حتى قبل بضعة أشهر، كانت هذه الفكرة تبدو شبه مستحيلة، إلا أن تصريحات مدير مركز الأبحاث "إحياء السياسة" والمقرّب من التيار المتشدد، مهدي خراتيان، تثير احتمال أن تكون بعض الدوائر في طهران تدرس بالفعل فكرة إجراء مراجعة واسعة لبنية السلطة في النظام الإيراني.
ويقول خبراء تحدثوا إلى "إيران إنترناشيونال" إن القضية الأساسية اليوم ليست إلغاء الحرس الثوري، بل طبيعة الكيان الذي قد يحل محله، إذا كان سيجري استبداله أصلاً بكيان مشابه.
ويرى بعضهم أن أي إعادة بناء هيكلية لن تتجاوز كونها إعادة ترتيب، صُممت للحفاظ على نفوذ الحرس الثوري مع تخفيف جزء من أعبائه السياسية والاقتصادية عن كاهل النظام. بينما يعتبر آخرون أن مجرد طرح هذا النقاش يشير إلى أن القيادة الإيرانية أدركت أن البلاد لن تتمكن من الخروج من تداعيات الحرب الأخيرة من دون تغييرات وتحولات.
عقبة الدستور
يرى المؤرخ شهريار خُلدي أن حل الحرس الثوري أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد إلغاء مؤسسة عسكرية، ويقول: "اسم هذه المؤسسة ليس (الحرس الثوري الإيراني)، بل (الحرس الثوري الإسلامي). وهذه نقطة بالغة الأهمية".
ويعتبر أن العقبة الرئيسية تكمن في الدستور الإيراني. فالمادة 150 من الدستور لا تنظر إلى الحرس الثوري باعتباره قوة عسكرية تقليدية، بل تعرّفه بوصفه مؤسسة مكلفة "بحماية الثورة ومنجزاتها". وهذه المهمة العقائدية تجعل حل الحرس بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة.
ويعتقد خلدي أن قيادة النظام ستحافظ على البنية العامة للنظام، لكنها ستعيد ترتيبها بطريقة لا تُحدث تغييرًا جوهريًا في طبيعتها العملية.
ويقول: "سيحافظون على نظام الجمهورية الإسلامية، لكنهم سيغيرون شكلها بحيث تبقى طبيعتها كما كانت خلال الثلاثين عامًا الماضية: أوليغارشية عسكرية كاملة تختبئ خلف غطاء حكم ديني".
ويضيف أن إعادة هيكلة الحرس الثوري قد تحقق أيضًا هدفًا عمليًا؛ إذ إن الدول الغربية تصنف الحرس الثوري منظمة إرهابية، ولذلك فإن دمجه ضمن هيكل عسكري أوسع قد يمنح مسؤولي النظام الإيراني هامشًا أكبر للتحرك. وبحسب رأيه، فإن ذلك قد يسهّل مشاركتهم في الترتيبات الأمنية الدولية، خاصة إذا تم التوصل إلى اتفاق محتمل مع واشنطن، كما سيجعل من الصعب عزل الحرس الثوري بوصفه منظمة مستقلة.
علامة تجارية سامة
يقول المحلل السياسي، أميد معماريان، إن الحرس الثوري أصبح عبئًا كبيرًا على النظام الإيراني، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقاته الدولية.
ويشير إلى أن اسم الحرس داخل إيران ارتبط بسوء الإدارة الاقتصادية، والقمع السياسي، والتدخل العميق في مختلف جوانب حياة المواطنين. أما على المستوى الدولي، فقد جعلته العقوبات وإدراجه على قوائم الإرهاب منظمة يصعب على النظام الدفاع عنها سياسيًا.
ويرى معماريان أن احتمال إجراء مثل هذا التغيير لا يعني بالضرورة اختفاء الحرس الثوري، بل قد يكون محاولة لتقديم البنية نفسها في غلاف مختلف. ويؤكد: "الأشخاص أنفسهم الذين أنشأوا هذا النظام هم الذين يعيدون الآن ترتيب بنيته".
ومع ذلك، يعتقد أن هذا النقاش يعكس ما هو أبعد من مجرد إصلاح مؤسسي.
فبحسب رأيه، تشكل الآن نوع من الإجماع غير المعلن على أن إيران مضطرة إلى الابتعاد عن النموذج الذي كان قائمًا قبل الحرب.
ويأتي هذا النقاش في وقت يطرح فيه متشددون مقربون من المرشح الرئاسي السابق وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، سعيد جليلي، انتقادات غير مسبوقة، إذ يصفون المسار السياسي بعد الحرب بأنه "انقلاب داخلي" ضد المرشد مجتبى خامنئي، ويتهمون الشخصيات المقربة من رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ورئيس البلاد، مسعود بزشكيان، بإبعاد الجمهورية الإسلامية عن مسارها الثوري.
تغيير الاسم أم تغيير حقيقي؟
أما بالنسبة إلى المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بهنام بن طالب لو، فإن هذا النقاش يذكره بمقولة لشكسبير: "كل هذا يذكّرني بعبارة شكسبير في روميو وجولييت: "ما أهمية الاسم؟" والإجابة عن هذا السؤال مهمة. ماذا يخبرنا الاسم الرسمي للحرس الثوري الإسلامي؟ إن مهمة هذه المؤسسة واردة في اسمها نفسه: حماية الثورة الإسلامية والدفاع عنها".
ولا يتوقع بن طالب لو حل الحرس الثوري، بل يحذر الحكومات الغربية من الخلط بين التغييرات الشكلية والإصلاحات الحقيقية، ويقول: "التحول الحقيقي يُقاس بالسلوك، وبالمضمون والجوهر، وليس بالمظهر. وعلى الغرب أن يميز بين التحول المصطنع والتحول الحقيقي".
ويرى أن تغيير اسم هذه المؤسسة أو دمجها في هيكل عسكري آخر ليس هو القضية الأساسية، بل إن الأهم هو ما إذا كانت ستتخلى عن دعم الجماعات المسلحة خارج البلاد، وعن هيمنتها على الاقتصاد الإيراني، وعن دورها بوصفها الركيزة الأساسية للجهاز الأمني في النظام الإيراني. وإذا لم تتغير هذه العناصر، فلن يتغير شيء.
وأضاف: "المضمون والجوهر يعنيان ما إذا كانت تلك المؤسسة، مهما كان اسمها، ستواصل العمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها الحرس الثوري أم لا".
أزمة هوية بعد الحرب
في نهاية المطاف، يعكس النقاش الدائر حول الحرس الثوري سؤالاً أوسع يواجهه النظام الإيراني بعد الحرب الأخيرة: هل يستطيع هذا النظام إعادة بناء نفسه والاستمرار من دون إحداث تغيير جذري؟
ويرى خلدي أن أي إعادة هيكلة ستؤدي إلى ترسيخ الحكم العسكري تحت الغطاء الديني بصورة أكبر.
أما معماريان، فيعتقد أن قيادة النظام الإيراني أدركت أن نموذج ما قبل الحرب لم يعد قابلاً للاستمرار، لكنه يشكك في قدرة النخبة السياسية نفسها التي بنت هذا النظام على إحداث تحول جذري فيه.
وفي المقابل، يحذر بن طالب لو من الخلط بين البراغماتية والاعتدال، ويقول:
"هناك من يخلط بين انتهازية قاليباف والاعتدال".
وفي الوقت الراهن، فإن هذا النقاش لا يشير بقدر ما يشير إلى اختفاء وشيك للحرس الثوري، بل يعكس سعي الجمهورية الإسلامية إلى إيجاد نموذج يمكنها من خلاله تجاوز أعمق أزمة تواجهها منذ عقود.
ويبقى السؤال المطروح دون إجابة: هل يحمل المستقبل إصلاحات حقيقية، أم مجرد اسم جديد لمؤسسة قديمة؟