10 خصائص تجعل احتجاجات إيران أكثر قوة

اندلعت الاحتجاجات في إيران، وتمكّنت بسرعة من الانتشار من طهران إلى مدن أخرى، كما نجحت في استقطاب حركات مدنية ونقابية أخرى إلى جانبها؛ من بينها الطلاب الذين نظموا تظاهرات متعددة دعمًا للاحتجاجات.

اندلعت الاحتجاجات في إيران، وتمكّنت بسرعة من الانتشار من طهران إلى مدن أخرى، كما نجحت في استقطاب حركات مدنية ونقابية أخرى إلى جانبها؛ من بينها الطلاب الذين نظموا تظاهرات متعددة دعمًا للاحتجاجات.
ما يُشاهَد اليوم في شوارع إيران لم يعد مجرد رد فعل نقابي على تقلبات أسعار الصرف، بل بات احتجاجًا عميقًا وصريحًا على بنية حكم النظام الإيراني، وهو احتجاج تمنحه الخصائص العشر التالية قوة مضاعفة:
1- أولى النقاط، وربما أهمها، هي عودة الاحتجاجات الاقتصادية إلى صلب السياسة في إيران. فالمطالب المعيشية، في التاريخ المعاصر للنظام الإيراني، غالبًا ما جرى تحقيرها. فمنذ السنوات الأولى بعد الثورة، روّج آية الله الخميني لرواية مفادها أن الثورة لم تكن من أجل الاقتصاد أو "سعر البطيخ"، وكان يُقزّم المطالب الرفاهية إلى مطالب "حيوانية".
وهذا المنظور، المتجذر في نوع من الأيديولوجيا "العرفانية"، استمر لعقود لدى قطاعات من النخب السياسية، بل وحتى لدى بعض أطراف المعارضة. وكانت احتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، التي اندلعت بسبب رفع أسعار البنزين، نقطة تحوّل في كسر هذا المحظور. ومع ذلك، ظل كثير من الفاعلين السياسيين ينظرون إلى تلك الاحتجاجات على أنها "انتفاضة خبز" وتفتقر إلى القدرة الديمقراطية. أما الاحتجاجات الحالية للتجار وأصحاب المحال، فتُظهر أن المطالب الاقتصادية البسيطة قد تكون أعمق من كثير من الشعارات السياسية، وتمتلك من هذا المنطلق قابلية أوسع للانتشار والشمولة.
2- التضخم المرتفع والركود رافقا حياة الإيرانيين لسنوات، لكن ما يجري اليوم في الأسواق لا يمكن وصفه بتضخم فحسب، بل يعكس حالة أقرب إلى الانهيار الاقتصادي. فالتجار وأصحاب المحال في أي بلد، ومنها إيران، يمتلكون عادة قدرة أكبر من غيرهم على تحمّل الضغوط الاقتصادية ونقلها، إذ يمكنهم بيع السلع التي اشتروها بسعر مرتفع بأسعار أعلى، وضمان أرباحهم. غير أن التقلبات الحادة في سعر الصرف وعدم استقرار السياسات، سلبت حتى من هذه الفئة إمكانية التخطيط، وجعلت النشاط الاقتصادي في إيران عمليًا شبه مستحيل.
3- شكّل التجار أحد الأعمدة التاريخية للثورة الإيرانية؛ وهي شبكة متماسكة ذات روابط أيديولوجية ومالية مع رجال الدّين. ولم تلعب هذه الشبكة دورًا محوريًا في انتصار الثورة فحسب، بل عُدّت أيضًا خلال العقود الأربعة الماضية من أبرز داعمي النظام الإيراني. واحتجاج التجار يعني أن الحكومة فقدت الدعم الفكري والمالي لشريحة واسعة ومؤثرة من هذه الفئة.
4- التوسع السريع للاحتجاجات من طهران إلى المدن الكبيرة والصغيرة لافت للنظر. فهذا النمط يدل على أن الحركات الاحتجاجية الأخيرة في إيران لم تعد متمركزة في طهران، ولا حتى في المدن الكبرى فقط. فإذا كانت "الحركة الخضراء" عام 2009 متركزة أساسًا في المدن الكبرى، فإن احتجاجات السنوات الأخيرة نجحت في استقطاب المدن الصغيرة والهامشية بسرعة. هذه السرعة في الانتشار مؤشر على وجود سخط عميق وعام.
5- الدعم السريع من اتحادات السائقين وسائقي الشاحنات، ثم انضمام الحركة الطلابية، يُظهر أن التشكيلات والمجموعات المختلفة، ذات الخلفيات المتباينة تمامًا، توصلت إلى قناعة مشتركة بأن جذور المشكلات واحدة. ويمكن التنبؤ بانضمام حركات أخرى، مثل الحركات النسوية أو العمالية، إلى هذه الموجة.
6- تُظهر هذه الاحتجاجات مرة أخرى أن نقطة انطلاق الحركات الاجتماعية ليست بالضرورة كبيرة أو رمزية أو مُخططًا لها مسبقًا. ففي السنوات الماضية، استند جزء من التحليلات في إيران إلى افتراض مفاده أن الاحتجاجات الواسعة لا تتشكل إلا ردًا على أحداث كبرى، مثل الاعتراض على نتائج الانتخابات أو وفاة علي خامنئي. لكن تجربة الحركات الأخيرة في إيران تحدّت هذا التصور. وكما أدّى رفع أسعار البنزين في نوفمبر 2019، أو وفاة مهسا (جينا) أميني في الاحتجاز، إلى اندلاع احتجاجات واسعة، بدأت احتجاجات التجار الحالية أيضًا من مسألة تبدو بسيطة ويومية.
غير أن هذه المطالب، مع توسّع الاحتجاجات، ترتبط بأسئلة أعمق حول أسلوب الحكم، والمسؤولية، والمستقبل الاقتصادي للبلاد. ولهذا السبب تلاشى عمليًا الخط الفاصل بين الاحتجاج الاقتصادي والاحتجاج السياسي في إيران.
وتظهر الاحتجاجات الأخيرة أن المجتمع الإيراني لم يعد ينتظر عاملاً كبيرًا. فلا الانتخابات، ولا وفاة المرشد، ولا الأحداث الرمزية تعد شرطًا ضروريًا لبدء الحركات الاجتماعية. نقطة البداية قد تكون بسيطة جدًا، لكن ما يحدد نجاح هذه الحركات هو قدرتها على التوسع، والارتباط بمجموعات أخرى، والتحول إلى حركة تراكمية.
7- تُعد هذه أول موجة احتجاجية بعد الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران. ويواجه مسؤولو النظام الإيراني الآن مستوى من انعدام الأمن النفسي لم يختبروه من قبل. ويأتي ذلك في وقت يشجع فيه مسؤولون ووسائل إعلام إسرائيلية، رسميًا أو شبه رسمي، الشعب الإيراني على النزول إلى الشوارع، بل ويقدّمون وعودًا بالدعم (العسكري). وفي المقابل، قالت وسائل الإعلام الحكومية ومسؤولو النظام الإيراني إن هذه الاحتجاجات تهدف إلى تمهيد الطريق لهجوم إسرائيلي جديد. وتنظر السلطة هذه المرة إلى الاحتجاجات على أنها امتداد للتهديد الخارجي، الذي اختبرته مؤخرًا بشكل مباشر، وهو ما يضعها في موقع ضعف أشد بفعل هذا الخوف.
8- بعد يوم واحد فقط من بدء الاحتجاجات، اتخذ كبار المسؤولين السياسيين في أميركا موقفًا صريحًا حيالها. فقد أشار رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، خلال لقائه رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، مباشرة إلى الاحتجاجات، وقال إن النظام الإيراني يملك سجلاً في الاستخدام السريع للعنف في مواجهة الاحتجاجات الشعبية. وفي الوقت نفسه، اتخذت وزارة الخارجية الأميركية ومندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مواقف داعمة.
وفي الاحتجاجات السابقة، كان المسؤولون الغربيون يتبعون عادة نهجًا أكثر حذرًا. كانوا ينتظرون أولاً لمعرفة مدى اتساع الاحتجاجات واستمراريتها، ثم يتشاورون مع مستشاريهم الأمنيين والدبلوماسيين، وفي النهاية، إذا استمرت الاحتجاجات، يصدرون بيانات حذرة ومدروسة؛ بيانات تحاول في آن واحد تقديم دعم لفظي للشعب الإيراني وعدم استفزاز حساسيات السلطة الحاكمة.
إن السرعة والوضوح في رد فعل الحكومة الأميركية على احتجاجات هذه الأيام في إيران، يُعدان فرصة مهمة لهذه الحركة الاحتجاجية.
9- تبرز في كثير من مقاطع الفيديو شعارات داعمة لنجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، ما يدل على أن مركز قيادة الاحتجاجات، على الأقل في نظر عدد كبير من المحتجين، قد انتقل من الداخل إلى خارج البلاد. وقد يجعل هذا الانتقال قمع الاحتجاجات داخل إيران أكثر صعوبة.
10- صمت المرشد الإيراني، الذي كان دائمًا جزءًا من تكتيكه لتقييم الاحتجاجات وفي الوقت نفسه التقليل من شأنها، يكتسب هذه المرة دلالة مختلفة. فخامنئي، الذي يعيش الآن في الظل خوفًا من التهديدات، سيواجه صعوبة كبيرة في السيطرة على هذا الفضاء الشعبي. أدواته الخطابية السابقة- من "الفتنة" إلى "الاختراق" - استُهلكت، ومع كل ابتكار أو إطلاق وسم جديد، يُنفر جزءًا آخر من القاعدة الاجتماعية للنظام. الصمت هنا ليس علامة قوة، بل مؤشر على مأزق استراتيجي.
إن تزامن هذه الاحتجاجات مع 30 ديسمبر (كانون الأول)- وهو اليوم الذي دفع فيه خامنئي مؤيديه إلى الشوارع لكبح موجة احتجاجات عام 2009- يُظهر كيف نجح المحتجون في تجريد تقويم النظام الإيراني من هذه السرديات.