المتشددون في إيران يستهدفون ازدهار "ثقافة المقاهي"

أصبحت المقاهي، وأنماط الحياة الاجتماعية التي تشكّلت حولها، ساحة المواجهة الأحدث بين المتشددين في إيران، الذين باتوا يشعرون بأن سيطرتهم على السلوك اليومي للناس تتراجع وتفلت من أيديهم.

أصبحت المقاهي، وأنماط الحياة الاجتماعية التي تشكّلت حولها، ساحة المواجهة الأحدث بين المتشددين في إيران، الذين باتوا يشعرون بأن سيطرتهم على السلوك اليومي للناس تتراجع وتفلت من أيديهم.
وبرز هذا التوتر هذا الأسبوع عندما هاجم سعيد جليلي، أحد أبرز وجوه التيار المتشدد للغاية في إيران، ثقافة المقاهي واعتبرها "مخططًا غربيًا" يهدف إلى تقويض مؤسسة الأسرة.
وقال جليلي: "إنهم يعرّفون ثلاثة فضاءات: السكن الجامعي، ومكان العمل، وفضاء ثالث، مثل المقهى للهروب من الوحدة. في هذا النموذج تفقد الأسرة معناها، وهذا يتعارض مع فلسفة الإسلام بشأن الزواج".
وبالنسبة للتيارات المحافظة، التي لطالما أصرت على الفصل الصارم بين الجنسين والتطبيق المتشدد للحجاب الإجباري، فإن انتشار المقاهي لا يمثل مجرد تغيّر في عادات الترفيه، بل يشير إلى تراجع سلطتها على كيفية تواصل الناس اجتماعيًا واستخدامهم للفضاء العام.
حتى في المعاقل الدينية
أفاد أشخاص زاروا إيران مؤخرًا بتوسع لافت في ثقافة المقاهي، بما في ذلك في مراكز دينية مثل "قم"، التي كانت تُعد تقليديًا من أكثر المدن مقاومة لمثل هذه التحولات الاجتماعية. ويشير محللون إلى أن هذا الاتجاه لا يعكس فقط تفضيلات الأجيال الجديدة، بل أيضًا الضغوط الاقتصادية.
وكتب موقع "جريان24" الإخباري: "في وقت أُلغيت فيه كثير من أشكال الترفيه التقليدية بسبب الصعوبات الاقتصادية، باتت المقاهي المكان الوحيد القادر على سد الفراغ الترفيهي لدى الشباب"، واصفًا هذه الظاهرة بنسخة من "تأثير أحمر الشفاه".
وكان انتشار المقاهي في مدن، مثل "قم" و"مشهد"، مقلقًا بشكل خاص للمتشددين للغاية.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أدان النائب المتشدد عن مدينة "قم" في البرلمان الإيراني، منان رئيسي، افتتاح مقهى جديد في المدينة، محذرًا من أن "الناس أنفسهم" سيتدخلون.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة من الحدث شبانًا وشابات يتواصلون اجتماعيًا في تجمع يقوده منسق موسيقي (دي جي)، وهي مشاهد أثارت غضب المحافظين في مدينة تضم أهم الحوزات العلمية الشيعية في إيران.
وأُغلق المقهى خلال يوم واحد فقط. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلن أحد أعضاء مجلس مدينة "قم" إلغاء رخصة المالك، ورفع دعاوى جنائية ضده بتهمة "الترويج للفساد الأخلاقي".
وتفاقم هذا القلق مع ما يراه المتشددون تراجعًا من قِبل السلطات عن تنفيذ قانون "الحجاب الإجباري"، الذي أقره البرلمان عام 2023، ثم جُمّد لاحقًا بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي، خشية ردود فعل شعبية واسعة.
المجتمع تجاوز هذا الخطاب
أثارت تصريحات جليلي موجة انتقادات واسعة في وسائل الإعلام الإيرانية وعلى منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر منتقدون أن هذه التصريحات تكشف عن فجوة متزايدة بين أيديولوجيا المتشددين وواقع الحياة اليومية للمجتمع.
ووصف رئيس التحرير السابق لموقع "قم نيوز"، سيد علي بورتباطبائي، ثقافة المقاهي بأنها "الكابوس الجديد لسعيد جليلي وأنصاره".
وقال: "إن جليلي لا يخشى المقاهي لأنه يعتقد أن الغرب يدمّر الأسرة، بل لأنه يرى فيها رمزًا لمجتمع لم يعد بحاجة إليه أو إلى أيديولوجيته، ولا يصوّت لها".
وذهب الخبير القانوني، محسن برهاني، إلى أبعد من ذلك، فكتب أن هذا النوع من التفكير "لا يمنح أي قيمة لحرية اختيار المواطنين"، مضيفًا أنه حتى الأنظمة الاستبدادية في الماضي لم تسعَ إلى تنظيم أو ضبط المقاهي.
وما تكشفه هذه السجالات لا يتعلق بالقهوة بقدر ما يتعلق بالسلطة. فمع تراجع آليات السيطرة التقليدية، اكتسبت أماكن تبدو عادية دلالة سياسية، لتتحول إلى مساحات يتجسد فيها- بهدوء وبوضوح- الصراع على مستقبل إيران الاجتماعي.