كيف يمكن لاتفاق أميركي- إيراني إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

أعادت مذكرة التفاهم الأولية بين طهران وواشنطن، الرامية إلى إنهاء الصراع الذي استمر 70 يومًا وإعادة فتح مضيق هرمز، رسم موازين القوى في المنطقة، مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.

أعادت مذكرة التفاهم الأولية بين طهران وواشنطن، الرامية إلى إنهاء الصراع الذي استمر 70 يومًا وإعادة فتح مضيق هرمز، رسم موازين القوى في المنطقة، مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.
وأوجد الاتفاق رابحين سياسيين واقتصاديين واضحين، إلى جانب خاسر بارز واحد على الأقل، في وقت تعيد فيه الحكومات تقييم أولوياتها الأمنية و"التجارية" والدبلوماسية.
ويُعدّ المستفيدون الرئيسيون من الاتفاق الدول الخليجية، إلى جانب الصين وباكستان، وجميعها لديها مصلحة قوية في استعادة الاستقرار الإقليمي وحماية حركة التجارة. وفي المقابل، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر عزلةً سياسيًا، إذ تتزايد خلافاتها مع نهج واشنطن والاتجاه الدبلوماسي الأوسع في المنطقة.
وبالنسبة لمعظم دول العالم، فإن القضية الأساسية ليست التنافس الأيديولوجي بين إيران وإسرائيل، بل أمن التجارة البحرية.
ويُعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا لتدفقات الطاقة العالمية، وكذلك لواردات المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية إلى منطقة الخليج العربي. وقد أدى إغلاقه إلى تعطيل صادرات النفط والغاز، وإبطاء النشاط الاقتصادي، وزيادة معدلات التضخم في أنحاء المنطقة.
ووفقًا لموقع "فرارو" المقرب من التيار المعتدل في إيران، رأى سفير بريطاني سابق لدى طهران أن العديد من الدول الخليجية تعتقد أن هذا الاتفاق كان ينبغي التوصل إليه في وقت أبكر بكثير، بالنظر إلى حجم الأضرار الاقتصادية التي سببتها الأزمة.
ولم يكن موقف دول مجلس التعاون الخليجي موحدًا إزاء الصراع. فقد عارضت قطر وسلطنة عُمان التصعيد منذ البداية، بينما اتخذت السعودية والإمارات مواقف أكثر حذرًا.
وأدت قطر دورًا وساطيًا مهمًا بشكل خاص، إذ ساعدت في تسهيل التواصل بين طهران وواشنطن. أما سلطنة عُمان، فقد تعرضت لضغوط إيرانية لتأييد فكرة فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز، وهو اقتراح رفضته دول المنطقة والمجتمع الدولي، اللذان يعتبران المضيق ممرًا دوليًا وليس أصلًا تجاريًا.
ورغم هذه الاختلافات، فقد أسهم الاتفاق في تضييق فجوة الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي. كما عزز الشكوك بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة على المدى الطويل كضامن للأمن، رغم استمرار اعتماد جيران إيران العرب على البنية التحتية العسكرية الأميركية.
وتبدو الصين من أكبر المستفيدين من الاتفاق؛ فقد كان الهمّ الرئيسي لبكين طوال الأزمة هو الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
فإعادة فتح المضيق تخفّض تكاليف واردات الطاقة، وتدعم تعافي الاقتصاد الصيني، وتعزز الصورة التي تفضلها بكين لنفسها باعتبارها قوة تستفيد من الاستقرار من دون الانخراط المباشر في صراعات المنطقة.
كما يُتوقع أن تستفيد باكستان أيضًا. فمن خلال أدائها دورًا محوريًا في الوساطة، عززت إسلام آباد مكانتها الدبلوماسية، وقللت في الوقت نفسه من خطر انتقال عدم الاستقرار على حدودها الغربية إلى أمنها واقتصادها.
وأما بالنسبة لروسيا، فالصورة أكثر تعقيدًا. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ما زاد من عائدات موسكو. إلا أن الاتفاق يعكس هذا الاتجاه ويقلص تلك المكاسب. وفي المقابل، فإن استقرار الشرق الأوسط يقلل من احتمالات تعميق الدول العربية تعاونها العسكري مع أوكرانيا، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي، وهو تطور يُرجح أن ترحب به موسكو.
وتبدو إسرائيل الخاسر السياسي الأكبر من الاتفاق. فقد كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يأمل في توسيع نطاق "اتفاقيات أبراهام"، إلا أن الحكومات العربية باتت تركز في المقام الأول على التوصل إلى ترتيبات دائمة تكبح البرنامج النووي الإيراني وتمنع اندلاع حرب إقليمية جديدة.
كما أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تبدو مصممة على تقويض الاتفاق، قلصت بدرجة أكبر الحماس الإقليمي لمسار التطبيع، ما جعل إسرائيل أكثر عزلة عن التوافق الدبلوماسي الآخذ في التشكل.
وأعاد الاتفاق أيضًا إحياء النقاش داخل إيران بشأن ما إذا كان أي اتفاق نووي مستقبلي قادرًا على الصمود بمفرده.
ويرى السفير الإيراني السابق، حسين موسويان، أنه لا يمكن لأي اتفاق نووي أن يستمر ما لم يتناول أيضًا جذور المواجهة الأعمق بين إيران وإسرائيل.
وفي تصريحات نقلها موقع "رويداد 24"، وصف موسويان المرحلة الحالية بأنها "فرصة ذهبية" لإحداث تحول في العلاقات بين طهران وواشنطن، لكنه حذر من أن أي اتفاق يقتصر على الملف النووي سيظل هشًا ما لم يُدمج ضمن إطار أوسع للأمن الإقليمي.
ويعكس هذا التقييم إدراكًا متزايدًا برز خلال الصراع، مفاده أن وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز ربما أوجدا فرصًا دبلوماسية جديدة، لكن استمرار هذه الفرص سيعتمد على معالجة التنافسات الإقليمية الأعمق التي قوّضت مرارًا الاتفاقات السابقة.