وتجدد هذا الجدل بعدما حذر ترامب، يوم الثلاثاء الماضي، من أن الولايات المتحدة ستستهدف المنشأة المحصنة تحت الأرض، المعروفة باسم "كلنك كزلا"، إذا حاولت إيران استئناف برنامجها النووي فيها.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن الحروب الأخيرة أثبتت أن القدرات العسكرية التقليدية لم تعد توفر ردعًا كافيًا، ما يجعل الخيار النووي ضرورة متزايدة. بينما لا يدعو آخرون صراحة إلى تصنيع قنبلة نووية، لكنهم يطالبون على الأقل بانسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي ردًا على تصاعد التهديدات الأميركية.
وتتوافق هذه الآراء مع تصريحات أدلى بها الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، فريدون عباسي، المقرب من التيار المتشدد بقيادة المرشح الرئاسي السابق وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام الحالي، سعيد جليلي، قبل أشهر من مقتله في الضربات الإسرائيلية خلال "حرب الـ 12 يومًا" في يونيو (حزيران) 2025.
ففي يناير (كانون الثاني) 2025، قال عباسي إن "مخاطر عدم تصنيع قنبلة نووية والافتقار إلى ردع قوي أصبحت أكبر بكثير من كلفة امتلاكها"، محذرًا من أن ضعف الردع سيشجع على شن هجمات مباشرة ضد إيران.
كما أكد أن إيران تجاوزت منذ فترة طويلة العتبة العلمية والتقنية اللازمة لصنع سلاح نووي، معتبرًا أن العقبة المتبقية لم تعد تقنية، بل تتمثل في "اتخاذ قرار استراتيجي".
وبرأيه، فإن التهديدات الوجودية من إسرائيل وحلفائها جعلت الصواريخ والتحالفات الإقليمية غير كافية لتحقيق الردع، ما يزيد من هشاشة إيران في غياب قوة ردع نووية.
حملة على مواقع التواصل تستهدف مسؤولي التفاوض
يؤكد كثير من المستخدمين المحسوبين على التيار المتشدد، في شبكات التواصل، أن على إيران الإسراع في تصنيع قنبلة نووية، كما انتقدوا المسؤولين الذين وصفوهم بأنهم "متحمسون للتفاوض"، ومن بينهم رئيس البلاد مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، بسبب عدم إدراج الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي على جدول أعمال الحكومة.
وكتب أحد المستخدمين على منصة "إكس" باسم عيار تعليقًا على تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، بأن إيران لا تزال ملتزمة بالمعاهدة: "بعد ساعات فقط من إعلان بقائي أن إيران ما زالت عضوًا في معاهدة حظر الانتشار النووي، هدد ترامب بقصف منشأة (كلنك كزلا). لقد قتلوا قائد البلاد وآلاف الإيرانيين، وهاجموا منشآتنا النووية مرارًا. ماذا يجب أن يفعل العدو أكثر حتى ننسحب من المعاهدة؟ هل أنتم نائمون؟".
وكتب مستخدم آخر باسم سام: "لماذا نخشى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار؟ هل نخاف من إجماع دولي ضد إيران؟ بقاؤنا في المعاهدة لم يمنع ذلك. لا خيار أمامنا سوى امتلاك سلاح نووي لتحقيق ردع شامل، وقد يكون السلاح النووي هو الحل النهائي".
أما حساب باسم سيد مهرداد فكتب: "الرد على التهديد النووي لا يكون بتهديد البنية التحتية الإقليمية، بل بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي وإجراء تجربة نووية فعلية".
ورأى مستخدمون آخرون أنه إذا امتلكت دول مثل تركيا أو السعودية أسلحة نووية مستقبلاً، فلا ينبغي لإيران أن تبقى من دونها، مؤكدين أن "القوة الصاروخية وحدها لا تكفي لتحقيق الردع".
كما ذهب آخرون إلى أن القاذفات النووية لن تشكل تهديدًا لإيران لو كانت تمتلك سلاحًا نوويًا، في انعكاس لرؤية متزايدة بين المتشددين بأن الترسانة النووية وحدها قادرة على منع أي هجوم أميركي أو إسرائيلي جديد.
النقاش يمتد إلى وسائل الإعلام المحافظة
لم يعد هذا الجدل محصورًا بوسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى وسائل الإعلام المحافظة.
ففي 28 يونيو (حزيران) الماضي، نشرت وكالة فارس المقربة من الحرس الثوري مقالاً بعنوان: "لا بديل عن تصنيع قنبلة ذرية"، اعتبر أن الردع النووي ضروري لتوفير "راحة البال" التي تسمح لإيران بحل بقية خلافاتها عبر التفاوض.
لكن الوكالة أوضحت لاحقًا أن المقال نُشر ضمن قسم الآراء التفاعلية ولا يمثل موقفها التحريري الرسمي.
وأما وسائل إعلام محافظة أخرى مثل صحيفة "كيهان" المتشددة، إضافة إلى نواب متشددين في البرلمان، فقد تجنبت الدعوة الصريحة إلى امتلاك السلاح النووي، لكنها كثفت الحديث عن مفاهيم مثل "إعادة تعريف الردع" و"مراجعة الالتزامات النووية" و"تعديل العقيدة الدفاعية للبلاد".
دعوات متزايدة للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي
كما دفع تهديد ترامب الأخير ضد منشأة "كلنك كزلا" بعض الشخصيات المحافظة إلى طرح فكرة الانسحاب من المعاهدة بشكل علني.
وتساءل المحلل السياسي، محمد حسين خوشوقت، المقرّب من عائلة المرشد الإيراني الراحل، عما إذا كانت الردود التقليدية على الهجمات الأميركية ستؤدي فقط إلى مزيد من التصعيد، متسائلاً: "هل يستمر هذا المسار حتى يتم إسقاط إيران؟".
ومن جانبه، دعا القائد السابق في الحرس الثوري، قربان علي صلواتيان، السلطات الإيرانية إلى إبلاغ المنظمات الدولية رسميًا بأن إيران ستنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي، إذا هاجمت الولايات المتحدة منشأة "كلنك كزلا"، مضيفًا أن الانسحاب يجب أن يتم "فورًا" في حال وقوع الهجوم.
فتوى خامنئي تعود إلى الواجهة
أعاد الجدل أيضًا تسليط الضوء على فتوى المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، التي تحرِّم امتلاك الأسلحة النووية.
وبعد وفاة خامنئي، دعا بعض مستخدمي وسائل التواصل المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، إلى إلغاء أو تعديل فتوى والده بما يتناسب مع المتغيرات الأمنية.
وكتب أحد المستخدمين في مارس (آذار) الماضي أن فتوى علي خامنئي لم تعد ملزمة بعد وفاته، باعتباره لم يعد مرجعًا حيًا للتقليد، معتبرًا أن امتلاك ردع نووي أصبح "مطلبًا وطنيًا وحقًا للشعب الإيراني".
وكانت القضية قد أثيرت أيضًا في سبتمبر (أيلول) 2025، عندما طالب 70 نائبًا في البرلمان بإعادة النظر في الفتوى السابقة، والسماح بتطوير وامتلاك قنبلة ذرية لتحقيق "الردع النووي".
ورأى النواب أن استخدام السلاح النووي يمكن أن يبقى محرمًا شرعًا، لكن تصنيعه وامتلاكه لغرض الردع يجب أن يُعامل بشكل مختلف.
الموقف الرسمي لم يتغير
قبل مقتل علي خامنئي، كان المسؤولون الإيرانيون وفريق التفاوض النووي يؤكدون باستمرار أن فتواه حكم ديني دائم وليست قرارًا سياسيًا مؤقتًا.
وبحسب تفسيرهم، فإن الشريعة الإسلامية تحرم ليس فقط إنتاج واستخدام السلاح النووي، بل حتى امتلاكه لأغراض الردع، معتبرين أن الردع الإيراني يجب أن يعتمد على القدرات الصاروخية والتقدم العلمي والموارد البشرية.
ولكن الفقه الشيعي يجيز للمرجع الجديد إصدار أحكام تختلف عن أحكام من سبقه.
وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد أقر بهذه الإمكانية في مقابلة مع قناة "الجزيرة" القطرية، في أبريل (نيسان) الماضي، موضحًا أن أي تغيير في الفتوى النووية سيعتمد على موقف المرشد الجديد.
ورغم تصاعد الجدل، لا يزال الموقف الرسمي الإيراني دون تغيير. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، أن إيران ما زالت عضوًا في معاهدة حظر الانتشار النووي وتلتزم بتعهداتها، لكنه أشار إلى أن طهران تواصل مراجعة خياراتها في السياسة الخارجية والأمن القومي.
وأضاف بقائي، يوم الأربعاء 22 يوليو، أنه لا توجد أي أنشطة نووية في منشأة "كلنك كزلا"، متهمًا واشنطن باستخدام الموقع "ذريعة مختلقة" لتبرير مزيد من الهجمات وأعمال التخريب.