• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

"حرب الـ 12 يومًا".. وسياسة "السياج العازل" في إيران

عطا محامد
عطا محامد

باحث في العلوم السياسية

13 يونيو 2026، 18:13 غرينتش+1آخر تحديث: 10:17 غرينتش+1

مر عام كامل على "حرب الـ 12 يومًا"؛ الحرب التي لم تغيّر المعادلة الأمنية لإيران فحسب، بل أحدثت تحولاً جذريًا في أسلوب فهم وإدارة الفضاء السياسي والاجتماعي.

ومنذ ذلك الحين، باتت السلطة تعتمد- أكثر من أي وقت مضى- على السيطرة السياسية وصناعة الاستقطابات الثنائية بدلاً من الاستجابة للأزمات الاجتماعية؛ وهي استقطابات تقسم المجتمع إلى "موالٍ داخل الدائرة" و"عدو"، وإلى "أمة" و"مثير شغب وإرهابي". هذا الأسلوب دفع بالاحتجاجات- أكثر من ذي قبل- من مستوى المطالب العامة إلى مستوى التهديد الأمني.

لقد منحت "حرب الـ 12 يومًا" فرصة لإيران لتوسيع نطاق "القومية" كغطاء لفرض انسجام قسري، وهي قومية أججت في جوهرها استقطابات متعددة وعمّقت الانقسامات الاجتماعية. أصبحت عبارات مثل "خائن" و"بائع وطن" تتكرر باستمرار على ألسنة المسؤولين ووسائل الإعلام المقربة من السلطة، ووفرت هذه الصياغة الروائية الأرضية لربط الاحتجاجات بالعدو الخارجي، مما جعل القمع يبدو مشروعًا، وقد ساعدت ظروف الحرب في تعميق هذا الوضع.

والنتيجة الحتمية لهذا المسار هي تحول السلطوية في النظم السياسي إلى سلوك أكثر هجومية؛ وفي مثل هذا السياق تبلورت أحداث القتل، خلال الاحتجاجات الشعبية الأخير، التي اندلعت في شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضيين، حيث اتسع مناخ الحرب وعمدت السلطة إلى إخراج جزء من الشعب من دائرة الولاء.

القومية كأداة للاستقطاب الثنائي

اتسم نهج النظام الإيراني تجاه القومية منذ تأسيسها بطابع براغماتي (نفعي). فبعد تجربة الحرب التي استمرت ثماني سنوات (الحرب الإيرانية- العراقية)، أدرك النظام أنه قادر على استخدام مفهوم "الأمة" ليس كأداة للاحتواء الشامل، بل كوسيلة للاحتكار السياسي. وفي هذا النموذج، لا يتم طرح خطابات "الوطن" و"إيران" بهدف تحقيق الانسجام الاجتماعي، بل تُستخدم كأداة لتقييم مدى الولاء؛ إذ تصدر السلطة عبر هذه المفاهيم صكوك الدخول إلى دائرة "الأمة"، وكل من لا يقع داخل هذا الإطار، يُستبعد من تعريف "الهوية الإيرانية".

وقد اتخذ هذا المنطق شكلاً أكثر وضوحًا بعد "حرب الـ 12 يومًا"؛ حيث نظمت السلطات الإيرانية، عقب تلك الحرب، استعراضًا يضم رموزًا من العهد الإخميني، ونشبت تماثيل ساسانية، وفرضت نشيد "إي إيران" (يا إيران) في الأوساط الرسمية بعد إدخال تعديلات تتماشى مع رغبتها.

ولكنها لم تستحضر هذه الرموز بدافع الارتباط التاريخي، بل بناءً على حسابات دقيقة؛ إذ علمت السلطة أن قطاعًا من المجتمع، بما في ذلك بعض معارضي النظام، سيظهرون رد فعل دفاعي غريزي في مواجهة أي عدوان عسكري خارجي، وكان الهدف هو إكساب هذا الشعور لغة رسمية قبل أن يتمكن المجتمع من صياغته بلغته الخاصة.

إلا أن مصادرة الرموز الوطنية واجهت إلزامًا فوريًا منذ اللحظة الأولى: كان لا بد من تحديد من يقع داخل هذه "الأمة" ومن يقف خارجها. وبذلك، لم يكن الاستقطاب الثنائي مجرد نتاج ثانٍ لصناعة الرواية، بل كان هدفها الأساسي. وهذا ما عبر عنه ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري، عبد الله حاجي صادقي، في 21 يوليو (تموز) 2025 قائلاً: «أي إجراء من شأنه الإضرار بهذه الوحدة، يقع قطعًا في جبهة العدو».

وهذه الجملة، وإن بدت في ظاهرها دعوة للحفاظ على الانسجام، إلا أنها عمليًا أداة للإقصاء؛ فكل من يبتعد عن الرواية الرسمية يُطرد من دائرة "الأمة" ويلحق بـ "العدو". فالقومية في هذه الصياغة ليست رابطًا، بل أداة لرسم الحدود العازلة.

ومع ذلك، وفي الأيام نفسها، التي كان النظام يتشبث فيها بالرموز القديمة وتضع تماثيل "آرش کمانگیر" (آرش الرامي) في الميادين، شهد برنامج الترفيه "بازمانده" (الناجي)- الذي يملك منتجوه تاريخًا من التعاون مع السلطة- واقعة إلقاء الحجارة على "درفش کاویانی" (العلم الكاوياني)، وهو أحد أبرز الرموز الوطنية الإيرانية. عقب ذلك، انهال أكثر من 90 ألف تعليق انتقادي على صفحة "إنستغرام" الخاصة بأحد مقدمي البرنامج، وكتب بعضهم: "سقط قناع الوطنية الذي تدثرتم به 12 يومًا"؛ وهو رد فعل أثبت أن المجتمع يرى هذه الرموز ملكًا خالصًا له، وليست منحة تجود بها السلطة.

سياسة السياج العازل

تمثلت سياسة النظام الإيراني أثناء الحرب وفي أعقابها في النفخ في رماد الاستقطابات الثنائية، وهو سلوك يجب فهمه كمنهجية لتخليق "حالة الطوارئ الاستثنائية". فالاستقطابات بالنسبة لهذا النظام ليست مجرد أدوات دعائية، بل هي آليات لبناء حدود حادة وقابلة للإدارة؛ حدود تقرر: إما معنا أو ضدنا، إما محب للوطن أو بائع له، إما مناهض للحرب أو متماشٍ مع العدو.

وفي هذا المنطق، تُلغى التعقيدات الاجتماعية لصناعة فضاء يتطلب اتخاذ قرارات اضطرارية وعاجلة؛ فضاء يتيح للنظام الادعاء بأنه الطرف الوحيد المخول برسم الحدود بين الداخل والخارج، الولاء والخيانة، الأمن والتهديد. وفي نموذج الحكم هذا، تتقلص مكانة المواطن من كونه فاعلاً متعددًا وصاحب حق، إلى عنصر يُختزل تعريفه وهويته فقط في مدى ارتباطه بالتهديد.

وعندما يستند النظام إلى الحالة الحربية ليجعل من الأمن الميدان الرئيسي لإنتاج المعنى، تتبدل مكانة الفاعل السياسي؛ فالمنتقد لم يعد لاعبًا في الفضاء العام، بل أضحى "عنصرًا تخريبيًا" في النظم الأمني. وفي هذا الفضاء القائم على الاستحواذ، لا يُفسر أي نوع من المعارضة بوصفه اختلافًا مشروعًا في الرأي، بل يُترجم كـ "خروج عن الأمة". ونتيجة لذلك، لا يقتصر الاستقطاب الثنائي على تعميق الصدوع الاجتماعية فحسب، بل يقضي على إمكانية ممارسة السياسة بشكل طبيعي، ويحبس المجتمع في وضع يُترجم فيه كل صوت مغاير بالضرورة إلى لغة التهديد الأمني.

إن النظام الإيراني يصنع لنفسه الشرعية ويزيح المسؤولية عبر هذا الاستقطاب؛ فبناء الثنائيات يتيح عزو أي استياء إلى العدو الخارجي، وربط أي نقد داخلي بالعمل ضد الأمن القومي. هذا الأمر يسمح للنظام بالهروب من المساءلة بشأن مظاهر الفشل الاقتصادي التي تفاقمت باطراد، لا سيما بعد "حرب الـ 12 يومًا"، ويضع نفسه بدلاً من ذلك في مقام حامي الأمة، أو يطالب الشعب بالسكوت على المصاعب باسم الدفاع عن الوطن.

لكن المفارقة تكمن في أن هذا الأسلوب يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الانسجام نفسه؛ لأن المجتمع الذي ينقسم باستمرار بين الولاء والخيانة، أو بين القومية الرسمية والقومية المستقلة، لن يلتئم مجددًا بسهولة حول رواية واحدة.

صعود السلطوية الهجومية

أدى الاستقطاب وصناعة الروايات على مستوى النظام الأمني إلى نتيجة واحدة حاسمة: تحول الاحتجاج من فعل سياسي أو اجتماعي إلى تهديد أمني. ويمكن تلمس هذه اللغة بوضوح في احتجاجات (ديسمبر ويناير الماضيين)؛ إذ تسببت "حرب الـ 12 يومًا" في تدهور الوضع الاقتصادي، وهروب الاستثمارات، وانعدام الاستقرار المعيشي، وردًا على ذلك قررت الحكومة تغيير السياسة النقدية وسعر الصرف، وهو الإجراء الذي أشعل فتيل الاحتجاجات في الأسواق.

وفي المقابل، أعاد النظام تعريف الاحتجاجات الشعبية مستخدمًا مصطلحات مثل "الفتنة"، "الحرب الثانية"، "عناصر الموساد"، أو "الإرهاب". وعقب تلك الأحداث الدموية، خرج حسن خميني، حفيد مؤسس النظام الإيراني، روح الله الخميني، في مقابلة تلفزيونية ليعلق على الاحتجاجات قائلاً: «لقد كان اليوم الثالث عشر من حرب الـ 12 يومًا»، مؤكدًا أن ما يسميه «التيار الصهيوني» يقف وراء هذه «التحركات». وأضاف أن العدو أراد استغلال هذا الوضع، ولهذا السبب «طُويت هذه الصفحة سريعًا».

في هذا الخطاب، لا وجود للمتظاهر كصاحب حق، بل يُفسر الشعب على أنه أداة بيد القوى الخارجية، مما يشرعن استخدام العنف ضده. وفي مثل هذه الرواية، لم يُنظر إلى نزول القوات الأمنية بوصفه قمعًا، بل جرى تقديمه كـ "ضبط نفس أقصى" ودفاع عن الأمن القومي. هذا الإحلال المفاهيمي ينطوي على أهمية بالغة، لأنه يخرج النظم الأمني من حالة رد الفعل، ويمنحه شرعية استباقية: فكلما زادت حدة العنف، أمكن تقديمه كاستجابة حتمية وضرورية.

وكانت النتيجة المباشرة لهذا المسار هي اتساع رقعة عمليات الأجهزة الأمنية؛ فحين يتقاطع الاحتجاج مع الحرب، لا يعود التحكم في الشارع حكرًا على الشرطة، بل تدخل القوات العسكرية والاستخباراتية والأذرع الإعلامية في المنطق نفسه. وهذه هي النقطة الدقيقة التي تظهر فيها "السلطوية الهجومية": وهي لا تكتفي بالدفاع عن النظام القائم، بل تشن هجومًا لمنع إمكانية الاحتجاج نفسها.

لهذا السبب، تصب الاعتقالات الواسعة، والاعترافات القسرية، وقطع الإنترنت، ونسب الاحتجاج إلى شبكات إرهابية، كلها في مجرى منطق واحد؛ منطق يغدو فيه تصفية المعارض أمرًا يسيرًا، لأنه أُزيح مسبقًا من موقع المواطنة إلى خندق العدو.

لقد مثلت "حرب الـ 12 يومًا" للنظام الإيراني أرضية خصبة لتشييد هذه السلطوية الهجومية؛ حيث استطاع ربط إخفاقاته بملف خارجي، وتبرير أي وسيلة باسم الدفاع عن الوطن؛ وهنا تحديدًا يكتسب إذكاء الثنائيات معناه، لأن هذا النوع من السلطوية لا يطيق تعقيد المشهد، بل يقوم أساسًا على منطق التبسيط المفرط.

الأكثر مشاهدة

سفارة إسرائيل في واشنطن: مستقبل لبنان يجب ألا يُحدَّد في طهران
1

سفارة إسرائيل في واشنطن: مستقبل لبنان يجب ألا يُحدَّد في طهران

2

مصدر إسرائيلي رفيع: لن نكون ملزمين بأي اتفاق مع طهران وسنتحرك ضد أي تهديد

3

شريعتمداري يهاجم قاليباف وعراقجي: بأي منطق تتنازلون عن أوراق ضغط مضيق هرمز؟

4

مستشار المرشد الإيراني: نفد الصبر وصدر أمر الهجوم

5

مهددًا بـ "الخيار النهائي".. ترامب: اتفاق الأحد "جدار فولاذي" يمنع إيران من السلاح النووي

•
•
•

المقالات ذات الصلة

حصاد الحرب.. قطاع الصناعة يلهث أنفاسه في إيران

12 يونيو 2026، 21:33 غرينتش+1
•
محمد ماشين‌ جيان
حصاد الحرب.. قطاع الصناعة يلهث أنفاسه في إيران
100%

أنهى قطاع الصناعة الإيراني الفترة من 20 فبراير (شباط) إلى 20 مارس 2026، بدرجة 26 من أصل 100؛ وهو الرقم الأدنى في تاريخ مؤشر مديري المشتريات في إيران. وقد رصد هذا الرقم ونشره مركز البحوث التابع لغرفة التجارة الإيرانية بناءً على إفادات مديري الشركات في البلاد.

ومن بين الركام الهائل للإحصاءات الصادرة في هذه الأسابيع، نادرًا ما يعكس رقمٌ وضعَ الصناعة الإيرانية بعد الحرب بهذا الوضوح.

إن مؤشر مديري المشتريات، الذي تنشره غرفة إيران تحت اسم "شامخ"، هو النسخة الإيرانية للمؤشر المعروف عالميًا بـ (PMI). حيث يُسأل مديرو الشركات شهريًا عن تقييمهم لأوضاعهم مقارنة بالشهر السابق من حيث: الإنتاج، والطلبيات الجديدة، والمبيعات، والتوظيف، ومخزون المستودعات. وتحوَّل الإجابات إلى مؤشر يتراوح بين الصفر والمئة، حيث يمثل الرقم 50 الحد الفاصل لسلامة القطاع؛ فما فوق الخمسين يعكس رواجًا، وما دونها يشير إلى انكماش.

وتتابع البنوك المركزية والمستثمرون حول العالم هذا المؤشر بجدية تفوق الكثير من الإحصاءات الرسمية؛ لكونه يستشرف الأحداث مبكرًا، ويكشف الركود قبل أشهر من ظهوره في بيانات النمو الاقتصادي الرسمية. كما تمتاز هذه الأداة بأن سلة التضخم وطريقة الحساب قد تخضع للتلاعب، لكن دفاتر الطلبيات في المصانع لا ترتفع ولا تنخفض وفقًا لرغبة صانع القرار السياسي.

وبحسب تقرير مركز بحوث غرفة إيران، فقد هبط مؤشر "شامخ" لقطاع الصناعة خلال الفترة المذكورة- بالتزامن مع الهجوم العسكري على إيران- إلى 26.2؛ وهو القاع التاريخي لهذا المؤشر طوال سنوات تطبيقه الثماني، وهي فترة تشمل أيضًا سنوات جائحة كورونا.

واللافت في الأمر أن التقرير المستقل لتنلك الفترة لم يُنشر أبدًا، وظل هذا الرقم مخفيًا إلى أن ظهر لاحقًا وبصمت في الرسم البياني لتقرير شهر أبريل (نيسان) الماضي، الذي استقر مؤشر الصناعة فيه عند 37.4، بينما سجل مؤشر "شامخ" لإجمالي الاقتصاد 38.5؛ وهي الأرقام الأدنى طوال فترة تنفيذ هذا الاستطلاع باستثناء الشهر السابق عليه. وبذلك، يظل قطاع الصناعة الإيراني قابعًا تحت خط الـ 50 لخمسة أشهر متتالية.

ويتضح عمق هذه الأرقام عند مقارنتها بالمتغيرات العالمية؛ ففي أبريل 2020- ذروة الإغلاقات الناجمة عن جائحة كورونا- سُجلت مستويات قياسية سالبة في العديد من الدول؛ حيث هبط مؤشر الولايات المتحدة آنذاك إلى 41.5، وإسبانيا إلى 30.8، وبريطانيا إلى 32.6 (وهو الرقم الأسوأ لها منذ نحو ثلاثة عقود). كما سجلت الهند 27.4 بالتزامن مع الحجر الصحي الشامل لمليار و400 مليون نسمة، وهو القاع التاريخي للمؤشر هناك.

وقد تراجع قطاع الصناعة الإيراني، خلال فترة جائحة "كورونا"، إلى مستويات أدنى من كل هذه الأرقام العالمية، ولكن مع فارق جوهري: وهو أن تلك الدول أوقفت اقتصاداتها عمدًا ومؤقتًا لإنقاذ أرواح مواطنيها، وعادت جميعها بعد أشهر قليلة إلى ما فوق خط الـ 50. أما في إيران، فإن الصناعة تبدو لاهثة الأنفاس تحت وطأة الحرب، والعقوبات، والحصار.

تفكيك بنية الانهيار: المخازن فارغة والتسريح يتزايد

تكتمل الصورة عند تفكيك أجزاء تقرير شهر أبريل الماضي؛ فمن بين 11 مؤشرًا فرعيًا، تقبع 10 مؤشرات تحت خط الـ 50. إذ سجل حجم الإنتاج 38.6، وهو من أقل الأرقام خلال السنوات الثماني الماضية. كما يظهر مقياس "الطلبيات الجديدة" بتسجيله 37.4 أن الطلب قد جفّ تمامًا في السوقين المحلية والتصديرية على حد سواء.

واستقرت "سرعة تسليم الطلبيات" عند حدود 39.6، وعزا التقرير ذلك إلى عدة أسباب أبرزها: انقطاع الإنترنت، والاضطراب في التبادلات المالية، والقيود المفروضة على الواردات. ويعكس مؤشر "مخزون المواد الخام" البالغ 32.6 حالة من تفريغ المستودعات، ويحذر تقرير الغرفة من أنه في حال استمرار هذا الوضع، فإن مخاطر التوقف الكامل أو الجزئي لخطوط الإنتاج ستتصاعد في الأشهر المقبلة.

ويشير مقياس "الصادرات" البالغ 39.8 إلى إغلاق أحد أهم قنوات السيولة النقدية للشركات. أما السطر الأكثر مرارة في الجدول، فهو مؤشر "التوظيف" الذي سجل 36.8، ليعكس حقيقة أن تعديل وتسريح العمالة بعد الحرب لم يتوقف، بل آخذ في التعمق والاتساع.

ومع ذلك، يوجد استثناء وحيد في هذا الجدول؛ ففي الركام الذي يدور كله في محيط الـ 30 والـ 40، يقف رقم واحد شامخًا فوق مستوى 77: وهو "سعر شراء المواد الخام"، مما يعكس بيئة تضخمية حادة. فالمنشأة الصناعية التي تنتج أقل وتبيع أقل، باتت تدفع مبالغ أكبر شهرًا تلو الآخر مقابل كل ما تشتريه.

ولإثبات حالة "الركود التضخمي" عادةً ما يتطلب الأمر دمج إحصاءين من مؤسستين مختلفتين؛ لكن هنا، يجلس طرفا المعادلة معًا في صفحة واحدة من تقرير واحد. وسيشق هذا الضغط الناجم عن التكلفة طريقه حتمًا إلى أسعار المستهلكين، ومن هنا تحديدًا بدأت ملامح التضخم الشهري الذي قارب 9 في المائة، خلال الفترة من 12 أبريل إلى 21 مايو (أيار) الماضيين.

وهبطت "مبيعات المنتجات" بتسجيلها التراجع السادس على التوالي لتصل إلى 41.3، بعد أن كانت 19.1 خلال الشهر السابق. وتعكس "توقعات الإنتاج للشهر المقبل" البالغة 32.2 (وهي من أدنى المستويات التاريخية للمؤشر) نظرة مديري الشركات القاتمة والمتشائمة بشأن الآفاق المستقبلية.

الحلقة المفرغة واستهداف قاطرة الاقتصاد

إن ما يحول هذا التقرير من مجرد صورة سيئة إلى توقعات أكثر سوءًا هو تركيبة الصناعات؛ ففي السنوات الماضية، كان متوسط مؤشر "شامخ" للصناعة يعتمد بشكل أساسي على مجموعتين صامدتين: الفولاذ والبتروكيماويات، وهما الرافدان الرئيسيان للعملة الصعبة في البلاد واللذان كانا يقفان عادةً فوق خط الـ 50.

وبشهادة تقرير الغرفة، فإن هاتين المجموعتين تحديدًا قد استُهدفتا مباشرة خلال الحرب الأخيرة، ولم تعودا قادرتين على رفع المتوسط العام. ويخلق هذا الوضع حلقة مفرغة: حيث تقل صادرات الفولاذ والبتروكيماويات، وتتدفق عملة صعبة أقل إلى البلاد، فتصبح المواد الخام المستوردة أغلى ثمنًا وأكثر ندرة، لينخفض الإنتاج تلو الآخر.

ويجب وضع هذه الحلقة جنبًا إلى جنب مع مؤشر "مخزون المواد الخام" البالغ 32.6 الذي ينذر بتوقف خطوط الإنتاج في الأشهر المقبلة، وبالتوازي مع الحصار البحري المستمر الذي يُقدر أنه يكبّد الاقتصاد الإيراني خسائر يومية تبلغ نحو 430 مليون دولار. ومن خلال ربط هذه العوامل معًا، يمكن التنبؤ بأن مؤشر "شامخ" يسير نحو تسجيل أرقام قياسية أكثر هبوطًا في الأشهر القادمة.

متلازمة "العالم الموازي" وباعة الأوهام في الشارع الإيراني

10 يونيو 2026، 22:16 غرينتش+1
•
حسين ذوقي
متلازمة "العالم الموازي" وباعة الأوهام في الشارع الإيراني
100%

تفشت متلازمة بين مسؤولي النظام الإيراني ومؤيديه المتشددين: العيش في "عالم موازي"؛ مكان تظهر فيه طهران كمنتصر في الحرب. هذا الوهم البنيوي تسلل من رأس الهرم في النظام إلى الشارع، وبات يمتلك القدرة على صناعة السياسات.

منذ أكثر من مائة يوم، تحوّل النظام بجميع أركانه- من الميدان إلى الدبلوماسية والشارع- إلى "بائع أوهام"، يشتري الحروب، وينظم "روايات الفتح" دون تحقيق أي نصر حقيقي.

وقد اتسعت رقعة هذه المتلازمة في الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق؛ حيث تعيش طبقة من النظام ومؤيديه في عالم يعتقدون فيه أن إيران هي الطرف المنتصر، وأن أميركا مشلولة الحركة، وإسرائيل في طور الزوال، والعدو "يتوسل". ويمتد هذا العالم الافتراضي من صحيفة "كيهان" إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا وسيما)، ومن البرلمان إلى الأجهزة الحكومية، وصولاً إلى وسائل الإعلام الموالية والتجمعات في الشوارع.

وطوال هذه السنوات، كان مدير تحرير صحيفة "كيهان"، حسين شريعتمداري، يحلم بمثل هذه الأيام: إغلاق مضيق هرمز، والمواجهة العسكرية المباشرة مع أميركا وإسرائيل، وتهديد دول المنطقة كبلطجي عسكري! والآن يرى أمنياته تتحقق رأي العين، لكن الانتظار الذي كان يأمله لم يثمر النصر المنشود. فالهزيمة واضحة على جميع الجبهات؛ الصواريخ الإيرانية- التي تمثل معقلهم الأخير- يتم اعتراضها وتدميرها في أجواء الدول المجاورة، والحصار البحري جعل من ورقة إغلاق مضيق هرمز أداة بلا فائدة.. بل إن الدول المجاورة استغلت هذه الفرصة لتشكيل جبهة موحدة في مواجهة إيران.

في ظل هذه الظروف، يفضل نمط "حسين شريعتمداري" الدخول في الفقاعة التي صنعها لنفسه مسبقاً؛ عالم موازٍ يرى فيه نفسه وأيديولوجيته منتصرين. وغدت هذه الظاهرة متفشية جداً هذه الأيام.

ولكن النقطة المحورية هنا ليست الوهم ذاته، بل "السياسات" التي يصنعها هذا الوهم. هذه الطبقة لا تكذب؛ فلو كانت تكذب لتمكنت من التراجع، لكنها للأسف تؤمن بعمق بما تقوله. ويمكن التماس هذا الإيمان الأعمى وقراءته بين السطور والخطابات، من أمير حسين ثابتي إلى حسين شريعتمداري، ومن عراقجي إلى الرواديد والمرتجزين (الذين يردّدون الأهازيج والأناشيد الحماسية في الشوارع).

وانطلاقاً من هذا المعتقد، يطرح أمثال شريعتمداري ومالكي مقترحات لسياسات جديدة: قانونًا لإغلاق مضيق هرمز حتى "مقتل دونالد ترامب"، وتأسيس "ناتو إسلامي" بالتعاون مع الدول المسلمة المجاورة، وانتزاع المزيد من المكاسب من "العدو المهزوم". وتمنح هذه المقترحات وهم النصر للأنصار المتشددين في الشوارع وتبيعهم الحروب؛ وهي صفقة لا تصب إلا في ضرر وحدة إيران ومصالح شعبها المنهك من سلطة النظام.

تفشي المتلازمة

طالب مدير تحرير صحيفة "كيهان"، حسين شريعتمداري، بالمصادقة على قانون يبقي بموجبه مضيق هرمز مغلقاً حتى "مقتل دونالد ترامب"، ومصادرة السفن الإسرائيلية حتى "محو إسرائيل بالكامل من الجغرافيا العالمية".

ومن جانبه، يتحدث المساعد الخاص لوزير الداخلية، محمد حسن نامي، عن تشكيل "ناتو إسلامي" بقيادة إيران وبالتحالف مع 57 دولة إسلامية، في وقت لا يملك فيه النظام حليفاً عربياً واحداً في المنطقة، كما أثبتت بقية الدول المسلمة في آسيا أنها تغلب مصالحها الخاصة دائماً.

أما عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، فدا حسين مالكي، فيزعم أن أميركا "شُلّت حركتها في الميدان بكل ما تحمله الكلمة من معنى". ويكتب محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أن العدو "توسل مجدداً" للقبول بوقف إطلاق النار. وفي التلفزيون الحكومي، يعلن أحد الخبراء أن أميركا تكبدت "ألف قتيل وسبعة إلى ثمانية آلاف جريح".

رواية الفتح ووهم الانتصارات

يعود تقليد "رواية الفتح" في بنيان النظام الإيراني إلى عقد الثمانينيات. في ذلك الوقت، كان مرتضى آويني (مخرج أفلام وثائقية) يخرج برنامجاً يحمل الاسم نفسه حول جبهات الحرب المستعرة لثماني سنوات مع العراق. وحينما كان الجيش يواجه هزائم متتالية وتضيع أجزاء من الأراضي الإيرانية ويُقتل شباب البلاد، كان آويني يصيغ بنبرة ملحمية وعرفانية من كل قطرة دم لِشاب إيراني روايةً لوهم الانتصار.

واليوم، بعد مرور أربعة عقود، لا يزال النظام يبحث عن "رواية فتح" جديدة؛ لكن هذه المرة بشأن حرب قُتل فيها زعيمه، ويخضع هو خلف الكواليس للشروط الأميركية.

الحقيقة بين التهديدات

قبل فترة وجيزة من مقتله في الحرب الأخيرة، جلس أمي مجلس الدفاع الوطني السابق، علي شمخاني، في برنامج "خط تیره" (الخط المائل) أمام مقدم البرنامج، جواد موغويي، الذي سأله عن تهديدات إغلاق مضيق هرمز، فأجاب شمخاني بنبرة عسكرية: «إغلاق المضيق يعني أننا وصلنا إلى طريق مسدود تماماً وعلينا المخاطرة بكل شيء. نحن نملك أدوات ردع أكثر تنوعاً». فسأله موغويي: «أليس هذا مجرد ارتجاز وشعارات؟».

لقد اعترف شمخاني عملياً، حتى بالنسبة لمن يدافعون عن هذه القدرات، بأن إغلاق المضيق هو السهم الأخير؛ وإذا أطلقته فلن يتبقى لديك شيء، وتكرار التهديد به يغدو بلا جدوى.

ولكن الطبقة الأكثر خطورة في هذه المتلازمة توجد في الشارع؛ حيث تحتفل مجموعات من المؤيدين المتشددين بإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل. لقد نصبوا أنفسهم فاتحين في مخيلتهم، ويعيشون في العالم ذاته الذي صنعه النظام لهم. هؤلاء أنفسهم الذين وصفوا معارضي النظام بالدعاة إلى الحرب والخراب لابتهاجهم بمقتل علي خامنئي، يهللون الآن لإطلاق الصواريخ وقرع طبول الحرب من قِبل إيران. إنهم يعيشون في فقاعة من الأوهام صُنعت بالسياسات الممنهجة للنظام.

انهيار فقاعة النصر

إن النظام الذي اقتات على وهم النصر وباعه لمؤيديه، يعجز اليوم عن إنهاء الحرب؛ لأن إنهاءها يعني "الاعتراف". والاعتراف يعني انهيار هذا العالم الموازي الذي يتراءى فيه النظام وأنصاره في موقع الفاتحين.

وطالما استمر بيع هذا الوهم، سيواصل المشترون احتفالاتهم في الشوارع، بينما يزداد شبح الحرب ثقلاً على كاهل الإيرانيين.

وضحيّة هذا الحلم ليس النظام ولا مؤيدوه، بل الشعب الذي يعيش في "إيران الحقيقية" صامتاً وفقره يزداد يوماً بعد يوم. إن الغلاء الفاحش الذي يضرب أسعار الفاكهة والحليب واللحوم، واختفاء القوت الأساسي من موائد المواطنين، والبطالة، والمشكلات الحقيقية للناس ليست وهماً؛ بل هي العالم الواقعي الذي يحاول مسؤولو النظام التغطية عليه عبر تشييد عالمهم الموازي الجديد.

هل تتذكرون محمد سعيد الصحاف؟ في يوم سقوط بغداد، كان يرتجز أمام كاميرات التلفزيون الحكومي العراقي مدعياً الانتصار على الجيش الأميركي ويصيغ روايات النصر الزائف، وقد رأى الجميع مصيره في النهاية.

دفن مؤجل وخليفة غائب.. تساؤلات تحيط بإيران بعد علي خامنئي

8 يونيو 2026، 21:46 غرينتش+1
•
مسعود كاظمي
دفن مؤجل وخليفة غائب.. تساؤلات تحيط بإيران بعد علي خامنئي
100%

بعد مرور 100 يوم على مقتل المرشد السابق، علي خامنئي، في هجوم استهدف مكتبه في طهران، لم تقم إيران بعد بدفن الرجل الذي قاد البلاد لأكثر من 3 عقود.

وقد أصبح هذا التأخير أحد أكثر الجوانب غرابة وحساسية سياسية في مرحلة الانتقال الإيرانية ما بعد الحرب. فبينما تم بالفعل دفن كبار القادة العسكريين والمسؤولين الذين قُتلوا في الصراع نفسه، فإن الوعود المتكررة بتنظيم جنازة ضخمة لخامنئي لم تتحقق بعد.

وتحدث مسؤولو بلدية طهران عن خطط لتنظيم موكب جنائزي يمتد لعدة أيام في وقت لاحق من هذا الشهر. وأشاروا إلى أنه من المتوقع أن تشمل المراسم عدة مدن قبل الدفن النهائي لخامنئي في مدينة "مشهد" الدينية.

ردود فعل الإيرانيين بين الفرح والذهول

يتعارض هذا التأخير الطويل بشكل لافت مع التقاليد الدينية الشيعية، التي تفضل عموماً الدفن السريع للميت. إذ يحث الفقه الكلاسيكي على التعجيل بالدفن إلا في حالات استثنائية، مثل الشك في الوفاة أو المخاوف المتعلقة بحفظ الحياة. وبالمثل، جادل العديد من رجال الدين المعاصرين بأنه ينبغي تجنب التأخير غير المبرر إذا كان ينطوي على مخاطرة بالإساءة إلى المتوفى.

وقد غذّى غياب الجنازة التكهنات بشأن حالة أشلاء خامنئي بعد الضربة التي أودت بحياته. وكانت تقارير وسائل الإعلام الإيرانية عن مسؤولين آخرين لقوا حتفهم في الهجوم نفسه، قد وصفت كيف تم انتشال الجثث بعد أسابيع ولم يتم التعرف عليها إلا من خلال فحص الحمض النووي (DNA) بسبب تعرضها لأضرار جسيمة.

وحتى الآن، لم ينشر المسؤولون أي معلومات حول حالة أشلاء خامنئي أو مكان وجودها.

مخاوف أمنية وخليفة مفقود

تداخلت الأسئلة التي لا إجابة لها المحيطة بدفن المرشد الراحل مع لغز آخر: الغياب المستمر لخليفة خامنئي.

فإن مجتبى خامنئي، الذي تولى القيادة خلفاً لوالده، لم يظهر علناً منذ الهجوم. ورغم إصرار المسؤولين على أنه نجا ولم يصب إلا بجروح طفيفة، فإن التقارير والشائعات حول إصابته بجروح أكثر خطورة لا تزال قائمة.

وإذا كان مجتبى خامنئي حياً ونشطاً، فإنه سيمثل أحد أبرز الأهداف لإسرائيل. ومِن ثمّ، فإن أي ظهور علني كبير قد ينطوي على مخاطر أمنية جسيمة.

وهذا الواقع يربك ما يُفترض أن يكون لحظة حاسمة ومحددة للقائد الجديد. فجنازة المرشد الإيراني ليست مجرد مراسم دينية، بل هي أيضاً استعراض للاستمرارية السياسية. وسيكون من الصعب تفسير غياب الخليفة عن حدث كهذا، في حين أن ظهوره قد يعرضه لمخاطر قد لا تكون السلطات مستعدة لقَبولها.

سياسات الجنازة

هناك أيضًا بُعد سياسي للتأخير؛ فللنظام الإيراني تاريخ طويل في استخدام مثل هذه المراسم لإرسال رسائل سياسية. وخير مثال على ذلك كان جنازة القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني.

فقد جاب الموكب الجنائزي، الذي استمر لعدة أيام، مدن الكاظمية وبغداد والنجف وكربلاء والأهواز ومشهد وطهران وقم، قبل أن يُدفن سليماني في نهاية المطاف في "كرمان".

لماذا تستمر خطط جنازة خامنئي في التغير؟

ذكرت وسائل الإعلام الرسمية والمسؤولون الإيرانيون أن الملايين شاركوا في مراسم تشييع سليماني، واستخدموا مراراً صور الأحداث في الرسائل الرسمية. ومع ذلك، فإن التغطية الإعلامية المكثفة المحيطة بالجنازة تملصت إلى حد كبير من التذكير بمقتل 56 مشيعاً، لقوا حتفهم في حادث تدافع أثناء مراسم الدفن في "كرمان".

وقد أظهر المسؤولون أنهم يأملون في تحقيق نسبة إقبال مماثلة لخامنئي. لكن تنظيم جنازة بهذا الحجم في أعقاب الحرب يفرض تحديات لوجستية وأمنية واضحة.

في الوقت الحالي، تظل النتيجة حالة ترقب غير عادية؛ فبعد مرور 100 يوم على وفاة خامنئي، اختارت إيران رسمياً خلفاً له لكنها لم تقدمه للعلن بعد، ووعدت بوداع تاريخي لزعيمها الراحل لكنها لم تقمه بعد، وتستمر في مواجهة أسئلة لم تنجح البيانات الرسمية ولا المراسم العامة في الإجابة عنها.

من البنوك إلى "البلوك تشين".. جبهة أميركية جديدة في العقوبات على إيران

6 يونيو 2026، 21:26 غرينتش+1
•
أوميد شكري
من البنوك إلى "البلوك تشين".. جبهة أميركية جديدة في العقوبات على إيران
100%

تُمثّل العقوبات، التي فرضتها إدارة ترامب على أكبر منصة لتداول العملات المشفّرة في إيران، تصعيدًا في جهود واشنطن الرامية إلى تعطيل البنية التحتية المالية التي تستخدمها طهران للعمل خارج النظام المصرفي الرسمي.

فقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية منصة نوبيتكس (Nobitex) على قائمة العقوبات، إلى جانب منصات والكس (Wallex) وبيت‌بين (Bitpin) ورامزينكس (Ramzinex)، كما فرضت عقوبات على شخصيات بارزة مرتبطة بـ "نوبيتكس"، من بينهم رئيس مجلس الإدارة والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي السابق، أمير حسين راد.

وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فقد عالجت "نوبيتكس" أكثر من نصف جميع تدفقات الأصول الرقمية الواردة إلى إيران خلال عام 2025. كما اتهمتها واشنطن بتسهيل معاملات مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني، والالتفاف على العقوبات، وأنشطة برامج الفدية الإلكترونية، إضافة إلى تمكين البنك المركزي الإيراني من الوصول إلى مئات الملايين من الدولارات من العملات المستقرة.

وبذلك استهدفت العقوبات جزءًا من البنية التحتية التي سمحت للأفراد والشركات والجهات المرتبطة بالدولة في إيران بالوصول إلى أسواق الأصول الرقمية الدولية رغم سنوات من القيود المالية.

"العملات المشفّرة" في مواجهة العقوبات

ليس من الصعب تفسير اهتمام إيران بالعملات المشفّرة. فقد حدّت العقوبات بشكل كبير من إمكانية الوصول إلى الشبكات المصرفية الدولية، والمعاملات بالدولار، وتمويل التجارة، وعائدات النفط. ورغم أن الأصول الرقمية لا تلغي هذه القيود، فإنها يمكن أن توفر قنوات بديلة لنقل القيمة عبر الحدود.

ويمكن للعملات المشفّرة والعملات المستقرة أن تساعد في تسهيل المعاملات، والحفاظ على القيمة، والإبقاء على الوصول إلى الأسواق الخارجية. وتُعد العملات المستقرة جذابة بشكل خاص؛ لأنها تقلل من التعرض لتقلبات الأسعار، مع استمرار عملها خارج شبكات البنوك المراسلة التقليدية.

كما أصبح تعدين العملات المشفّرة جزءًا من أدوات إيران للالتفاف على العقوبات. فمن خلال استخدام الكهرباء المدعومة لتعدين "بيتكوين"، تستطيع إيران فعليًا تحويل موارد الطاقة المحلية إلى أصل رقمي يمكن نقله عالميًا.

ولكن هذه الاستراتيجية لها تكاليفها أيضًا. فالتعدين يفرض ضغطًا إضافيًا على شبكة الكهرباء الإيرانية، وقد ارتبط بانقطاعات التيار الكهربائي وتزايد الاستياء الشعبي. ومع ذلك، تبقى الفكرة مغرية بالنسبة لاقتصاد خاضع للعقوبات: فعندما يُقيَّد الوصول إلى التمويل التقليدي، تصبح أي آلية قادرة على تحويل الموارد المحلية إلى قيمة قابلة للاستخدام دوليًا ذات أهمية استراتيجية.

مضيق هرمز والعملات المشفّرة

ظهرت العملات المشفّرة أيضًا في النقاشات المتعلقة بـمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.

وأفادت شركة تشيناليسيس (Chainalysis) مؤخرًا بأن إيران كانت تعتزم مطالبة ناقلات النفط بدفع رسوم بالعملات المشفّرة مقابل المرور الآمن عبر المضيق خلال فترات التوتر المتصاعد. وسواء نُفذت هذه الخطط بالكامل أم لا، فإن الأهم هو ما تكشفه عن الدور المحتمل للأصول الرقمية في المواجهات الجيوسياسية المستقبلية.

وبالنسبة لطهران، توفر العملات المشفّرة عدة مزايا في مثل هذه السيناريوهات؛ إذ يمكن تحويل المدفوعات بسرعة عبر الحدود، وتجاوز بعض القيود المصرفية التقليدية، وتقليل التعرض لتجميد الحسابات أو أدوات الرقابة المالية التقليدية.

ويُظهر احتمال استخدام مدفوعات قائمة على العملات المشفّرة مرتبطة بأمن الملاحة البحرية كيف يمكن لهذه الأصول ألا تُستخدم فقط لنقل الأموال بعيدًا عن الأنظار، بل أيضًا لتوليد الإيرادات خلال فترات الأزمات الجيوسياسية.

وقد حذّرت وزارة الخزانة الأميركية من المخاطر المرتبطة بالعقوبات فيما يتعلق بأي مطالب إيرانية لرسوم عبور عبر مضيق هرمز، سواء دُفعت عبر الأصول الرقمية أو العملات التقليدية أو المقايضات أو الترتيبات الأخرى.

حدود الالتفاف عبر "البلوك تشين"

على الرغم من مزاياها، فإن العملات المشفّرة ليست درعًا سحرية ضد العقوبات.

فمعاملات "البلوك تشين" غالبًا ما تترك آثارًا يمكن تحليلها بواسطة شركات مثل "تشيناليسيس" و"إليبتيك" أو من خلال وكالات الاستخبارات المالية الحكومية.

وبمجرد أن تدرج الولايات المتحدة منصة، مثل "نوبيتكس"، على قوائم العقوبات، تواجه المنصات الدولية ومزودو السيولة والأطراف المقابلة مخاطر متزايدة إذا استمروا في التعامل مع المحافظ المرتبطة بإيران. وهذا يدفع النشاط نحو قنوات أصغر وأقل سيولة وغالبًا أكثر خطورة.

وتسلط العقوبات الضوء أيضًا على نقطة ضعف أخرى. فقد أشار مسؤولو وزارة الخزانة إلى أن "نوبيتكس" تعرضت لاختراق إلكتروني كبير في يونيو (حزيران) 2025، ما يبرز المخاطر المرتبطة بالاعتماد على البنية التحتية المالية الرقمية.

ومن الجوانب الأخرى محل الاهتمام دور الحرس الثوري الإيراني، الذي كُلّف بموجب قانون الموازنة الإيراني السابق بتصدير نحو 700 ألف برميل من النفط الخام يوميًا، أي ما يعادل نحو نصف صادرات البلاد آنذاك. كما يُعد الحرس الثوري أحد أكبر مقاولي البنية التحتية في إيران.

ورغم أن البيانات المتاحة لا تكشف مصدر الخدمات المستوردة أو الجهات المستفيدة النهائية منها، فإن هذا التداخل يوضح الأهمية المتزايدة للقنوات المالية غير التقليدية داخل الاقتصاد الإيراني الخاضع للعقوبات.

ومن المرجح أن تتكيف إيران مع الوضع الجديد. فقد ينتقل النشاط إلى التداول المباشر بين الأفراد، أو المنصات اللامركزية، أو الوسطاء الأجانب، أو شبكات العملات المستقرة، أو منصات محلية جديدة. إلا أن كل بديل من هذه البدائل يحمل تكاليفه الخاصة، سواء من حيث انخفاض السيولة أو زيادة مخاطر الامتثال أو التعرض لعقوبات مستقبلية.

وأما بالنسبة لواشنطن، فإن التحدي يكمن في استمرار التنفيذ الفعّال للعقوبات. ففرض العقوبات على "نوبيتكس" لن يكون مؤثرًا إلا إذا ترافق مع تعاون دولي، وتحسين قدرات تتبع "البلوك تشين"، والضغط على المنصات الأجنبية، وتقديم إرشادات واضحة لشركات الشحن وشركات التأمين وتجار السلع.

ولا تحتاج الولايات المتحدة إلى وقف كل معاملة إيرانية بالعملات المشفّرة لتحقيق تأثير ملموس. يكفي أن تجعل النظام أكثر تكلفة، وأكثر قابلية للتتبع، وأكثر خطورة، وأقل جاذبية للأطراف المتعاملة معه.

وتُظهر قضية "نوبيتكس" كيف انتقلت الحرب المالية من البنوك إلى شبكات "البلوك تشين". فقد منحت الأصول الرقمية طهران مرونة أكبر في مواجهة العقوبات، لكنها في الوقت نفسه خلقت نقاط ضعف جديدة.

وكلما ازداد اعتماد إيران على البنية التحتية للعملات المشفّرة، أصبحت هذه البنية نفسها جزءًا من ساحة المعركة الخاصة بالعقوبات.

الأصول الإيرانية المجمّدة حول العالم

6 يونيو 2026، 01:40 غرينتش+1
•
مريم سينائي
الأصول الإيرانية المجمّدة حول العالم
100%

برزت مسألة الوصول إلى الأصول المجمّدة كأحد المطالب الرئيسية لطهران في المفاوضات مع واشنطن، حيث يسعى المسؤولون الإيرانيون إلى الإفراج عن جزء على الأقل من عشرات المليارات من الدولارات المحتجزة في الخارج.

ووفقًا لتقارير إعلامية حديثة، يناقش المفاوضون حزمة مالية تبلغ قيمتها نحو 12 مليار دولار، قد تصبح متاحة في حال التوصل إلى اتفاق أولي مع الولايات المتحدة.

وتكتسب هذه القضية أهمية كبيرة؛ لأن الوصول حتى إلى جزء من الأموال المجمّدة يمكن أن يؤثر في سوق العملة الإيرانية، والواردات، والمالية الحكومية، والاقتصاد الإيراني بشكل عام.

ويقدّر المسؤولون الإيرانيون أن أكثر من 100 مليار دولار من الأصول لا تزال غير متاحة بسبب العقوبات والقيود المصرفية والنزاعات القانونية التي تراكمت على مدى عقود. ومع ذلك، فإن هذا المبلغ بأكمله لن يصبح متاحًا بالضرورة، حتى في حال التوصل إلى اتفاق، لأن بعض الأصول لا تزال عالقة في قضايا قضائية وقيود أخرى لا ترتبط بالعقوبات.

وسافر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، مؤخرًا إلى قطر؛ حيث أفادت تقارير بأن المباحثات تناولت مسألة الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة.

وقال عضو الفريق الإعلامي المرافق للوفد التفاوضي الإيراني، سعيد آجرلو، في مقابلة تلفزيونية يوم الثلاثاء 2 يونيو (حزيران)، إن المحادثات كانت ناجحة. وأضاف أنه بمجرد حصول اتفاق إطار على الموافقة النهائية، فإن جزءًا من الأصول الإيرانية المجمّدة سيصبح متاحًا للبنك المركزي الإيراني بطريقة يصعب التراجع عنها.

وأشار أيضًا إلى أن طهران تسعى للحصول على ضمانات تضمن استمرار الوصول إلى هذه الأموال، وربطت الإفراج عن الأصول بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.

لماذا تكتسب هذه الأموال أهمية؟

يشكّل جزء كبير من الأصول الإيرانية المجمّدة عائدات نفطية تراكمت في بنوك أجنبية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي السابق (خطة العمل الشاملة المشتركة 2015) في عام 2018 وإعادة فرض عقوبات واسعة النطاق.

وقد جعلت العقوبات الثانوية من الصعب على الدول التي تشتري النفط الإيراني تحويل المدفوعات مباشرة إلى طهران، ما أدى إلى تراكم مبالغ ضخمة في حسابات خارجية.

ويقول اقتصاديون إن الوصول حتى إلى جزء من هذه الموارد قد يمنح الاقتصاد الإيراني دفعة كبيرة.

ومن أبرز الآثار الفورية لذلك زيادة احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، ما يعزز قدرته على إدارة تقلبات سعر الصرف. كما يمكن استخدام الأموال الإضافية في تمويل مشاريع البنية التحتية، وسداد التزامات الحكومة، ودعم استيراد السلع الأساسية والمعدات الصناعية والمواد الخام والتكنولوجيا اللازمة للصناعات المحلية.

كوريا الجنوبية

كانت كوريا الجنوبية تحتفظ بإحدى الكتل الكبيرة من الأموال الإيرانية المجمّدة.

فقد تراكم نحو 6 مليارات دولار من عائدات النفط في مصرفين كوريين جنوبيين قبل أن تُنقل إلى حسابات في قطر عام 2023 ضمن اتفاق لتبادل السجناء بين طهران وواشنطن.

ورغم أن المسؤولين الإيرانيين وصفوا الأموال آنذاك بأنها أُفرج عنها، فإن الوصول إليها ظل خاضعًا لقيود كبيرة، وبقيت الأموال إلى حد كبير خارج السيطرة المباشرة لطهران.

العراق

يمثل العراق مصدرًا رئيسيًا آخر للمطالبات المالية الإيرانية.
ويعود جزء كبير من هذه الأموال إلى مشتريات بغداد من الغاز الطبيعي والكهرباء الإيرانيين. وبينما لم يؤكد أي من الطرفين رقمًا محددًا بشكل علني، فقد كرر المسؤولون الإيرانيون القول إن المدفوعات المستحقة تبلغ عدة مليارات من الدولارات.

وقد استُخدم جزء من هذه الأموال بالفعل في شراء مواد إنسانية ضمن ترتيبات وافقت عليها الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن إيران قد تتمكن في نهاية المطاف من الوصول إلى ما بين 10 و12 مليار دولار محتجزة في العراق إذا جرى تخفيف القيود.

الصين والهند واليابان

تمثل الصين والهند حالة أكثر تعقيدًا؛ فالمسؤولون الإيرانيون غالبًا ما يتجنبون وصف الأموال الموجودة في هذين البلدين بأنها مجمّدة رسميًا، مؤكدين وجود آليات تسمح باستخدام جزء منها على الأقل في التجارة والاستيراد.

ومع ذلك، تبقى التحويلات المالية صعبة لأن البنوك والوسطاء الذين يسهّلون هذه العمليات يواجهون خطر التعرض للعقوبات الأميركية.

وتقدّر إيران الأموال الموجودة في الصين بعشرات المليارات من الدولارات، في حين يُعتقد أن الأموال الموجودة في الهند تبلغ نحو 7 مليارات دولار.

أما اليابان فتحتفظ أيضًا بأموال إيرانية مرتبطة بمبيعات النفط. وتتراوح التقديرات عادة بين 1.5 مليار و3 مليارات دولار، رغم أن الرقم الدقيق لا يزال غير واضح.

وقد سمحت السلطات اليابانية أحيانًا بإجراء مدفوعات محدودة للواردات الإنسانية أو لتسديد التزامات إيران تجاه المنظمات الدولية، لكن معظم هذه الأموال لا يزال غير متاح.

أوروبا

في أوروبا، تتوزع الأصول الإيرانية على عدة دول ومؤسسات مالية.
ولا يتحدد وضع هذه الأصول بالعقوبات فقط، بل أيضًا بالنزاعات القانونية والأحكام القضائية وقواعد مكافحة غسل الأموال.

وتُقدَّر قيمة الأصول الإيرانية المتأثرة بهذه العوامل بما يتراوح بين عدة مليارات من الدولارات وما يصل إلى 20 مليار دولار.

ومن أبرز القضايا القانونية نزاع يتعلق بمبلغ يتراوح بين 1.6 و2 مليار دولار مرتبط بحسابات تخص البنك المركزي الإيراني في لوكسمبورغ.

وقد ظلت هذه الأصول عالقة في دعاوى قضائية رفعها أصحاب أحكام صادرة عن محاكم أميركية يسعون للحصول على تعويضات مرتبطة بقضايا إرهاب.

وفي حين لا يزال الحجم الدقيق للأصول الإيرانية التي يمكن الإفراج عنها في نهاية المطاف غير واضح، فإن الوصول حتى إلى جزء منها قد يعزز احتياطيات إيران من النقد الأجنبي، ويخفف الضغوط على الواردات، ويوفر للحكومة هامشًا ماليًا مهمًا.

ولهذا السبب، أصبحت الأصول الإيرانية المجمّدة أحد أهم الملفات الاقتصادية في المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن.