وحذرت موسكو وبكين من أن إعادة تفعيل آليات العقوبات ستعمّق الانقسامات داخل المجلس.
وعقد مجلس الأمن الدولي، الخميس 10 سبتمبر (أيلول)، جلسة لبحث التقرير الدوري بشأن أنشطة لجنة 1737 وتنفيذ العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
وعارضت روسيا والصين خلال الجلسة إدراج هذا الموضوع على جدول الأعمال، وجددتا اعتبار إعادة فرض العقوبات وإحياء لجنة 1737 فاقدَين للشرعية القانونية. في المقابل، أكدت الولايات المتحدة والدول الأوروبية أنه مع تفعيل "آلية الزناد"، أصبحت قرارات العقوبات السابقة والآليات المرتبطة بها سارية المفعول مجددًا.
ولجنة 1737 هي هيئة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، والمكلفة بمراقبة تنفيذ عقوبات الأمم المتحدة المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي لإيران. وقد توقفت أنشطة هذه اللجنة بعد تنفيذ الاتفاق النووي، وأصبحت شرعية إعادة تفعيلها، عقب تحرك الدول الأوروبية الثلاث لتفعيل آلية إعادة فرض العقوبات، أحد محاور الخلاف داخل مجلس الأمن.
وفي بداية الجلسة، عارضت روسيا من حيث المبدأ عقدها، وطالبت بإجراء تصويت إجرائي بشأن جدول الأعمال. وقال مندوب موسكو إن القرار 2231 انتهت صلاحيته في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وإن موضوع "عدم الانتشار" المرتبط بالملف النووي الإيراني كان ينبغي في اليوم نفسه أن يُحذف من قائمة الموضوعات قيد النظر أمام مجلس الأمن.
كما أكدت موسكو أن الآلية المنصوص عليها في القرار 2231 لإعادة قرارات العقوبات السابقة لم تُفعّل بصورة صحيحة من الناحيتين القانونية والإجرائية، وبالتالي لا يوجد أساس لاستئناف نشاط لجنة 1737.
وقال المندوب الروسي إن هذه اللجنة، التي انتهت أنشطتها بعد تنفيذ الاتفاق النووي عام 2015، لا يمكن إحياؤها مجددًا، مؤكدًا أن موسكو ستواصل معارضة أي إجراءات من شأنها إضفاء الشرعية على إعادة فرض العقوبات واستئناف عمل اللجنة.
كما دعمت الصين الموقف الروسي، وقالت إن الخلافات الجادة بين أعضاء مجلس الأمن بشأن شرعية إعادة فرض العقوبات لا تزال قائمة.
وحذر المندوب الصيني من أن الإصرار على إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن وعقد جلسات في إطار موضوع تعتبره بكين منتهيًا، سيعمّق الانقسامات داخل المجلس ويضر بالحل السياسي للملف النووي الإيراني.
وقال إن الصين "تعارض بشدة" مثل هذه الإجراءات، ودعا أعضاء المجلس إلى الالتزام بالأحكام المتعلقة بـ"يوم الانتهاء" في القرار 2231، وتهيئة الظروف لإعادة الملف النووي الإيراني إلى المسار السياسي والدبلوماسي.
الولايات المتحدة وأوروبا: العقوبات عادت بشكل قانوني
في المقابل، رفضت بريطانيا موقف روسيا والصين، وقالت إن لندن، إلى جانب فرنسا وألمانيا، فعّلت آلية إعادة فرض العقوبات في إطار القرار 2231، ردًا على "عدم التنفيذ الكبير" من جانب إيران لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي.
وقال المندوب البريطاني إن هذه العملية انتهت في 28 سبتمبر 2025، بعدما عجز مجلس الأمن عن اعتماد قرار لمواصلة تعليق العقوبات المفروضة على إيران، ونتيجة لذلك أصبحت ستة قرارات سابقة لمجلس الأمن، من بينها القرار 1737، سارية المفعول مجددًا.
وتأتي هذه الجلسة بعد يوم واحد من اعتماد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا بشأن الملف النووي الإيراني.
وقال المندوب البريطاني إن لجنة 1737، وفقًا للقرار نفسه، ملزمة بتقديم تقرير إلى مجلس الأمن بشأن أنشطتها مرة واحدة على الأقل كل 90 يومًا، وإنه لا ينبغي منع أعضاء المجلس من بحث تنفيذ القرارات الملزمة الصادرة عنه.
واتهمت الولايات المتحدة أيضًا روسيا والصين بعرقلة تنفيذ قرارات مجلس الأمن من خلال منع تقديم تقرير لجنة 1737.
وقال المندوب الأميركي إن التقرير الدوري للجنة لا يتجاوز كونه عرضًا لأنشطتها خلال الفترة قيد البحث، لكن اعتراض عضوين في المجلس حال دون تقديمه.
وأكدت واشنطن أن لجنة 1737، من وجهة نظرها، لا تزال فعالة، وأنها مكلفة بالإشراف على تنفيذ ستة قرارات أُعيد العمل بها عقب تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات.
كما اتهمت الولايات المتحدة روسيا والصين بالسعي، من خلال معارضة آليات الرقابة، إلى دعم إيران وشركائها الذين ينتهكون عقوبات الأمم المتحدة.
وكان الخلاف بشأن الوضع القانوني للملف الإيراني ودور مجلس الأمن قد ظهر في وقت سابق أيضًا خلال جلسات المجلس.
ويتمحور الخلاف الرئيسي حول الشرعية القانونية لإعادة فرض عقوبات مجلس الأمن على إيران. وترى الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث أن تفعيل "آلية الزناد" أعاد العمل بالعقوبات والقرارات السابقة لمجلس الأمن، بما فيها القرار 1737، بينما تعتبر روسيا والصين أن هذه العملية تفتقر إلى أساس قانوني، وتقولان إن انتهاء سريان القرار 2231 يعني أنه لا يمكن إعادة تفعيل العقوبات السابقة ولا لجنة 1737.
وكان هذا الخلاف قد انعكس أيضًا في مواقف الولايات المتحدة السابقة داخل مجلس الأمن بشأن مواصلة الدبلوماسية مع طهران، والرد على تهديدات الجمهورية الإسلامية، وكذلك في تصريحات السفيرة الأميركية بشأن إجراءات طهران وتأثيرها على الاقتصاد والأمن الدوليين.
لجنة 1737 بلا رئيس وبلا اجتماعات
أعلنت البحرين، خلال الجلسة، أن لجنة 1737 عاودت نشاطها اعتبارًا من الخامس من 27 سبتمبر 2025، لكنها لم تعيّن رئيسًا لها حتى الآن، بسبب الخلاف بين أعضاء مجلس الأمن بشأن تعيين رؤساء لجان العقوبات والهيئات الفرعية.
وقال المندوب البحريني إنه منذ إعادة تفعيل اللجنة، لم تُقدَّم تقاريرها الدورية في المواعيد المحددة، كما أن اللجنة لم تعقد أي اجتماع خلال الفترة قيد البحث.
ومع ذلك، أوضح أن اللجنة تلقت خلال هذه الفترة طلبات وإخطارات بشأن الإعفاء من تجميد الأصول، وقامت بدراستها، كما واجهت مقترحًا لتحديث قائمة العقوبات.
وأضافت البحرين أن مسألة تعيين ثمانية خبراء لـ"فريق الخبراء" الداعم للجنة، بموجب القرار 1929، مدرجة على جدول الأعمال، مطالبة باستكمال هيكل هذه الهيئة في أسرع وقت ممكن.
إعادة إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن
انعقدت جلسة مجلس الأمن بعد يوم واحد فقط من اعتماد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 9 سبتمبر، قرارًا بشأن عدم التزام إيران بتعهداتها المتعلقة بالضمانات، بأغلبية 23 صوتًا مؤيدًا مقابل ثلاثة أصوات معارضة وثمانية امتناعات عن التصويت، وإحالة المسألة إلى مجلس الأمن.
وقالت بريطانيا، خلال جلسة الخميس إن إيران لا تزال غير ملتزمة بتعهداتها بموجب اتفاق الضمانات الشامل مع الوكالة، وإن مفتشي الوكالة، باستثناء وصول محدود إلى محطة بوشهر، لم يتمكنوا منذ يونيو (حزيران) 2025 من الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية بالقدر اللازم.
وقال المندوب البريطاني إن تقرير المدير العام للوكالة يظهر أن تعاون طهران مع هذه الهيئة لم يُستأنف، بل إن وضع عدم التعاون ازداد سوءًا، مضيفًا أن الوكالة لم تتمكن خلال فترة التقرير الأخيرة من الوصول إلى أي من المنشآت النووية الإيرانية لإجراء عمليات التحقق الميداني.
كما أشارت الولايات المتحدة إلى التقرير الأخير للمدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، وقالت إن الوكالة لم تتلقَ من إيران معلومات بشأن وضع المواد والمنشآت النووية المعلنة، ولم تتمكن من أداء مهامها المتعلقة بالتحقق.
وقالت فرنسا أيضًا إن عدم توفر إمكانية الوصول حال دون تمكن الوكالة من التحقق من وضع المنشآت والمواد النووية الإيرانية.
وأشار المندوب الفرنسي إلى مخزون يزيد على 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وقال إن هذه الكمية لا تتمتع، من وجهة نظر باريس، بأي مبرر مدني موثوق.
ووفقًا للقرار الأخير الصادر عن مجلس المحافظين، فإن 440.9 كيلوغرام هو أحدث تقدير للوكالة لمخزون الجمهورية الإسلامية من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة عشية هجمات يونيو 2025. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن الوكالة، بسبب نقص المعلومات وإمكانية الوصول الكافية، من تحديد أو تأكيد حجم هذه المخزونات أو تركيبتها أو موقعها الحالي.
وكان مجلس المحافظين قد أعرب أيضًا، في قرار أصدره في يونيو من هذا العام، عن أسفه لاستمرار عدم معالجة حالات عدم الالتزام، وطالب إيران بتزويد الوكالة بمعلومات كاملة بشأن مخزون المواد النووية.
روسيا والصين تصفان الولايات المتحدة بأنها "سبب الأزمة"
في جزء من الجلسة، اتهم المندوب الروسي الدول الغربية بتحريف تقارير الوكالة، وقال إن الانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 مهّد الطريق للأزمة الحالية، ثم شنت واشنطن، إلى جانب إسرائيل، هجمات على منشآت نووية إيرانية خاضعة للضمانات.
كما اعتبرت الصين انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وسياسة الضغط الأقصى، واستخدام القوة العسكرية ضد إيران من العوامل الرئيسية للوضع الحالي. وشددت بكين على أن إيران، بوصفها دولة غير حائزة للأسلحة النووية وعضوًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لها الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ودعت إلى حل الخلافات بين طهران وواشنطن عبر الحوار، وإتاحة المجال أمام الوكالة لممارسة رقابة كاملة.
وعلى الرغم من الخلاف الحاد بين أعضاء مجلس الأمن بشأن الشرعية القانونية لإعادة فرض العقوبات، شددت دول أخرى، إلى جانب الصين، على ضرورة إيجاد حل دبلوماسي للملف النووي.
ودعت اليونان إلى التوصل إلى اتفاق شامل وقابل للتحقق، وحثت إيران على الانخراط بجدية في المفاوضات. وقالت البحرين أيضًا إن العقوبات ليست الهدف النهائي، بل أداة لتنفيذ الالتزامات الدولية، وفي الوقت نفسه أعربت عن دعمها للجهود الدبلوماسية.
كما أعربت فرنسا عن دعمها لتمديد مهمة فريق خبراء لجنة 1737، واعتبرت تنفيذ القرارات التي أُعيد فرضها عاملًا من شأنه تشجيع الجمهورية الإسلامية على التعاون مع الوكالة والانخراط في المفاوضات.
وطالبت باريس أيضًا بمنع تصعيد التوتر، وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، واستئناف المفاوضات من أجل السلام في المنطقة؛ وهو موضوع طُرح خلال الأسابيع الأخيرة أيضًا في إطار التنسيق بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن إيران وأمن مضيق هرمز.