من "البعثة" إلى "الحضارة".. كلمات مفتاحية لفهم التوجه الفكري لمجتبى خامنئي

منذ 8 مارس (آذار) 2026، عندما أعلن مجلس "خبراء القيادة" في إيران تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام، نُشر له نحو عشرين رسالة ونصًا.

منذ 8 مارس (آذار) 2026، عندما أعلن مجلس "خبراء القيادة" في إيران تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للنظام، نُشر له نحو عشرين رسالة ونصًا.
وبعض هذه الرسائل، مثل رسائل التعزية أو المناسبات الرسمية، اتسم بطابع بروتوكولي في الغالب، لكن ما لا يقل عن عشر رسائل أخرى تقدم صورة أوضح عن رؤيته السياسية والأيديولوجية.
وتتناول هذه الرسائل موضوعات متنوعة، من الجيش والبرلمان واللغة الفارسية، إلى الحج، وعيد "الغدير"، والخليج "الفارسي"، والاتفاق مع الولايات المتحدة، ومحور المقاومة.
ومع ذلك، فإن جمع هذه الرسائل معًا يُبرز كلمة واحدة أكثر من أي شيء آخر، وهي: "البعثة".
للوهلة الأولى، قد تبدو كلمة "البعثة" مجرد مصطلح ديني، لكن تكرارها في سياقات مختلفة يدل على أنها، في أدبيات مجتبى خامنئي، ليست مجرد تعبير ديني، بل قد تكون أحد المفاتيح الأساسية لفهم نظرته إلى الشعب، والحكم، ومستقبل النظام الإيراني.
"البعثة".. من مفهوم ديني إلى أداة سياسية
في التقليد الإسلامي، تعني البعثة الاصطفاء للقيام بمهمة إلهية؛ فالنبي يُبعث، أي تُلقى على عاتقه رسالة.
وفي رسائل مجتبى خامنئي أيضًا، لا تعني البعثة مجرد الاستيقاظ أو الوعي، بل تعني، قبل كل شيء، تكليفًا بمهمة.
ولهذا السبب يتحدث عن "بعثة الأمة الإيرانية"، و"بعثة الشعب"، و"بعثة الفنانين"، و"الأمة المبعوثة"، وحتى "الأمة الإسلامية المبعوثة".
وفي هذه الرواية، لا يُنظر إلى الناس بوصفهم مجرد مواطني دولة، بل باعتبارهم حملة رسالة تاريخية.
وهنا تحديدًا تتحول البعثة من مصطلح ديني إلى مفهوم سياسي.
"البعثة" تبدأ من الشعب
أولى الإشارات إلى هذا التصور ظهرت في رسالة مجتبى خامنئي بمناسبة الحج، في 26 مايو (أيار) الماضي.
ففي تلك الرسالة كتب أن الشعب الإيراني، بعد مقتل علي خامنئي، "نال بعثة إلهية"، وأنه، من خلال حضوره في جميع الساحات المطلوبة، شد أنظار العالم إليه.
غير أن أهم ما جاء في الرسالة هو قوله: "في أعقاب بعثة الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة، ستتحقق بعثة الأمة الإسلامية".
وفي هذه العبارة، توضع "بعثة الأمة الإيرانية" مباشرة إلى جانب "جبهة المقاومة"، ويُقدَّم الاثنان بوصفهما مقدمة لـ "بعثة الأمة الإسلامية".
ويتكرر هذا النمط في رسائل أخرى أيضًا. ففي رسالة يوم الفردوسي، يُطلب من الفنانين أن "يجعلوا بعثة الفنانين امتدادًا لبعثة الشعب"، وأن يوثقوا رواية هذه النهضة للتاريخ.
وفي رسالة افتتاح السنة الثالثة من الدورة الثانية عشرة للبرلمان، يُطلب من البرلمان أن يضبط نفسه "على مستوى الأمة المبعوثة".
وهكذا، لا تبقى البعثة محصورة بالشعب، بل تبدأ منه، ثم تمتد إلى الثقافة والفن، وتدخل المؤسسات الرسمية للدولة، وتنتهي بالاتساع إلى الأمة الإسلامية.
ولا يبدو هذا التسلسل عشوائيًا.
وفي رسالتي عيد الغدير وذكرى 4 يونيو (رحيل مؤسس النظام روح الله الخميني)، تتواصل الرواية نفسها.
يتحدث مجتبى خامنئي عن "بعثة جديدة" للشعب الإيراني، ويؤكد أن هذا الشعب، إلى جانب جبهة المقاومة، أصبح مصدر فخر للشعوب الأخرى.
كما يشير إلى "مرحلة جديدة من بعثة الأمة الإيرانية" وإلى "الأمة المبعوثة".
وفي جميع هذه الرسائل، يُصوَّر الشعب على أنه قوة اختيرت لأداء مهمة أكبر.
وترتبط هذه المهمة، في النهاية، بدعم جبهة المقاومة، ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، والمشاركة في صياغة نظام جديد في المنطقة والعالم.
البعثة.. الحلقة المفقودة في مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة
إذا وُضعت هذه الرسائل إلى جانب إحدى أهم نظريات المرشد الراحل، علي خامنئي، تتضح الصورة بصورة أكبر.
فقد تحدث المرشد الإيراني الراحل، طوال العقدين الماضيين، مرارًا عن "المسار الخماسي لتحقيق الحضارة الإسلامية الحديثة"، وهو مسار يبدأ بالثورة الإسلامية، ثم يمر بالنظام الإسلامي، والدولة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي، لينتهي بإقامة الحضارة الإسلامية الحديثة.
وفي هذه النظرية، لا يكفي إنشاء مؤسسات الحكم وحده، بل ينبغي أيضًا تغيير المجتمع، بحيث يرى الناس أنفسهم جزءًا من مهمة تاريخية.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار البعثة في رسائل مجتبى خامنئي الحلقة التي تكمل هذا المشروع.
ففي هذه الرواية، لا يُعد الناس مجرد مؤيدين للنظام، بل هم "أمة مبعوثة". ويتعين على الفنانين أن يتحركوا في امتداد بعثة الشعب، وعلى البرلمان أن ينسجم مع الأمة المبعوثة، ثم يتوسع هذا المسار ليشمل الأمة الإسلامية ويقترن بجبهة المقاومة.
وبعبارة أخرى، إذا كانت العملية الخماسية تمثل خريطة طريق النظام الإيراني للوصول إلى الحضارة الإسلامية الحديثة، فإن البعثة تمثل محاولة لتعريف القوة البشرية التي ستقود هذا المشروع؛ أي الشعب الذي يُفترض أن يدفع هذا المسار إلى الأمام.
البعثة والمقاومة... والنظام الجديد
لا يقتصر الربط بين البعثة وجبهة المقاومة على الرسائل الدينية، بل يتكرر حتى في موضوع مثل الاتفاق مع الولايات المتحدة.
ففي رسالته بعد "مذكرة التفاهم" بين طهران وواشنطن، ذكر مجتبى خامنئي أنه، رغم معارضته الاتفاق في البداية، فإنه سمح بتنفيذه بسبب التزام رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي بـ "صون حقوق الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة".
ويظهر النمط نفسه أيضًا في رسالة اليوم الوطني للخليج؛ حيث كتب أن سلسلة الانتصارات الناتجة عن "سياسات المقاومة واستراتيجية إيران القوية" ستكون بداية "لنظام جديد في المنطقة والعالم".
وإذا جُمعت هذه الرسائل معًا، يمكن القول إن بعثة الشعب، وجبهة المقاومة، والنظام الجديد تمثل ثلاث حلقات في سلسلة واحدة؛ سلسلة تبدأ من داخل إيران، لكن هدفها النهائي يتجاوز حدودها.
لماذا تكتسب "البعثة" هذه الأهمية؟
قد يُقال إن كلمات مثل "المقاومة"، و"الولايات المتحدة"، و"إسرائيل"، أو "الأمة الإيرانية" تكررت أكثر في رسائل مجتبى خامنئي، لكن أهمية البعثة لا تكمن في عدد مرات تكرارها، بل في الموقع الذي تحتله داخل بنيته الفكرية.
فـ "المقاومة" تُعد منذ سنوات إحدى الكلمات المفتاحية الثابتة في خطاب النظام الإيراني، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمثلان العدوين الدائمين لهذا الخطاب.
أما "البعثة"، فهي الكلمة التي تعيد تعريف دور الشعب.
ووفق هذا التصور، لا يكون الناس مجرد داعمين للنظام أو مشاركين في الانتخابات والمسيرات، بل يصبحون "مبعوثين"؛ أي أصحاب رسالة تتجاوز حدود الدولة، بل وحتى حدود الوطن.
ولهذا السبب، لا تمثل البعثة في رسائل مجتبى خامنئي مجرد مفهوم ديني، بل لغة جديدة لتعريف العلاقة بين الشعب والمشروع السياسي للنظام الإيراني.
لكن لماذا يصر مجتبى خامنئي إلى هذا الحد على مفهوم البعثة؟
باختصار، تعني البعثة في هذه الرسائل شعبًا جرى اختياره لأداء مهمة.
والسؤال الأساسي ليس: من الذي اختار هذا الشعب؟ بل: ما هي هذه المهمة تحديدًا؟
والإجابة لا بد من البحث عنها في مجمل رسائله.
فكلما وُضعت هذه الرسائل جنبًا إلى جنب، أصبح أكثر وضوحًا أن البعثة ليست الهدف النهائي، بل وسيلة للوصول إلى هدف أكبر.
ففي أول رسالة له بعد توليه منصب المرشد، كتب مجتبى خامنئي: "إن قضية المقاومة وجبهة المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإيرانية".
وفي الرسائل اللاحقة، يتواصل المسار نفسه؛ إذ يتحدث عن لبنان، وفلسطين، والعراق، واليمن، وعن ضرورة صون "حقوق الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة" معًا في الاتفاق مع الولايات المتحدة، وصولًا إلى "النظام الجديد في المنطقة والعالم" الذي يُفترض أن يتشكل في ظل استراتيجية المقاومة.
وإذا قُرئت هذه الرسائل في إطار نظرية "المسار الخماسي لتحقيق الحضارة الإسلامية الحديثة"، فإنها تقدم صورة أكثر تماسكًا.
لقد تحدث علي خامنئي لسنوات عن مشروع كان من المفترض أن يقود من الثورة الإيرانية إلى حضارة حديثة. أما مجتبى خامنئي، فقد تحدث، على الأقل في الرسائل المنشورة حتى الآن، عن مفهوم يمكن أن يمثل القوة المحركة لذلك المشروع نفسه، وهو "الأمة المبعوثة".
ولعل هذا ما يجعل "البعثة" أهم كلمة مفتاحية في بداية عهد قيادة مجتبى خامنئي؛ فهي لا تعيد تعريف مكانة الشعب فحسب، بل تعيد أيضًا تحديد دوره في مواصلة المشروع الأيديولوجي للنظام الإيراني، وهو المشروع الذي كان من المفترض، وفق رؤية المرشد السابق، أن ينتهي إلى "الحضارة الإسلامية الحديثة"، والذي يواصله المرشد الجديد، بحسب رسائله، مع التمركز حول جبهة المقاومة وفي أفق "النظام الجديد في المنطقة والعالم".
وإذا كان هذا التفسير صحيحًا، فإن "البعثة" ليست مجرد اختيار لغوي أو ديني، بل قد تمثل حلقة الوصل بين خطاب المرشد الثاني وخطاب المرشد الثالث للنظام الإيراني.
وتُظهر هذه الحلقة أنه، على الأقل في الرسائل المنشورة حتى الآن، لا يلاحظ أي تغيير جوهري في التوجه الأيديولوجي للنظام الإيراني، بل يبدو أن هناك محاولة لمواصلة المشروع نفسه بلغة جديدة، وبصياغة جديدة لدور الشعب فيه.