقف أي مفاوضات.
وردت الدول الأوروبية بإعطاء مهلة للنظام حتى نهاية أغسطس (آب) الجاري وإعادة آلية الزناد مما يتيح عودة العقوبات الأممية على إيران من جديد، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق، خاصة أن الاتفاق النووي تنتهي مدته في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
ومع انطلاق جولة جنيف وقبل أيام من انتهاء المهلة الأوروبية يظل السؤال قائما: هل سيظل النظام الإيراني متمسكا بمناوراته التي مارسها على مدار السنوات الماضية، أم سيعيد حساباته بعد الخسائر التي تلقاها سواء على المستوى الإقليمي أو في مشروعه النووي؟