تبحث دراسة جواد أفشاركهَن، ومحمد تقي سبزه اي وإسماعيل بلالي، أعضاء هيئة التدريس في قسم العلوم الاجتماعية بجامعة بوعلي سينا في همدان، في تأثيرات التضخم طويل الأمد على هيكل الحياة الاجتماعية في إيران، وترسم صورة تحذيرية لعواقبه.
وزنُشرت هذه المقالة في أحدث عدد من الدورية نصف السنوية "أبحاث علم الاجتماع المعاصر".
ويعتقد الباحثون أن التضخم في إيران لم يعد ظاهرة اقتصادية فقط، بل أصبح "دورة لإعادة إنتاج القضية الاجتماعية".
واستندت هذه الدراسة إلى الإحصاءات الرسمية ومراجعة عشرات الأبحاث المحلية والدولية، وأظهرت أن خمسة عقود من التضخم المنفلت في إيران لم تضغط فقط على المعيشة والراحة النفسية للمواطنين، بل تآكلت تدريجيًا أسس الثقة الاجتماعية، والعلاقات الجماعية، والشعور بالأمان الوظيفي.
عدم الأمان وعدم الاستقرار.. تجربة مشتركة للجميع
استشهد الباحثون ببيانات البنك المركزي، مذكرين بأن معدل التضخم السنوي في إيران منذ بداية السبعينيات وحتى اليوم كان تقريبًا دائمًا مزدوج الرقم، ووصل في بعض السنوات إلى حدود 50 بالمائة.
وبحسب قولهم، فإن هذا المسار طويل الأمد جعل التضخم يتجاوز كونه مجرد مؤشر اقتصادي، ليصبح "خطرًا اجتماعيًا".
وتشير المقالة إلى أن التضخم "يعبث بأهم المعلومات" في المجتمع، أي الأسعار. وبناءً عليه، عندما يواجه الناس أسعارًا متقلبة يوميًا، يصبح شعور عدم الأمان وعدم الاستقرار تجربة مشتركة للجميع، وتنتشر حالة الغموض في الحياة اليومية.
واستندت هذه الدراسة إلى التحليل النظري والوثائقي، وجمهور الدراسة هو الاقتصاد والمجتمع الإيراني، خلال العقود الأربعة الأخيرة.
وخلال هذه الفترة، جُمعت معدلات التضخم السنوية منذ منتصف السبعينيات وحتى ما بعد عام 2021، إلى جانب مؤشرات مثل الفقر والجريمة وغيرها من الأضرار الاجتماعية.
من مائدة الأسرة إلى رأس المال الاجتماعي
أكد الباحثون عند مراجعة الدراسات الميدانية السابقة أن التضخم لا يقلص فقط مائدة الأسر منخفضة الدخل، بل له آثار نفسية وأخلاقية على الشباب والمتقاعدين والطبقة المتوسطة أيضًا.
وفي إحدى الدراسات المشار إليها، تحدث شباب الطبقة الدنيا عن "عطش المال"، و"الغرق في الغموض"، و"البلوغ المبكر" في ظل ظروف التضخم.
وكتب أفشاركهَن وزميلاه أن التضخم المزمن "يخلق مجموعات رابحة وخاسرة جديدة"، ويزعزع النظام الطبقي في المجتمع.
في هذا السياق، تُدفع الطبقة المتوسطة إلى الأسفل، ويزداد التطرف في الفردية، وتصبح العلاقات الاجتماعية باردة وحسابية. وفي مثل هذا الجو تنهار الثقة العامة، وينتشر "انحدار الأخلاق الجماعية".
الدورة المعيبة للتضخم والمركزية الحكومية
تركز الدراسة على دورة يكون فيها التضخم ليس مجرد نتيجة للسياسات فحسب، بل يسهم أيضًا في إعادة إنتاج تلك السياسات نفسها
وبناءً عليه، يؤدي التضخم المزمن إلى تغيير تفضيلات المواطنين، والتوجه نحو السياسات المرتكزة على الدولة، وفقدان الثقة الجماعية، وفي النهاية انهيار الأخلاق الجماعية؛ وهي دورة تعزز التضخم من جديد.
وتشير نتائج البحث إلى أن التضخم البنيوي على المستوى الفردي يترتب عليه "القلق، والارتباك، وعدم الاستقرار الفردي، وشعور بعدم القدرة على التنبؤ والانهيار الذهني"، وعلى المستوى الاجتماعي يؤدي إلى آثار سلبية مثل "ضعف الروابط الاجتماعية، والرتابة اليومية، وتجاهل الآخر، والتطرف الفردي".
وبحسب قول المؤلفين، فإن "النظام الذهني يكون معرضًا للتآكل، وينتشر الشعور باللا معنى".
وعلى الصعيد الكلي، يضعف التضخم المجتمع، وفي الوقت نفسه يعزز "الوهم" بقوة الدولة بشكل أكبر.
وفي هذا الوضع، يبحث المواطنون في الفراغ الناتج عن عدم الاستقرار عن فاعل قوي قادر على حل المشكلات؛ ما يعزز خطاب "المركزية الحكومية"، حتى وإن كانت الحكومة نفسها جزءًا من المشكلة.
والنتيجة النهائية لهذه العملية ليست مجتمعًا قويًا وحكومة قوية، بل "ثنائية المجتمع الضعيف والدولة الضعيفة"؛ حيث يفقد المواطنون القدرة على إعادة إنتاج النظام الاجتماعي، وفق رغباتهم ومصالحهم، ويقعون في الفقر المعرفي والمعيشي.
ويحذر الباحثون من أن التضخم طويل الأمد في إيران تجاوز كونه ظاهرة اقتصادية، وأن السيطرة عليه لا تتحقق فقط بالأدوات النقدية والمالية.
وبعبارة أخرى، يصبح التضخم بعد انتشاره "ظاهرة غير اقتصادية"، ومن ثم فإن مواجهته تتطلب سياسات تتجاوز المجال الاقتصادي؛ سياسات تستلزم إعادة النظر في العلاقات بين الدولة والمجتمع.