"حرب الـ 12 يومًا".. وسياسة "السياج العازل" في إيران

مر عام كامل على "حرب الـ 12 يومًا"؛ الحرب التي لم تغيّر المعادلة الأمنية لإيران فحسب، بل أحدثت تحولاً جذريًا في أسلوب فهم وإدارة الفضاء السياسي والاجتماعي.

مر عام كامل على "حرب الـ 12 يومًا"؛ الحرب التي لم تغيّر المعادلة الأمنية لإيران فحسب، بل أحدثت تحولاً جذريًا في أسلوب فهم وإدارة الفضاء السياسي والاجتماعي.
ومنذ ذلك الحين، باتت السلطة تعتمد- أكثر من أي وقت مضى- على السيطرة السياسية وصناعة الاستقطابات الثنائية بدلاً من الاستجابة للأزمات الاجتماعية؛ وهي استقطابات تقسم المجتمع إلى "موالٍ داخل الدائرة" و"عدو"، وإلى "أمة" و"مثير شغب وإرهابي". هذا الأسلوب دفع بالاحتجاجات- أكثر من ذي قبل- من مستوى المطالب العامة إلى مستوى التهديد الأمني.
لقد منحت "حرب الـ 12 يومًا" فرصة لإيران لتوسيع نطاق "القومية" كغطاء لفرض انسجام قسري، وهي قومية أججت في جوهرها استقطابات متعددة وعمّقت الانقسامات الاجتماعية. أصبحت عبارات مثل "خائن" و"بائع وطن" تتكرر باستمرار على ألسنة المسؤولين ووسائل الإعلام المقربة من السلطة، ووفرت هذه الصياغة الروائية الأرضية لربط الاحتجاجات بالعدو الخارجي، مما جعل القمع يبدو مشروعًا، وقد ساعدت ظروف الحرب في تعميق هذا الوضع.
والنتيجة الحتمية لهذا المسار هي تحول السلطوية في النظم السياسي إلى سلوك أكثر هجومية؛ وفي مثل هذا السياق تبلورت أحداث القتل، خلال الاحتجاجات الشعبية الأخير، التي اندلعت في شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضيين، حيث اتسع مناخ الحرب وعمدت السلطة إلى إخراج جزء من الشعب من دائرة الولاء.
القومية كأداة للاستقطاب الثنائي
اتسم نهج النظام الإيراني تجاه القومية منذ تأسيسها بطابع براغماتي (نفعي). فبعد تجربة الحرب التي استمرت ثماني سنوات (الحرب الإيرانية- العراقية)، أدرك النظام أنه قادر على استخدام مفهوم "الأمة" ليس كأداة للاحتواء الشامل، بل كوسيلة للاحتكار السياسي. وفي هذا النموذج، لا يتم طرح خطابات "الوطن" و"إيران" بهدف تحقيق الانسجام الاجتماعي، بل تُستخدم كأداة لتقييم مدى الولاء؛ إذ تصدر السلطة عبر هذه المفاهيم صكوك الدخول إلى دائرة "الأمة"، وكل من لا يقع داخل هذا الإطار، يُستبعد من تعريف "الهوية الإيرانية".
وقد اتخذ هذا المنطق شكلاً أكثر وضوحًا بعد "حرب الـ 12 يومًا"؛ حيث نظمت السلطات الإيرانية، عقب تلك الحرب، استعراضًا يضم رموزًا من العهد الإخميني، ونشبت تماثيل ساسانية، وفرضت نشيد "إي إيران" (يا إيران) في الأوساط الرسمية بعد إدخال تعديلات تتماشى مع رغبتها.
ولكنها لم تستحضر هذه الرموز بدافع الارتباط التاريخي، بل بناءً على حسابات دقيقة؛ إذ علمت السلطة أن قطاعًا من المجتمع، بما في ذلك بعض معارضي النظام، سيظهرون رد فعل دفاعي غريزي في مواجهة أي عدوان عسكري خارجي، وكان الهدف هو إكساب هذا الشعور لغة رسمية قبل أن يتمكن المجتمع من صياغته بلغته الخاصة.
إلا أن مصادرة الرموز الوطنية واجهت إلزامًا فوريًا منذ اللحظة الأولى: كان لا بد من تحديد من يقع داخل هذه "الأمة" ومن يقف خارجها. وبذلك، لم يكن الاستقطاب الثنائي مجرد نتاج ثانٍ لصناعة الرواية، بل كان هدفها الأساسي. وهذا ما عبر عنه ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري، عبد الله حاجي صادقي، في 21 يوليو (تموز) 2025 قائلاً: «أي إجراء من شأنه الإضرار بهذه الوحدة، يقع قطعًا في جبهة العدو».
وهذه الجملة، وإن بدت في ظاهرها دعوة للحفاظ على الانسجام، إلا أنها عمليًا أداة للإقصاء؛ فكل من يبتعد عن الرواية الرسمية يُطرد من دائرة "الأمة" ويلحق بـ "العدو". فالقومية في هذه الصياغة ليست رابطًا، بل أداة لرسم الحدود العازلة.
ومع ذلك، وفي الأيام نفسها، التي كان النظام يتشبث فيها بالرموز القديمة وتضع تماثيل "آرش کمانگیر" (آرش الرامي) في الميادين، شهد برنامج الترفيه "بازمانده" (الناجي)- الذي يملك منتجوه تاريخًا من التعاون مع السلطة- واقعة إلقاء الحجارة على "درفش کاویانی" (العلم الكاوياني)، وهو أحد أبرز الرموز الوطنية الإيرانية. عقب ذلك، انهال أكثر من 90 ألف تعليق انتقادي على صفحة "إنستغرام" الخاصة بأحد مقدمي البرنامج، وكتب بعضهم: "سقط قناع الوطنية الذي تدثرتم به 12 يومًا"؛ وهو رد فعل أثبت أن المجتمع يرى هذه الرموز ملكًا خالصًا له، وليست منحة تجود بها السلطة.
سياسة السياج العازل
تمثلت سياسة النظام الإيراني أثناء الحرب وفي أعقابها في النفخ في رماد الاستقطابات الثنائية، وهو سلوك يجب فهمه كمنهجية لتخليق "حالة الطوارئ الاستثنائية". فالاستقطابات بالنسبة لهذا النظام ليست مجرد أدوات دعائية، بل هي آليات لبناء حدود حادة وقابلة للإدارة؛ حدود تقرر: إما معنا أو ضدنا، إما محب للوطن أو بائع له، إما مناهض للحرب أو متماشٍ مع العدو.
وفي هذا المنطق، تُلغى التعقيدات الاجتماعية لصناعة فضاء يتطلب اتخاذ قرارات اضطرارية وعاجلة؛ فضاء يتيح للنظام الادعاء بأنه الطرف الوحيد المخول برسم الحدود بين الداخل والخارج، الولاء والخيانة، الأمن والتهديد. وفي نموذج الحكم هذا، تتقلص مكانة المواطن من كونه فاعلاً متعددًا وصاحب حق، إلى عنصر يُختزل تعريفه وهويته فقط في مدى ارتباطه بالتهديد.
وعندما يستند النظام إلى الحالة الحربية ليجعل من الأمن الميدان الرئيسي لإنتاج المعنى، تتبدل مكانة الفاعل السياسي؛ فالمنتقد لم يعد لاعبًا في الفضاء العام، بل أضحى "عنصرًا تخريبيًا" في النظم الأمني. وفي هذا الفضاء القائم على الاستحواذ، لا يُفسر أي نوع من المعارضة بوصفه اختلافًا مشروعًا في الرأي، بل يُترجم كـ "خروج عن الأمة". ونتيجة لذلك، لا يقتصر الاستقطاب الثنائي على تعميق الصدوع الاجتماعية فحسب، بل يقضي على إمكانية ممارسة السياسة بشكل طبيعي، ويحبس المجتمع في وضع يُترجم فيه كل صوت مغاير بالضرورة إلى لغة التهديد الأمني.
إن النظام الإيراني يصنع لنفسه الشرعية ويزيح المسؤولية عبر هذا الاستقطاب؛ فبناء الثنائيات يتيح عزو أي استياء إلى العدو الخارجي، وربط أي نقد داخلي بالعمل ضد الأمن القومي. هذا الأمر يسمح للنظام بالهروب من المساءلة بشأن مظاهر الفشل الاقتصادي التي تفاقمت باطراد، لا سيما بعد "حرب الـ 12 يومًا"، ويضع نفسه بدلاً من ذلك في مقام حامي الأمة، أو يطالب الشعب بالسكوت على المصاعب باسم الدفاع عن الوطن.
لكن المفارقة تكمن في أن هذا الأسلوب يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الانسجام نفسه؛ لأن المجتمع الذي ينقسم باستمرار بين الولاء والخيانة، أو بين القومية الرسمية والقومية المستقلة، لن يلتئم مجددًا بسهولة حول رواية واحدة.
صعود السلطوية الهجومية
أدى الاستقطاب وصناعة الروايات على مستوى النظام الأمني إلى نتيجة واحدة حاسمة: تحول الاحتجاج من فعل سياسي أو اجتماعي إلى تهديد أمني. ويمكن تلمس هذه اللغة بوضوح في احتجاجات (ديسمبر ويناير الماضيين)؛ إذ تسببت "حرب الـ 12 يومًا" في تدهور الوضع الاقتصادي، وهروب الاستثمارات، وانعدام الاستقرار المعيشي، وردًا على ذلك قررت الحكومة تغيير السياسة النقدية وسعر الصرف، وهو الإجراء الذي أشعل فتيل الاحتجاجات في الأسواق.
وفي المقابل، أعاد النظام تعريف الاحتجاجات الشعبية مستخدمًا مصطلحات مثل "الفتنة"، "الحرب الثانية"، "عناصر الموساد"، أو "الإرهاب". وعقب تلك الأحداث الدموية، خرج حسن خميني، حفيد مؤسس النظام الإيراني، روح الله الخميني، في مقابلة تلفزيونية ليعلق على الاحتجاجات قائلاً: «لقد كان اليوم الثالث عشر من حرب الـ 12 يومًا»، مؤكدًا أن ما يسميه «التيار الصهيوني» يقف وراء هذه «التحركات». وأضاف أن العدو أراد استغلال هذا الوضع، ولهذا السبب «طُويت هذه الصفحة سريعًا».
في هذا الخطاب، لا وجود للمتظاهر كصاحب حق، بل يُفسر الشعب على أنه أداة بيد القوى الخارجية، مما يشرعن استخدام العنف ضده. وفي مثل هذه الرواية، لم يُنظر إلى نزول القوات الأمنية بوصفه قمعًا، بل جرى تقديمه كـ "ضبط نفس أقصى" ودفاع عن الأمن القومي. هذا الإحلال المفاهيمي ينطوي على أهمية بالغة، لأنه يخرج النظم الأمني من حالة رد الفعل، ويمنحه شرعية استباقية: فكلما زادت حدة العنف، أمكن تقديمه كاستجابة حتمية وضرورية.
وكانت النتيجة المباشرة لهذا المسار هي اتساع رقعة عمليات الأجهزة الأمنية؛ فحين يتقاطع الاحتجاج مع الحرب، لا يعود التحكم في الشارع حكرًا على الشرطة، بل تدخل القوات العسكرية والاستخباراتية والأذرع الإعلامية في المنطق نفسه. وهذه هي النقطة الدقيقة التي تظهر فيها "السلطوية الهجومية": وهي لا تكتفي بالدفاع عن النظام القائم، بل تشن هجومًا لمنع إمكانية الاحتجاج نفسها.
لهذا السبب، تصب الاعتقالات الواسعة، والاعترافات القسرية، وقطع الإنترنت، ونسب الاحتجاج إلى شبكات إرهابية، كلها في مجرى منطق واحد؛ منطق يغدو فيه تصفية المعارض أمرًا يسيرًا، لأنه أُزيح مسبقًا من موقع المواطنة إلى خندق العدو.
لقد مثلت "حرب الـ 12 يومًا" للنظام الإيراني أرضية خصبة لتشييد هذه السلطوية الهجومية؛ حيث استطاع ربط إخفاقاته بملف خارجي، وتبرير أي وسيلة باسم الدفاع عن الوطن؛ وهنا تحديدًا يكتسب إذكاء الثنائيات معناه، لأن هذا النوع من السلطوية لا يطيق تعقيد المشهد، بل يقوم أساسًا على منطق التبسيط المفرط.