إن تشييع جنازة علي خامنئي، أكثر من كونه مراسم وداع لزعيم راحل، هو مشهد لإعادة بناء القوة الجريحة للنظام الإيراني، الذي قُتل زعيمه في الضربة الأولى للحرب، في قلب هيكل السلطة وبرفقة عدد من أفراد عائلته، وها هو يحاول الآن، من خلال التابوت، والعلم، والمراثي، والحشود المنظمة، ولغة الشهادة، أن يغيّر صورة الهزيمة.
ولا يهم إن كان جثمان خامنئي الحقيقي داخل التابوت أم لا؛ فهذا الغموض بحد ذاته أصبح جزءًا من الوضع الجديد لإيران: نظام يُخفي الحقيقة، ويدير الموت، ويحوّل غياب الشفافية إلى طقس سياسي.
وفي مثل هذا الوضع، يصبح التابوت أكثر من مجرد حامل لجثمان؛ إنه حامل لرسالة مفادها أن النظام لا يزال قادرًا على إخراج المشاهد، وحشد الجماهير، وصناعة الرواية.
التابوت بدلاً من الهيبة
كان خامنئي، في حياته، الرمز النهائي للسلطة غير الخاضعة للمساءلة في إيران؛ الزعيم الذي أشرف لعقود على القمع، والإعدامات، وإقصاء المعارضين، والسيطرة على أجساد النساء، وهندسة الانتخابات، والعنف الأمني.
ولكن موته، بالطريقة التي حدث بها، حطم صورته بوصفه قائدًا لا يُقهر. فالزعيم الذي قدّم نفسه قائدًا لمحور المقاومة ومركزًا للقوة الإقليمية، لم يُقتل في ساحة معركة، بل استُهدف فجأة وبشكل مهين.
ولهذا يجد النظام نفسه مضطرًا إلى إعادة كتابة مشهد موته. فمراسم التشييع يُراد لها أن تمحو هذه الهزيمة من الذاكرة العامة، وأن تحل محلها صورة جديدة: قائد شهيد، وأمة ثكلى، وعدو خارجي، ونظام ما زال صامدًا رغم الضربة. وهنا، كعادته، تتحول الطقوس الدينية إلى أداة سياسية.
تحويل خامنئي إلى شهيد
في الثقافة السياسية للنظام الإيراني، لا يكون الموت مجرد موت؛ فإذا خدم السلطة، تحوّل إلى «شهادة». ويحاول النظام الآن إعادة تقديم خامنئي، لا بوصفه قائدًا قمعيًا حكم خلال العقود الأربعة الماضية، بل باعتباره شخصية مقدسة، ومظلومة، وضحية لعدو خارجي.
محاولة غسل الذاكرة
لكن المشكلة التي تواجه النظام الإيراني هي أن ذاكرة المجتمع لم تُمحَ.
فبالنسبة إلى ملايين الإيرانيين، يرتبط اسم خامنئي بمجازر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وقمع حركة «المرأة، الحياة، الحرية»، وإعدام المحتجين، والفقر الواسع، والهجرة القسرية، والفساد البنيوي، وتحويل الحياة اليومية إلى ساحة للبقاء.
ويريد النظام أن يغطي صوت المراثي وصور الحشود على هذه الذاكرة، لكن الحداد الرسمي لا يعني بالضرورة وجود حداد اجتماعي.
فالحشود التي جُمعت بالحافلات، والعطل الرسمية، والإمكانات الحكومية، والضغوط الإدارية، والدعاية المستمرة، وشبكات التعبئة والمؤسسات الرسمية، ليست دليلاً على حب شعبي. وهي، قبل أن تكون دليلاً على الشرعية، تعكس قدرة النظام وإصراره على تنظيم المشهد.
ويريد النظام الإيراني أن يجعل من الأجساد الموجودة في الشوارع وثيقة ولاء، حتى وإن كان كثير منها قد حضر بدافع الخوف، أو الإكراه، أو المنفعة، أو الاعتياد، أو اللامبالاة.
الطقوس الشيعية في خدمة سياسة البقاء
ويمنح تزامن المراسم مع أجواء شهر المحرم النظام فرصة رمزية.
فمنذ تأسيسها، روى النظام الإيراني مشروعه السياسي بلغة عاشوراء، والمظلومية، والدم، والعدو، والشهادة. وهو يحاول اليوم إدراج موت خامنئي ضمن هذا الإطار الرمزي؛ أي تحويل ديكتاتور كان مسؤولًا عن إراقة دماء كثيرة، في الرواية الرسمية، إلى ضحية تستحق الثأر.
ويشكّل هذا التحول في المعنى جوهر الدعاية الرسمية؛ إذ يُمحى الضحايا الحقيقيون، بينما يُمنح المسؤول عن القمع موقع المظلوم.
فأمهات القتلى، والسجناء السياسيون، والنساء اللواتي تعرضن للقمع، وعائلات الذين أُعدموا، جميعهم غائبون عن هذا المشهد.
لقد صُمم المشهد لنوع واحد فقط من الحداد المسموح به: الحداد على السلطة التي تعرضت للإهانة.
لكن هذه الحاجة الملحّة إلى الاستعراض الديني تكشف في الوقت نفسه أن القوة السياسية وحدها لم تعد كافية.
فإذا كان النظام لا يزال يرى نفسه قويًا، فلماذا يحتاج إلى كل هذه الطقوس، والإنفاق، وتعطيل الحياة، والإجراءات الأمنية، والدعاية، لإثبات استمراره؟
الإجابة واضحة: لأن صورة السلطة تعرضت لتصدع واضح بعد مقتل خامنئي.
إعادة بناء الهيبة من قلب الهزيمة
إن تشييع خامنئي هو في الحقيقة اختبار للنظام في مرحلة ما بعد خامنئي.
فالجمهورية الإسلامية تريد أن تثبت أن رحيله لم يؤد إلى انهيارها، ولم يترك فراغًا في السلطة، وأنها ما زالت قادرة على السيطرة على الشارع.
وهذه المراسم ليست سوى مناورة سياسية بعد الحرب؛ مناورة يقوم بها نظام تلقى ضربة عسكرية، وفقد شرعيته الاجتماعية، ويواجه مجتمعًا غارقًا في انعدام الثقة.
ولهذا، فإن تشييع جنازة خامنئي لا يمثل نهاية مرحلة، بقدر ما يمثل محاولة للسيطرة على الرواية المتعلقة بنهايته.
فالنظام يدرك أن كيفية مقتل خامنئي أصبح رمزًا لضعفه، لذلك يسعى إلى تحويل كيفية تشييعه إلى رمز للقوة.
غير أن هذا المشروع ينطوي على تناقض جوهري.
فالنظام الذي يحاول أن يصنع من جثمان خامنئي مصدرًا للهيبة، يعترف، من حيث لا يريد، بأن هيبته لم تعد كافية؛ لأنه لو كانت لديه شرعية حقيقية، لما احتاج إلى كل هذا الاستعراض.
ولو كان المجتمع حزينًا فعلاً، لما احتاج إلى هذا الحجم من التنظيم.
ولو كان الزعيم محبوبًا حقًا، لما اضطرت السلطة إلى إعادة كتابة موته بكل هذا القدر من الدعاية، والطقوس، والسيطرة الأمنية.
قد يُطاف بتابوت خامنئي في الشوارع، لكن ما يريد النظام الإيراني دفنه ليس جثمانه، بل ذاكرة موته المهين، وما يريد الإبقاء عليه حيًا هو منظومة السلطة التي كان خامنئي يمثلها.
إن تشييع خامنئي ليس مراسم وداع لرجل، بل هو مراسم دفاع عن «نظام» يسعى إلى تحويل موت مرشده السابق إلى رأس مال سياسي يضمن استمرار الديكتاتورية.