وتقدّم هذه المعلومات الجديدة صورة أكثر دقة لنمط القتل وحجم الجريمة، التي يمكن الجزم الآن بأنها أكبر وأشدّ مجزرة دموية بحق متظاهرين في الشوارع خلال فترة زمنية لا تتجاوز يومين، في تاريخ العالم.
وفي السياق ذاته، وصلت إلى «إيران إنترناشيونال» تقارير وأدلة صادمة تفيد بتنفيذ إعدامات دون محاكمة بحق عدد من الموقوفين في طهران ومدن أخرى. كما أن الصور الواردة من المشارح لا تترك مجالًا للشك في أن عددًا من المواطنين المصابين، الذين كانوا منوّمين ويتلقّون العلاج في المستشفيات، تعرّضوا لإطلاق نار مباشر في الرأس.
وتُظهر الصور بوضوح أن بعض الجثامين ما زالت موصولة بأنابيب وأجهزة طبية خاصة بالمراقبة الحيوية، كما تظهر أقطاب تخطيط القلب على صدور بعض الضحايا، وهي أدلة تؤكد أنهم كانوا تحت رعاية طبية قبل إصابتهم برصاص في الرأس. وقد أكدت مجموعة من الأطباء والممرضين، في حديثهم لـ«إيران إنترناشيونال»، إطلاق «رصاصة الرحمة» على المصابين.
مقتل ما لا يقل عن 36 ألفًا و500 شخص في أكبر مجزرة شوارع في التاريخ
كانت هيئة تحرير «إيران إنترناشيونال» قد أعلنت في بيانها السابق، الصادر في 13 يناير، أن مصادر أمنية داخل نظام الجمهورية الإسلامية قدّرت العدد الأولي للضحايا بما لا يقل عن 12 ألف قتيل، وفق تقرير قدّمه جهاز استخبارات الحرس الثوري إلى المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب رئاسة الجمهورية في 11 يناير، أي بعد يومين من مجزرة 9 يناير.
وقد حصلت «إيران إنترناشيونال» الآن على معلومات أكثر تفصيلًا قُدّمت من جهاز استخبارات الحرس الثوري إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، كما تلقت مؤسسات حكومية أخرى أرقامًا متفاوتة من أجهزة أمنية مختلفة. ومع ذلك، وبسبب الحجم الهائل للقتل، والتكتّم المتعمّد، والفوضى في تسجيل وتسليم الجثامين، والضغط الأمني على العائلات، إضافة إلى دفن بعض الضحايا سرًا، يبدو أن حتى الأجهزة الأمنية نفسها لا تمتلك حتى الآن رقمًا نهائيًا ودقيقًا لعدد القتلى.
وبحسب تقرير قُدّم يوم الأربعاء 21 يناير إلى لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، بلغ عدد الضحايا ما لا يقل عن 27 ألفًا و500 شخص. كما أفادت مصادر موثوقة في وزارة الداخلية «إيران إنترناشيونال» بأن تجميع أرقام مجالس الأمن في المحافظات حتى الثلاثاء 20 يناير أظهر أن عدد القتلى تجاوز 30 ألفًا.
وأفاد مصدران مطّلعان في المجلس الأعلى للأمن القومي بأن تقريرين حديثين لجهاز استخبارات الحرس الثوري، بتاريخي 22 و24 يناير، قدّرا عدد القتلى بأكثر من 33 ألفًا، ثم بأكثر من 36 ألفًا و500 شخص.
وتشير تقارير وزارة الداخلية إلى أن القوات الأمنية واجهت المتظاهرين في أكثر من 400 مدينة وقضاء، وأن عدد نقاط الاشتباك في أنحاء البلاد تجاوز 4 آلاف نقطة.
ورغم كل الفوضى والتكتّم، فإن الوتيرة المتسارعة لارتفاع أعداد القتلى في التقارير السرية الرسمية تعزّز المخاوف من أن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك.
وبسبب القيود على الاتصالات والضغوط الأمنية، لا يزال الحصول على أرقام مستقلة أمرًا بالغ الصعوبة، غير أن المعلومات الموثوقة من مصادر طبية وشهود عيان تشير إلى أرقام صادمة في عدد من المدن الكبرى. ووفق تقديرات حذرة أعدّتها مصادر طبية بناءً على أعداد الجثامين التي نُقلت إلى المستشفيات:
أكثر من 2500 قتيل في رشت
ما لا يقل عن 1800 في مشهد
أكثر من 2000 في أصفهان ونجفآباد وخوراسكان
ما لا يقل عن 3000 في كرج وشهريار ومدينة أنديشه
700 في كرمانشاه
400 في جرجان
ولا تتوفر حتى الآن أرقام دقيقة عن إجمالي القتلى في طهران، إلا أن الصور الواردة من كهريزك ومستشفيات العاصمة تشير إلى مقتل آلاف الأشخاص، معظمهم في جنوب طهران.
تفاصيل مروّعة لجريمة تاريخية
1) أفاد ثلاثة أطباء وأربعة ممرضين في طهران بأن القوات الأمنية دخلت المستشفيات واقتادت بعض المصابين الذين كانوا يتلقون العلاج. كما تُظهر الصور والفيديوهات المتداولة جثامين مصابة بطلقات في الرأس مع دلائل واضحة على دخولها المستشفى.
وأكد ممرضتان أن عنصرًا أمنيًا صعد فجأة إلى سيارة إسعاف في غرب طهران وأطلق رصاصتين متتاليتين على شاب مصاب أمام أعينهما، بعد أن كان قد تعرّض لضرب مبرح وكان في حالة شبه غيبوبة. وقد صادق طبيب مختص وموثوق في أحد مستشفيات طهران على هذه الرواية.
كما وردت تقارير عن اعتقال أشخاص من منازلهم ثم إبلاغ عائلاتهم بمراجعة كهريزك لاستلام جثامينهم، إضافة إلى حالات أقدمت فيها القوات الأمنية على استدراج أشخاص إلى أبواب منازلهم، بذريعة تسليم طرد بريدي، ثم إطلاق النار عليهم وقتلهم.
وإذا ما تأكدت هذه الشهادات عبر تحقيقات مستقلة، فإننا نكون أمام حالات واضحة من القتل خارج نطاق القضاء، والتي إذا ثبت اتساع نطاقها، يمكن تصنيفها ضمن جرائم ضد الإنسانية.
وقد أثار إخفاء أعداد المعتقلين، وعدم معرفة أماكن الاحتجاز، وغموض أوضاع السجناء من حيث الرعاية الطبية والحق في التوكيل القانوني، قلقًا بالغًا لدى نشطاء حقوق الإنسان. ووصف محامٍ بارز داخل إيران الوضع الراهن بأنه «أزمة حقوق إنسان دولية»، محذرًا من أن الأجهزة الأمنية تستطيع قتل أي عدد من المحتجزين ثم الادعاء أنهم قُتلوا في الشوارع.
2) تُظهر طبيعة القتل المنظّم في عموم البلاد أن هذا القمع الوحشي تم بتوافق جميع مؤسسات الحكم وبأوامر من أعلى المستويات في النظام الإيراني. ووفق معلومات وصلت إلى «إيران إنترناشيونال»، استُخدمت في اجتماعات قادة الحرس الثوري بعد خطاب علي خامنئي في 9 يناير عبارات مثل «النصر بالرعب» و«قاتلوهم حتى لا تكون فتنة».
3) أفادت تقارير متعددة بأن عائلات الضحايا أُجبرت على دفع مبالغ طائلة تحت مسمى «ثمن الرصاص» مقابل استلام الجثامين، وفي بعض الحالات جرى تسجيل القتلى قسرًا كعناصر في قوات الباسيج.
4) ورغم أن القسم الأكبر من القتل نفّذته قوات الحرس الثوري والباسيج، تشير تقارير موثوقة إلى الاستعانة بقوات موالية للنظام الإيراني من العراق وسوريا للمشاركة في القمع، في مؤشر على قرار برفع القدرة القمعية بأسرع وقت ممكن.
وأكدت «إيران إنترناشيونال» أنها ستنشر أي معلومات إضافية تتوفر لديها في بيانات لاحقة.
دعوة لإرسال الوثائق
تدعو «إيران إنترناشيونال» جميع المواطنين داخل إيران وخارجها إلى إرسال أي وثائق أو مقاطع فيديو أو صور أو شهادات صوتية أو معلومات حول الضحايا والمصابين والمستشفيات وأماكن وتوقيت الأحداث. وتؤكد أن أمن المصادر وسرية المعلومات أولوية قصوى، وتنصح من يخشى على سلامته بعدم إرسال بيانات شخصية.
بعد التحقق الدقيق، ستُنشر النتائج وستُحال إلى جميع الجهات الدولية المعنية. الحقيقة ستُوثَّق، وأسماء الضحايا ستُحفظ، وهذه الجريمة لن تُدفن في الصمت.