ويصف أصحاب المقاهي ما يجري بأنه حملة جديدة تستهدف الأنشطة التجارية المرتبطة بنمط حياة حضري مختلف.
ومن بين المقاهي التي أُجبرت على الإغلاق خلال الأيام الأخيرة عدد من المقاهي الواقعة في الشوارع المركزية بطهران، وكان بعضها قد أُغلق سابقًا بزعم عدم تطبيق قواعد الحجاب الإجباري في إيران.
التعبير عن الازدراء
جاءت الموجة الأخيرة من الإغلاقات بعد دعوات علنية أطلقها خطباء وأئمة صلاة الجمعة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
وقال خطيب الجمعة بمدينة "يزد"، محمد رضا ناصري، في 17 يوليو (تموز) الجاري: «إن وضع الحجاب في المجتمع غير مقبول»، داعيًا المسؤولين والمؤسسات الثقافية إلى مواجهة ما وصفه بـ «الفساد والانحلال».
وفي مدينة "رشت" شمال إيران، أشاد خطيب الجمعة، رسول فلاحي، بالتجمعات الليلية المؤيدة للنظام، واعتبر أن مواجهة ما سماه «السفور المنظم» يجب ألا تقتصر على السلطات، بل ينبغي أن يشارك فيها المجتمع أيضًا. كما دعا الحكومة والبرلمان إلى التطبيق الكامل لقانون الحجاب في إيران.
وبعد أيام، وجد أصحاب المقاهي في وسط طهران أن محالهم قد أُغلقت بالشمع الأحمر.
كانوا يعتبروننا المختلفين
قال صاحب أحد المقاهي في شارع سنائي بطهران، الذي أُغلق في 20 يوليو الجاري، لـ "إيران إنترناشيونال": "إن ضغوطًا غير اعتيادية تراكمت خلال الأسابيع الأخيرة"، مضيفًا أن "منظمي التجمعات الليلية كانوا يرون أن مقاهي مثل مقهاه لا تنسجم مع الأجواء التي أرادوا فرضها".
ووفقًا لصاحب المقهى، زار رجال بملابس مدنية يحملون أجهزة لاسلكية وأسلحة نارية المقهى مرتين في الأيام التي سبقت تشييع المرشد الراحل، علي خامنئي، ووصفوا المقهى وموظفيه ومرتاديه بأنه «وصمة عار» و«جنود العدو».
وقال صاحب المقهى مستذكرًا حديث أحدهم: «قال إن مدينتنا تستعد لتشييع القائد، بينما أنتم هنا منشغلون بالمتعة والموسيقى والفساد».
وأضاف أنه حذر العاملين لديه من أن إغلاق المقهى بات وشيكًا.
كما قالت شابة كانت تدير صالة الطعام في مقهى آخر أُغلق في الشارع نفسه إن شائعات عن حملات تفتيش كانت قد انتشرت في اليوم السابق، إلا أن تصرفات المسؤولين كانت صادمة رغم ذلك.
وأضافت: «إن الطريقة التي اقتحموا بها المكان وتصرفوا بها كانت عدوانية ومهينة إلى درجة أن الجميع أصيب بالذهول. بعض زملائي لم يتمكنوا حتى من جمع أغراضهم الشخصية قبل إغلاق المقهى».
مشاهد الحرب روت قصة مختلفة
تقف هذه الإغلاقات في تناقض واضح مع المشاهد التي شوهدت قبل أسابيع فقط.
فخلال الحرب التي استمرت أربعين يومًا وما أعقبها، ظهرت نساء دون "الحجاب الإجباري" علنًا في التجمعات الليلية المؤيدة للنظام، وكذلك في مراسم تشييع علي خامنئي. كما أجرت وسائل الإعلام الرسمية مقابلات مع بعضهن، وظهرت صورهن في التغطيات الرسمية.
كما تبنى المداحون الدينيون خطابًا مختلفًا بصورة ملحوظة.
فقال أحد المتحدثين خلال إحدى المناسبات: «المرأة ذات الحجاب غير المحكم التي جاءت إلى الساحة هي نور أعيننا وابنة وطننا".
وقد تناقضت هذه الصورة مع سنوات من الخطاب الصادر عن أطراف داخل المؤسسة السياسية والدينية الإيرانية، والذي صوّر النساء الرافضات للحجاب الإلزامي باعتبارهن يمثلن تحديًا أيديولوجيًا للنظام الإيراني.
وبدا أن هذا الاختلاف لم يكن نتيجة تغير في الموقف الرسمي من "الحجاب الإجباري"، بقدر ما كان انعكاسًا لتغير الأولويات السياسية. ففي اللحظة التي سعت فيها السلطات إلى إظهار الوحدة الوطنية والمشاركة الشعبية الواسعة، أصبحت النساء بمختلف أنماط لباسهن جزءًا من الرواية الرسمية. ومع انقضاء تلك المرحلة، اختفى أيضًا ذلك التساهل الظاهر.
وامتد هذا النمط إلى ما هو أبعد من مسألة اللباس.
فقد عرضت وسائل الإعلام الرسمية أيضًا "مغني راب" يؤدون أغاني داعمة للنظام وللقوات المسلحة الإيرانية، رغم أن موسيقى الراب كانت لسنوات طويلة تواجه قيودًا وانتقادات رسمية.
ويعكس هذا التناقض نمطًا أوسع؛ إذ تبدو أشكال اللباس أو الموسيقى أو التعبير الثقافي المختلفة مقبولة عندما تعزز الرسالة السياسية الرسمية، لكنها تواجه القيود مجددًا عندما توجد خارج هذا الإطار.
الضغوط تمتد إلى خارج طهران
تشكل إغلاقات المقاهي في وسط طهران جزءًا من حملة أوسع تستهدف الأنشطة التجارية في مختلف أنحاء إيران.
ففي 19 مايو (أيار) الماضي، أُغلق مجمع «فندق بيت العامري» التاريخي في مدينة كاشان بسبب ما وصفته السلطات بعدم الالتزام بقواعد الحجاب الإجباري.
وفي 15 يونيو (حزيران) الماضي، أفادت وكالة «ميزان»، التابعة للسلطة القضائية، بأن المدعين العامين أمروا بإغلاق أحد مقاهي طهران وفتح قضية جنائية ضد القائمين عليه بعد تداول صور عبر الإنترنت لفعالية قالت السلطات إنها خالفت المعايير القانونية والدينية.
وامتدت الحملة إلى مناطق أخرى.
ففي 2 يوليو الجاري، أعلن المدعي العام في قضاء محافظة كهكيلويه وبوير أحمد إغلاق عشرة مقاهٍ واستراحات شاي في دهدشت بدعوى عدم الالتزام بالمعايير الدينية.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أُغلق «قصر محسني»، وهو مبنى تاريخي من الحقبة القاجارية جرى ترميمه ويعمل كفندق ومطعم في مدينة بهبهان، جنوب إيران، بسبب ما وصفه المسؤولون بانتشار الحجاب الاختياري بين بعض الزبائن وتشغيل الموسيقى.
كما أعلنت السلطات في محافظات لرستان وأردبيل وآران وبيدكل إغلاق عدد من المنشآت التجارية بسبب اتهامات شملت السفور، وعدم الالتزام بالمعايير الإسلامية، وارتكاب مخالفات أخلاقية.
روايتان متناقضتان
يقدم المسؤولون وأصحاب المقاهي تفسيرات مختلفة لأسباب هذه الإغلاقات.
فقد نفت وكالة «تسنيم» للأنباء، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، أن تكون المقاهي قد استُهدفت في إطار تطبيق قوانين الأخلاق العامة.
وأكدت الوكالة أن إغلاق تلك المنشآت جاء حصريًا بسبب مخالفات تتعلق بالتراخيص والأنشطة التجارية، وأن الإجراءات «لا علاقة لها» بالأمن الأخلاقي.
إلا أن أصحاب المقاهي يرفضون هذه الرواية.
ويقولون إنهم تلقوا تحذيرات سابقة، وزيارات من عناصر بملابس مدنية، وشهدوا مراقبة لملابس الزبائن، وضغوطًا متزايدة تتعلق بالأجواء السائدة داخل مقاهيهم.
وتتناقض رواياتهم بشكل واضح مع الرواية الرسمية، وتثير تساؤلات حول السبب الحقيقي وراء هذه الإغلاقات.
وبالنسبة لكثير من أصحاب المقاهي، فإن تبعات هذه الإجراءات تتجاوز الجوانب السياسية.
فقد كانت العديد من المقاهي تعاني أصلًا من الركود الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية، واضطرابات الإنترنت، والانخفاض الحاد في عدد الزبائن.
أما الإغلاق المفاجئ، فيعني ترك العاملين من دون رواتب، مع استمرار التزامات دفع الإيجارات والضرائب والديون، رغم عدم قدرة هذه المنشآت على مواصلة العمل.