وبعد أكثر من أربعة أشهر على وفاة خامنئي، أعلنت السلطات أنه سيُدفن في 9 يوليو (تموز) الجاري، عقب خمسة أيام من المراسم التي ستُقام في إيران والعراق. ويقول المسؤولون إن هذا التأخير غير المعتاد يعود إلى ظروف الحرب والاعتبارات الأمنية، ما يعكس التعقيدات السياسية واللوجستية المرتبطة بدفن أطول مرشد حكم إيران.
وستمثل هذه الجنازة أيضًا أول مراسم رسمية كبرى تُقام في عهد المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، ما يجعلها اختبارًا مهمًا لقدرة القيادة الجديدة على إظهار سلطتها والحفاظ على الأمن والنظام.
وسيُسجّى جثمان خامنئي لمدة ثلاثة أيام في مصلى طهران، قبل أن ينطلق موكب التشييع عبر العاصمة. ثم سيُنقل الجثمان إلى مدينتي النجف وكربلاء المقدستين في العراق، قبل أن يعود إلى إيران لإقامة مراسم في "قم"، ثم يُدفن في مشهد، مسقط رأسه، داخل مرقد الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة.
وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد زار بغداد هذا الأسبوع للتنسيق مع المسؤولين العراقيين بشأن ترتيبات موكب التشييع العابر للحدود.
ولم تعلن السلطات حتى الآن عن الشخص الذي سيؤم صلاة الجنازة، وهي من أكثر اللحظات رمزية في هذه المراسم. ويرى بعض المراقبين أنه إذا ظهر مجتبى خامنئي علنًا لأول مرة منذ وفاة والده، فقد يتولى بنفسه إمامة الصلاة، إلا أن السلطات لم تعطِ أي إشارة إلى احتمال حدوث ذلك.
الأمن في صدارة الأولويات
شدد المسؤولون الإيرانيون مرارًا على أن إدارة الحشود والإجراءات الأمنية ستكونان الأولوية القصوى خلال مراسم التشييع.
وأشار محافظ "خراسان رضوي"، غلام حسين مظفري، حيث سيدفن خامنئي، إلى إمكانية استخدام المروحيات خلال بعض مراحل العملية للمساعدة في ضبط الحشود وضمان نقل النعش بأمان.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان استخدام هذه الوسائل سيقتصر على مدينة مشهد أم سيشمل مختلف مراحل المراسم.
ومن المرجح أن تتطلب حماية كبار المسؤولين، وإدارة الحشود، ونقل الجثمان بين عدة مدن في بلدين، واحدة من أكبر العمليات الأمنية في تاريخ إيران.
ووصف محمد رضا عارف النائب الأول للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، جنازة خامنئي بأنها «أهم حدث في القرن الحادي والعشرين»، في إشارة إلى الأهمية السياسية والرمزية التي توليها السلطات لهذه المناسبة.
دروس مستفادة من جنازة الخميني
يرجع هذا الحذر الإيراني بدرجة كبيرة إلى الفوضى التي رافقت جنازة مؤسس النظام، روح الله الخميني، بعد وفاته في 3 يونيو (حزيران) 1989.
فقد سُجّي جثمانه في مصلى طهران، وأقيمت صلاة الجنازة بإمامة آية الله العظمى، محمد رضا كلبايكاني.
ولكن في اليوم التالي، اندفع مئات الآلاف من المشيعين نحو نعش الخميني أثناء نقله إلى مكان الدفن، وفقدت قوات الأمن السيطرة على الحشود بعدما حاول كثيرون لمس النعش، ما أدى إلى إلحاق أضرار به وتمزيق كفنه.
واضطرت السلطات إلى نقل الجثمان بطائرة مروحية وإعادته إلى جماران لإعادة تكفينه، قبل تأجيل مراسم الدفن إلى اليوم التالي.
وزعمت وسائل الإعلام الرسمية أن عدد المشاركين بلغ نحو 10 ملايين شخص، بينما قدّرت مصادر أجنبية العدد بأقل من ذلك بكثير. وأصيب عدد كبير من الأشخاص، كما يُعتقد أن آخرين لقوا حتفهم بسبب التدافع، إلا أن السلطات لم تعلن مطلقًا حصيلة رسمية للضحايا.
ودُفن الخميني في البداية بقبر بسيط قرب مقبرة "بهشت زهرا" في طهران، قبل أن يتحول الموقع لاحقًا إلى مجمع ضخم يضم ضريحه.
مأساة أخرى
أما جنازة قاسم سليماني، الذي قُتل في ضربة أميركية بطائرة مسيرة قرب مطار بغداد في يناير (كانون الثاني) 2020، فقد أصبحت أكبر جنازة رسمية في إيران منذ جنازة الخميني.
ونُقل جثمانه عبر عدة مدن عراقية وإيرانية قبل وصوله إلى مسقط رأسه كرمان؛ حيث أدى تدافع الحشود وانهيار الحواجز إلى مقتل 56 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 200 آخرين، ما اضطر السلطات إلى تأجيل مراسم دفنه.
ولا تزال الكارثتان اللتان رافقتا جنازتي الخميني وسليماني تؤثران في طريقة تخطيط السلطات الإيرانية للمراسم الرسمية الكبرى.
ومن خلال التركيز على ضبط الحشود، وتنظيم مواكب التشييع بعناية، وفرض إجراءات أمنية استثنائية، يبدو أن السلطات عازمة على أن تُذكر جنازة علي خامنئي بوصفها دليلاً على قدرة الدولة على إدارة أحد أكثر الأحداث أهمية في تاريخ إيران، لا بوصفها مشهدًا للفوضى.