ولم تعد الإجراءات مقتصرة على الرقابة أو الملاحقات القضائية، بل باتت تمتد إلى قطع مصادر الدخل، وتقييد المسار المهني، وتقليص النفوذ العام. وقد تُعطّل حسابات التواصل الاجتماعي، أو يُمنع نشر الأعمال الفنية والإعلامية.
وأحدث الأمثلة هو المقدم التلفزيوني المعروف ومقدّم البرامج الحوارية السابق، رضا رشید بور، الذي تم إيقاف برامجه دون أي توضيح، وسط مزاعم بأن السبب يعود إلى دعمه حملة الرئيس الأسبق، حسن روحاني، في انتخابات عام 2017.
وفي منشور على منصة "إكس" موجّه إلى الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، قال رشید بور إنه بات ممنوعًا من استخدام أي منصة لنشر أعماله.
وكتب: "قالوا لي إنني ممنوع من أي نشاط فني. مضت خمس سنوات.. وتمضي البقية كذلك. سأجلس في ركنٍ من منزلي، في وطني، وأراقب".
ورغم أن رشید بور ليس شخصًا هامشيًا، فإن الحصول على برنامج كبير في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية يستلزم تدقيقًا أمنيًا واسعًا، واختبارات ولاء، والالتزام بالخطوط الحمراء. ومع ذلك، فإن السقوط من دائرة الرضا الرسمي قد يحدث بسرعة مماثلة للصعود.
سياسة فاشلة
قليلون فقط يدافعون عن شخصيات مثله، أو غيره من الأفراد الذين كانوا من داخل المنظومة لكنهم أصبحوا لاحقًا غير مرغوب فيهم. فغالبًا ما ينظر إليهم الجمهور كأشخاص استفادوا من النظام، إلى أن قرر النظام الاستغناء عنهم.
وينطبق هذا النمط منذ سنوات على فنانين ورياضيين وحتى سياسيين. ويعد الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، مثالاً بارزًا على ذلك، بما تعرض له من تهميش وحظر ظهور إعلامي طويل الأمد.
وتساءل مقال في موقع "رويداد 24" هذا الأسبوع: "لماذا تستمر سياسة أثبتت فشلها لعقود في مجالات الثقافة والإعلام والسياسة، وتُستخدم مرارًا كأداة للسيطرة؟".
وأضاف المقال: "قليل من الأفعال يلفت الأنظار إلى صوت معيّن بقدر محاولة إسكاته".
وغالبًا ما تكون هذه القيود غير رسمية، لكنها فعالة للغاية. فعدد كبير من الفنانين والرياضيين، الذين دعموا الاحتجاجات أو انتقدوا الدولة، واجهوا قيودًا مشابهة خلال السنوات الماضية.
ممثل.. وموسيقي.. ولاعب كرة قدم
مُنعت الممثلة الشهيرة فاطمة معتمد- آريا من العمل في السينما بعد انتقادها سياسات النظام، وظهورها دون حجاب في مهرجان كان عام 2010، ما أدى إلى حظر عرض أفلام كانت قد انتهت من تمثيلها.
كما تم تهميش الموسيقار الكبير، محمد رضا شجريان، بعد تضامنه مع المتظاهرين عام 2009 وإطلاقه أغنية "أيها الجندي، اخفض سلاحك"، التي اعتُبرت رسالة مباشرة لقوات الأمن.
أما أسطورة كرة القدم الإيرانية، علي دائي، فقد تعرض لقيود بعد دعمه احتجاجات 2022، إذ صادرت السلطات جوازات سفره وجوازات أفراد عائلته، وأغلقت متجر المجوهرات والمطعم اللذين يملكهما في طهران.
وهذه القيود قد تستمر أسابيع أو سنوات، وغالبًا ما يتم رفعها بالقدر نفسه من الغموض، الذي فُرضت به، دون اتهام رسمي أو تفسير.
حملات قمع صامتة
شهدت الأشهر الأخيرة قطع الخدمة عن أرقام هاتفية خاصة بأفراد معينين، مع الضغط عليهم لإغلاق حساباتهم واسعة المتابعة على شبكات التواصل الاجتماعي.
وفي أغسطس (آب) الماضي، أفادت تقارير بأن السلطات الإيرانية حجبت شريحة الهاتف الخاصة بالصحافية سعیدة شفیعی، وأجبرتها على إغلاق حساباتها وتوقيع تعهّد بنشر محتوى مؤيد للنظام مقابل إعادة الخدمة.
وإزاء الضغوط، التي فرضتها "حرب الـ 12 يومًا"، في يونيو (حزيران) الماضي، والأزمات الاقتصادية والبيئية المتفاقمة، يبدو أن طهران بدأت تتراجع عن أساليبها الأكثر صدامًا.. لكنها تستبدلها الآن بطرق أكثر هدوءًا وتسللًا، وأشد تأثيرًا.