ومع ذلك، شكلت الأسلحة المصادرة في هذه العملية نقطة تحول رئيسية في القضية؛ إذ أظهرت الفحوصات أن السلاح المضبوط في مسرح الجريمة مرتبط بـ 27 حادثة إطلاق نار مستقلة أخرى في منطقة تورونتو الكبرى.
وكشف رئيس شرطة تورونتو، مايران دمكيو، أن تتبع هذه الهجمات يظهر نمطًا سلوكيًا مشتركًا ومثيرًا للقلق، وهو: "تجنيد المرتزقة المأجورين من الشباب".
وكانت هذه الشبكة متعددة الطبقات تستغل المراهقين والمجرمين المحليين، وتجندهم عبر تطبيقات المراسلة المشفرة مثل: "تلغرام، واتساب، وسيغنال". وكان الشرط الأساسي لدفع أجور هؤلاء المراهقين هو أن يقوموا بالتصوير باليد الأخرى أثناء إطلاق النار، لإرسال المستندات التي تثبت تنفيذ العملية إلى الجهات الآمرة.
وتم حتى الآن تحديد هوية العديد من المتهمين في هذه السلسلة العملياتية؛ من بينهم شيلدون تريسي ستيوارت (18 عامًا) الذي أُصيب واعتُقل خلال الاشتباكات، وزارا جبي (19 عامًا) الهاربة حاليًا والتي تلاحقها الشرطة.
الذراع التنفيذية للنظام الإيراني
يؤكد محققو القضية أن هؤلاء المراهقين كانوا مجرد أدوات تنفيذية، وأن الجذور الرئيسية للشبكة تمتد إلى خارج الحدود. وتُظهر وثائق المحكمة الفيدرالية الأميركية أن المخطط والمهندس الرئيسي لعدد من هذه الإجراءات هو مواطن عراقي يُدعى محمد باقر سعد داود الساعدي، الذي وُجهت إليه التهم في محكمة بنيويورك. وهو أحد قادة جماعة "كتائب حزب الله" العراقية المدعومة من النظام الإيراني.
ووفقًا للوثائق الرسمية الصادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، فقدد أكد الساعدي بصراحة في مكالمة مسجلة أن "قواتهم" نفذت الهجوم على القنصلية الأمريكية في تورونتو ردًا على التحركات العسكرية والعقوبات التي فرضتها واشنطن ضد إيران.
وكان الساعدي قد قال للمقربين منه قبل اعتقاله: "لدينا أفرادنا في أميركا وكندا وأوروبا لتنفيذ العمليات".
وتُظهر معلومات خاصة وسرية، حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، من مصادر في الشرطة، وجود ارتباط يمكن تتبعه بين عمليات إطلاق النار في تورونتو وشبكة الإمداد والدعم والتجهيز القادمة من طهران، والتي تهدف إلى تطبيق استراتيجيات الحرب بالوكالة على الأراضي الكندية. (وتعتذر القناة عن ذكر اسم المصدر الذي زودها بهذه المعلومات لأسباب أمنية).
تجاهل الهجوم على المعارضة الإيرانية.. قضية سالار غلامي
لكن أبعاد هذا السيناريو تصبح أكثر تعقيدًا عند النظر في توازي هذه الهجمات مع استهداف الناشطين السياسيين الإيرانيين في كندا؛ وهو موضوع يبدو أنه ظل حتى الآن خارج رادار وسائل الإعلام الكندية.
وفي أواخر الشتاء الماضي، وبالتزامن مع الهجمات على القنصلية الأميركية ودور العبادة اليهودية، تعرض النادي الرياضي التابع للناشط السياسي الإيراني الكندي في تورونتو، سالار غلامي، لهجوم مسلح عنيف.
ويُعد هذا النادي المقر الرئيسي لتنظيم التجمعات والأنشطة المناهضة للنظام الإيراني في المنطقة. وقع الهجوم في الساعات الأولى من يوم 28 فبراير (شباط) الماضي، بعد ساعات قليلة فقط من مقتل المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي. وخلال الهجوم، أُطلقت 17 رصاصة على الأقل باتجاه المبنى، وأصابت بعضها طوابق أخرى.
وفي حديثه مع "إيران إنترناشيونال"، قال سالار غلامي إن المهاجم- بناءً على مقاطع الفيديو المسجلة- كان شخصًا نحيفًا وخفيف الوزن يغطي وجهه، وهو ما يتطابق تمامًا مع النمط السلوكي المتبع في تجنيد المراهقين بحوادث إطلاق النار الأخرى.
وأضاف أنه بعد الواقعة، انتقلت شرطة منطقة يورك وشرطة تورونتو وحتى مسؤولو الأمن القومي إلى الموقع مرارًا، لكن لم يتم إجراء أي متابعة جادة لربط هذه القضية بشبكة الاغتيالات التابعة للنظام الإيراني.
ناقوس خطر لا يُسمع
إن قضية إطلاق النار على نادي سالار غلامي وتزامنها الدقيق مع سلسلة الهجمات الإرهابية ضد أهداف غربية ويهودية، تعكس بوضوح رسالة منسقة من النظام الإيراني، وهي: محاولة ترهيب الولايات المتحدة، وإسرائيل، والمعارضة الإيرانية النشطة في آنٍ واحد.
ومع ذلك، فإن ما يثير إحباط الجالية الإيرانية الكندية هو النهج السلبي للأجهزة الأمنية.
وفي جزء آخر من هذه المقابلة، أعرب سالار غلامي علانية عن استيائه من هذا الوضع، واصفًا إياه بـ "الإجحاف والإهانة الكبيرة" للجالية الإيرانية. وأوضح أنه على الرغم من أن الإيرانيين في كندا يكنون دائمًا أعلى درجات الاحترام للقوانين ولشرطة هذا البلد، فإن الجهاز القضائي والشرطة لم يشيرا أو يستجوبا المتهمين في هذه الشبكة بشأن الهجوم على المركز التابع للمعارضة الإيرانية، حتى أثناء توجيه التهم إليهم.
وتحذر الجالية الإيرانية المقيمة في كندا منذ سنوات من نفوذ عملاء ومروجي وشبكات النظام الإيراني الوكيلة، وتطرح هذا الأمر كناقوس خطر جدي يهدد الأمن العام.
ومع ذلك، ورغم وقوع عمليات إرهابية علنية ومقتل ضباط كبار في الشرطة، يبدو أن تتبع وشل حركة الأذرع الإرهابية التابعة للنظام الإيراني ضد المعارضين الإيرانيين لا يزال باهتًا وضمن الأولويات الثانوية في "الرادار الأمني والشرطي" بكندا، وهو ما تغلغل عبره هذه الشبكات مستغلة الثغرات القانونية لاستمرار تهديداتها.