لماذا يجلس قادة إيران للإجابة عن الاستفسارات حاليًا؟

في ظل ضغوط غير مسبوقة داخليًا وخارجيًا بعد "حرب الـ 12 يومًا" في يونيو (حزيران) الماضي، يتبنى النظام الإيراني نبرات ورسائل جديدة لتهدئة القاعدة الشعبية.

في ظل ضغوط غير مسبوقة داخليًا وخارجيًا بعد "حرب الـ 12 يومًا" في يونيو (حزيران) الماضي، يتبنى النظام الإيراني نبرات ورسائل جديدة لتهدئة القاعدة الشعبية.
وأوضح مثال على ذلك يظهر في برنامج حواري سياسي ذي أجواء قاتمة؛ حيث يبدو أن القادة الإيرانيين الذين كانوا يوصفون بالثبات، مجبرون الآن على الجلوس لإجراء مقابلات معمقة بشكل غير معتاد.
ويعدّل أحد الجنرالات خاتمه قبل الإجابة. وآخر يصرّح بشكوى قبل أن يبدأ. جميعهم يواجهون- أو يحاولون مواجهة- أسئلة لا مفر منها يطرحها المضيف جواد موغويي، صانع الأفلام الوثائقية الذي طالما كان مرتبطًا بالنظام الحاكم.
ومنذ الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، تغيرت نبرة البرنامج بشكل ملحوظ: قصيرة ومباشرة، ومشحونة بالإحباطات المتداولة داخل النظام.
ليونة مفرطة تجاه الولايات المتحدة
كان أحد الضيوف مؤخرًا محمد رضا نقدي، مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني.
سأل موغويي عن الضربة الانتقامية لإيران على قاعدة أميركية في العراق بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في يناير (كانون الثاني) 2020.
وقال موغويي في "الضوء الخافت": "يعتقد كثيرون أن جذور الحرب الأخيرة تعود إلى تلك اللحظة. وأن ردنا كان ليّنًا جدًا". ثم قال بصوت منخفض: "هل تقبل أننا لم نصب الأميركيين بالشكل الكافي؟".
ابتسم نقدي، لكن دون ارتياح. وتم تأكيد استبداله بهدوء بعد أيام قليلة.
لم يُقتل أي أميركي في تلك الضربة، وذلك لأن طهران كانت قد أخطرت واشنطن بنيّاتها مسبقًا وبمهلة كافية.
وفي حلقة أخرى، سأل موغويي قائد الدفاع الجوي، غلام رضا جلالي، عن مكانه عندما ضربت إسرائيل طهران وقتلت العديد من كبار قادة إيران.
أجاب جلالي: "كنت في المنزل". توقف موغويي قليلًا، ثم قال: "ألا كان ينبغي على القوات المسلحة أن تكون مستعدة؟" فرد جلالي: "لم نتوقع أن يستهدفوا منازل القادة".
كما ظهر كبار المسؤولين الآخرين تحت نفس دائرة الضوء الضيقة: وزير الخارجية، عباس عراقجي، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ومستشار القائد الأعلى للحرس الثوري، أحمد وحيدي، وغيرهم.
وتم سؤال كل منهم عن الإشارات المفقودة وساعات بدء الحرب، وهي أسئلة لا يمكن طرحها إلا بموافقة السلطات العليا.
وقال المحلل السياسي، جابر رجبي، لـ "إيران إنترناشيونال" إن "الصراحة تعكس القلق داخل النظام الإيراني".
وأضاف: "الأسئلة التي يطرحها المضيف هي نفسها التي تُطرح داخل الحرس الثوري وبين مؤيدي النظام. إذا لم يحصلوا على إجابات مقنعة، فقد يؤدي ذلك إلى انشقاقات داخل هذه الصفوف".
التحول الوطني
هذا القلق ينعكس أيضًا في الرسائل الثقافية لطهران. ففي الأسابيع الأخيرة، كشفت العاصمة الإيرانية عن تمثال ضخم في ميدان انقلاب يصوّر الإمبراطور الروماني فاليريان راكعًا أمام شابور الأول، في تكرار لنقش صخري ساساني.
ويرسّخ المشروع حملة بعنوان "ستركعون أمام إيران مجددًا"، أُطلقت قرب ذكرى الاستيلاء على السفارة الأميركية عام 1979.
وتحت التمثال، توجد اثنتا عشرة لوحة تسرد لحظات "المقاومة" من الأساطير الفارسية إلى القتال ضد "داعش" والحرب الأخيرة التي استمرت 12 يومًا.
وشهد الكشف عن التمثال شاحنات بشاحنات متنقلة وعروض أوركسترالية، لكن المسؤولين أصرّوا على أنه ليس حدثًا ترويجيًا.
وقال رئيس منظمة تجميل طهران: "هذا استمرار لحقيقة تاريخية: كل غازٍ قد ركع أمام إرادة الشعب الإيراني".
النبرة لا تعني النية
لاحظت التقارير الأجنبية نفس التحول. فقد سلطت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية الضوء هذا الأسبوع على مسؤولين يجادلون بأن إيران "يجب أن تقرر ما إذا كانت تريد أن تكون قوة تتحدى الأمن الإقليمي أم تدعمه".
وردت مجلة "الإيكونوميست"، عند سؤالها عما إذا كان النظام الإيراني يمكن أن يصمد خمس سنوات أخرى، بأنه من المرجح أن يصمد، رغم أن "السؤال الكبير" هو ما إذا كان تغيير المرشد سيعني تغيير النظام.
وأضاف مراسل "الشرق الأوسط"، نيكولاس بيلهام، أن إيران تبدو كأنها "تحاول إعادة ابتكار نفسها"، مشيرًا إلى صعود الرموز الوطنية الصريحة.
وتشير كل هذه العناصر إلى مراجعة تكتيكية أكثر منها تحولاً: دولة مضطربة بما يكفي لتبرير قرارات كانت تعتبرها بديهية سابقًا، ومصممة على تغليف هذا القلق في سردية أكبر عن الحتمية التاريخية.
إنه تغيير في الأسلوب أكثر منه في الهيكل.. فنبرة إيران تغيّرت قليلاً مقارنة ببنيتها الأساسية.