الفتاة التي كانت قد بدأت لتوها مرحلة المراهقة أيام انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، أصبحت اليوم على أعتاب الشباب. وكانت هذه السنوات الأربع جزءًا من مرحلة تشكّلت خلالها نظرتها إلى المجتمع والنظام والحرية.
حرق النساء لأغطية الرأس، والهتافات الليلية من نوافذ المنازل، والاحتجاجات في المدارس والجامعات، وإسقاط العمائم ووقوف الشباب في مواجهة قوات القمع، كلها أصبحت جزءًا من ذكريات سنوات نشأة المراهقين في ذلك الوقت.
ويمكن رؤية أحد أبرز التغييرات في الشوارع. فكثير من النساء يظهرن في الشوارع والجامعات والمقاهي ومراكز التسوق ووسائل النقل العام بملابس يختَرْنها بأنفسهن، أو يقدن الدراجات الهوائية والدراجات النارية من دون الحجاب الإلزامي.
ولمواجهة هذا العصيان، لجأ النظام الإيراني إلى الاعتقالات والاستدعاءات، وإرسال الرسائل النصية، وحجز السيارات، وتجميد الحسابات المصرفية وبطاقات الاتصال، وكاميرات المراقبة وإغلاق الشركات والمتاجر بالشمع الأحمر.
وتُظهر إحصاءات منظمات حقوق الإنسان أن عشرات الآلاف من النساء تعرضن خلال السنوات الأربع الماضية لإجراءات أمنية وقضائية بسبب نوع ملابسهن.
ويُعد التخلي عن الحجاب الإجباري أحد أبرز نماذج العصيان الجماعي بعد عام 2022؛ وهو سلوك استمر في أجزاء من المجتمع رغم التكاليف الأمنية والقضائية المترتبة عليه.
وبالتزامن مع الذكرى الرابعة لمقتل مهسا، دعا ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران أيضًا إلى إضراب عام في 16 سبتمبر (أيلول) الجاري، وطالب الناس بالانضمام إليه من خلال إغلاق المتاجر والأسواق وعدم التوجه إلى أماكن العمل.
من مقتل مهسا إلى سجن المحتجين وإعدامهم
كانت مهسا جينا أميني، وهي شابة كردية تبلغ 22 عامًا من مدينة سقز، قد نُقلت إلى المستشفى في 13 سبتمبر 2022 بعد اعتقالها على يد شرطة الأخلاق في طهران، وتوفيت في 16 من الشهر ذاته.
وكُتب على شاهد قبرها: "جينا جان، لن تموتي، سيصبح اسمك رمزًا".
وكتب أمجد أميني، والدها، في 14 سبتمبر الجاري، عشية الذكرى الرابعة لمقتل ابنته، أن اسم جينا "تجاوز منزلنا الصغير"، مؤكدًا أن عائلتها لا تزال تنتظر انكشاف الحقيقة: "السر المغلق الذي تحملينه أنت وجميع الأحباء الراقدين في هذه الأرض معكم، لن يظل مخفيًا إلى الأبد".
وسرعان ما تحول اسم جينا إلى رمز للاحتجاجات التي بدأت من سقز وكردستان، ووصلت إلى طهران ثم اجتاحت أنحاء إيران. وأصبح شعار "ژن، ژیان، ئازادی" بنسخته الكردية، و"المرأة، الحياة، الحرية" بالفارسية، أشهر شعارات الانتفاضة.
كما ترددت في الشوارع شعارات "الموت للديكتاتور"، و"هذه رسالتي الأخيرة.. الهدف هو النظام بأكمله"، و"الفقر والفساد وغلاء الأسعار.. سنمضي حتى إسقاط النظام"، و"لا تسموه احتجاجًا.. لقد أصبح اسمه ثورة"، وهو ما أظهر الاتجاه السياسي للاحتجاجات.
وكان علي خامنئي والنظام الإيراني برمته هدفًا مباشرًا للعديد من الهتافات.
وكان من أهم سمات انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" انتشارها السريع عالميًا؛ إذ رافقتها موجة دعم واسعة من الفنانين والرياضيين والأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان والشخصيات السياسية في دول مختلفة، ونقلت اسم مهسا وشعار "المرأة، الحياة، الحرية" إلى خارج حدود إيران.
ورد النظام على الاحتجاجات بالقتل وإصابة المحتجين والاعتقالات الواسعة. وأعلنت منظمات حقوق الإنسان أن عدد قتلى الانتفاضة تجاوز 550 شخصًا. وأصيب عدد كبير من المحتجين، فيما أدت الأعيرة النارية وطلقات الخرطوش إلى فقدان عشرات الأشخاص البصر في إحدى العينين أو كلتيهما.
وقال رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، في مايو (أيار) 2025، إنه تم فتح أكثر من 90 ألف ملف على خلفية احتجاجات عام 2022، وكان من بين الأشخاص الذين شملتهم هذه الملفات تلاميذ وطلاب جامعات ومعلمون.
وبعد انحسار التجمعات الواسعة، استمر التعامل مع المحتجين في المحاكم. وكان الإعدام والسجن والجلد والنفي والغرامات المالية ومنع مغادرة البلاد والحرمان من الحقوق الاجتماعية من بين الأحكام التي صدرت بحق المحتجين والنشطاء المرتبطين بالانتفاضة.
وكان محسن شكاري، ومجيد رضا رهنورد، ومحمد مهدي كرمي، ومحمد حسيني، وصالح ميرهاشمي، وسعيد يعقوبي، ومجيد كاظمي، وميلاد زهرهوند، ومحمد قبادلو، ورضا رسائي، ومجاهد كوركور، ومهران بهراميان، ومهراب عبدالله زاده، وعبدالجليل شه بخش، وعارف خوشكار، من بين الذين أُعدموا في قضايا مرتبطة باحتجاجات عام 2022.
ولا يزال عشرات المحتجين الآخرين يواجهون خطر الإعدام، ومن بينهم علي زارعي دوزدرهسي؛ فقد أصيب في عينه جراء طلقات خرطوش خلال انتفاضة عام 2022، وعاد إلى إيران بعد فترة أقام خلالها في ألمانيا، حيث اعتُقل وحكمت عليه المحكمة الثورية بالإعدام.
كما حُكم على عشرات المحتجين الآخرين بالإعدام، أو لا تزال ملفاتهم قيد النظر.
كما أن كلرخ إيرائي، ونسيم سيمیاري، وحميد قره حسنلو، وفرزانة قر هحسنلو، وحسين محمدي، من بين مئات السجناء السياسيين المرتبطين بانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، الذين واجهوا خلال فترة سجنهم قيودًا، من بينها الحرمان من الاتصال الهاتفي والزيارات العائلية والإجازات.
وبالنسبة إلى بعض هؤلاء السجناء، أمضوا جزءًا كبيرًا من السنوات الأربع الماضية خلف القضبان؛ في السنوات نفسها التي شهد خلالها المجتمع خارج السجن احتجاجات وتغييرات أخرى.
جيل يقول: "لن نعود إلى الوراء"
كبر الأطفال والمراهقون في عام 2022 خلال هذه السنوات الأربع. بعضهم أصبح اليوم طالبًا جامعيًا، وبعضهم دخل سوق العمل، وبعضهم غادر إيران. والتجربة المشتركة لدى كثير منهم هي أنهم نشأوا في مجتمع شهد واحدة من أوسع الانتفاضات في تاريخ النظام الإيراني.
وفي عام 2022، تحولت المدرسة نفسها إلى إحدى ساحات الاحتجاج. وهتف الطلاب، وأنزلوا صور مسؤولي النظام الإيراني من الفصول الدراسية، وخلعت الفتيات أغطية رؤوسهن. كما شهدت الجامعات لأسابيع تجمعات واعتصامات واشتباكات مع القوات الأمنية.
وبالنسبة إلى جيل شهد هذه المشاهد خلال سنوات تشكّل هويته الاجتماعية والسياسية، ارتبطت تجربة السياسة بالشارع والمدرسة والجامعة والحياة اليومية.
وكانت الفيلسوفة السياسية الألمانية-الأميركية، حنّة أرندت، تربط الحرية بقدرة الإنسان على البدء وإيجاد شيء جديد. وفي فكرها، يتشكل الفعل السياسي بين الآخرين وفي المجال العام، وتُعد الثورات من أبرز اللحظات التي تظهر فيها إمكانية "بداية جديدة".
وبالنسبة إلى مراهقي عام 2022، حدثت مثل هذه التجربة على نطاق واسع أمام أعينهم: أشخاص ربما لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضًا، هتفوا بشعار مشترك، ودعموا بعضهم بعضًا، وانضموا إلى العمل الجماعي في المدارس والجامعات والأحياء والشوارع.
وبعد أربع سنوات، يواجه هذا الجيل مجتمعًا يستمر فيه القمع، لكن تجربة عام 2022 لم تُمحَ من ذاكرته السياسية.
ماذا أضافت "انتفاضة مهسا" إلى الاحتجاجات التي تلتها؟
لم تغيّر "انتفاضة مهسا" عام 2022 النظام الإيراني، لكنها غيّرت لغة الاحتجاج وأفقه. ودخل شعار "المرأة، الحياة، الحرية"، إلى جانب الشعارات المتعلقة بإسقاط النظام، إلى اللغة السياسية للاحتجاج في إيران.
وأصبحت النساء في قلب انتفاضة على مستوى البلاد، وتحول الطلاب إلى إحدى القوى الحاضرة في الاحتجاجات، وانتقل العصيان من أيام التجمعات في الشوارع إلى الحياة اليومية. واستمر جزء من السلوكيات التي ظهرت في تلك الأشهر خلال السنوات اللاحقة أيضًا.
وكانت المنظرة والثورية الماركسية، روزا لوكسمبورغ، ترى، بعد فشل انتفاضة يناير (كانون الثاني) 1919 في برلين، أن هزائم الحركات الثورية تمثل حلقات في سلسلة تاريخية يمكن أن تمهد الطريق لانتصارات لاحقة. وكانت تعتبر الخبرة والمعرفة المكتسبة من هذه الهزائم جزءًا من قوة الحركة الثورية.
وبدأت الاحتجاجات التي اندلعت بعد عام 2022 من النقطة التي وصلت إليها انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية". كما ظل رفض النظام الإيراني برمته والمطالبة بإسقاطه حاضرين في شعارات المحتجين خلال الاحتجاجات اللاحقة.
وكان ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير 2026 أحد أوضح الأمثلة على ذلك. فالاحتجاجات التي بدأت بالسخط الاقتصادي سرعان ما انتشرت في أنحاء البلاد، وأصبحت الشعارات السياسية المناهضة للنظام الإيراني جزءًا مهمًا منها.
وتراوحت تقديرات عدد قتلى هذه الاحتجاجات بين 3117 شخصًا، وفق الإحصاءات الرسمية للحكومة الإيرانية، وأكثر من 36 ألفًا و500 شخص وفق تقديرات إيران إنترناشيونال. كما أُصيب عشرات الآلاف واعتُقل أو استُدعي أو خضع للاستجواب نحو 100 ألف شخص.
وبالنسبة إلى جيل عاش تجربة عام 2022، كان ديسمبر 2025 ويناير 2026 ثاني مواجهة مع انتفاضة على مستوى البلاد وقمع دموي لها خلال فترة زمنية قصيرة.
جيل يحمل ذاكرة أجيال عدة
يقف المراهقون والشباب في إيران اليوم في امتداد تاريخ طويل من الاحتجاج والقمع: احتجاج النساء على الحجاب الإجباري في مارس (آذار) 1979، وإعدامات الثمانينيات، وقمع الاحتجاجات في حرم جامعة طهران في يوليو (تموز) 1999، والحركة الخضراء في عام 2009، واحتجاجات ديسمبر 2017، والاحتجاجات الدموية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.
وقد تعرّف كثير منهم إلى هذه الأحداث من خلال روايات عائلاتهم والصور والكتب والأخبار. لكن "المرأة، الحياة، الحرية" والاحتجاجات الشعبية الأخيرة تنتميان إلى تجربتهم المباشرة.
وشكّل هذا الاختلاف ذاكرتهم السياسية. فقد وُضعت صور النساء المحتجات، وفتيات المدارس، وشباب الشوارع، وعائلات الضحايا المطالبين بالعدالة، والسجناء السياسيين، إلى جانب صور القتلى والمصابين والمعدومين.
فالفتاة التي كانت قد بدأت لتوها مرحلة المراهقة في سبتمبر 2022، تدخل اليوم مرحلة الشباب وهي تحمل ذكرى "مهسا أميني" والاحتجاج والقمع والعصيان؛ وهي تجربة تقف الآن إلى جانب روايات حملتها الأجيال السابقة معها منذ مارس 1979، وثمانينيات القرن الماضي، ويوليو 1999، والحركة الخضراء، واحتجاجات نوفمبر 2019.
وبعد أربع سنوات من "انتفاضة مهسا"، لا تزال "المرأة، الحياة، الحرية" حاضرًا في ذاكرة هذا الجيل؛ في ذكريات المدرسة والشارع، وفي تجربة القمع والعصيان، وفي الصورة التي يحملها معه إلى مرحلة الشباب عن الحرية ومستقبل إيران.
وقد رأى هذا الجيل، قبل كل شيء، أن طريق التغيير السياسي في إيران يمر عبر الشارع، والحضور الجماعي، والتنظيم الفعّال.