• فارسی
  • English
Brand
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
  • المظهر
  • اللغة
    • فارسی
    • English
  • إيران
  • إيران والعالم
  • التقارير
  • الثقافة والحياة
  • اقتصاد
  • أسواق
جميع الحقوق محفوظة، يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

من هرمز إلى البحر الأحمر… محور الضغط البحري الإيراني يعود للواجهة

مرضية حسيني
مرضية حسيني

إيران إنترناشيونال

15 نوفمبر 2025، 10:55 غرينتش+0

كان سلوك النظام الإيراني في المجال البحري خلال العقدين الماضيين يتبع نمطاً ثابتاً نسبياً: الاحتجاز الممنهج للسفن في المياه الخليجية وبحر عُمان، عادة تحت عنوانين محدّدين؛ إمّا الادعاء بتهريب الوقود أو ارتباط السفينة بإسرائيل.

وفي العديد من الحالات، سعت طهران إلى تقديم هذه الإجراءات في إطار "تأمين الأمن ومكافحة المخالفات البحرية"؛ وهي رواية تتمتع بمرونة قانونية وتمكّن النظام الإيراني من إظهار أفعاله بأنها مبرَّرة في تعاطيه مع دول المنطقة والهيئات الدولية.

فعلى سبيل المثال، يُصنّف احتجاز الناقلات التي تحمل الوقود المهرّب في يوليو (تموز) من هذا العام وأغسطس (آب) من العام الماضي (القضايا المرتبطة بناقلة بيرل-جي أو شحنات الوقود المهرّب المزعومة في بحر عُمان) ضمن الفئة التي يسمّيها النظام الإيراني "مكافحة التهريب المنظّم".

وفي المقابل، يأتي احتجاز سفينة "إم إس سي أريس" في أبريل (نيسان) من العام الماضي بحجة أنّ السفينة "تابعة لإسرائيل" مثالاً آخر لهذا النمط الذي يستند إلى خطاب أمني-إقليمي.

وفي كلتا الفئتين، كان الهدف من تحركات النظام الإيراني إرسال رسالة قوة وسيطرة وردع في الممرات المائية الحيوية بالمنطقة، من دون أن تؤدي هذه الإجراءات بالضرورة إلى مواجهة مباشرة.

حادثة "تالارا": رسالة طهران الاستراتيجية في مضيق هرمز

لكن احتجاز ناقلة النفط "تالارا" في مضيق هرمز يختلف جذرياً من حيث طبيعته عن الفئتين السابقتين؛ فلا ادعاء بالتهريب طُرح حولها، ولا نُسبت إليها أي صلة بشبكات بحرية إسرائيلية.

وهذا الأمر يضاعف من أهمية الحادثة. فوفقاً لرواية المسؤولين الأميركيين، كانت الناقلة "تالارا" التي ترفع علم جزر مارشال تُبحر من ميناء عجمان في الإمارات نحو سنغافورة، عندما حاصرتها ثلاثة زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري وأجبرتها على تغيير مسارها.

وتُظهر بيانات الطيران أنّ طائرة مسيّرة تابعة لسلاح البحرية الأميركي كانت تحلّق فوق المنطقة لساعات وقد سجّلت لحظة بلحظة عملية الاحتجاز. كما أن شركة إدارة الناقلة أعلنت أنّ اتصالها بالسفينة انقطع تماماً ولا تعرف وضعها الحالي.

كما وصف مركز عمليات التجارة البحرية في بريطانيا الحادث بأنه "نشاط حكومي محتمل". إنّ هذا المستوى من الوضوح في الرصد والتوثيق، ووقوع الحادثة في واحدة من أكثر النقاط الجيوسياسية حساسية في العالم، يؤكدان أنّ احتجاز "تالارا" كان خطوة محسوبة بالكامل، وليس حادثاً عرضياً أو ردّ فعل لحظي.

وإذا وضعنا احتجازات النظام الإيراني السابقة في فئتين واضحتين، هما التهريب وقضايا الارتباط بإسرائيل، فإن حادثة "تالارا" لا تندرج ضمن أي منهما، بل تبرز نمطاً ثالثاً: استخدام احتجاز ناقلات النفط كأداة ضغط جيوسياسي في اللحظات الإقليمية والدولية الحرجة.

وقد استُخدمت هذه الأداة بصورة متكررة بين عامي 2019 و2022، لكنها كانت أقل ظهوراً في الأشهر الأخيرة.

والآن، بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً بين النظام الإيراني وإسرائيل، يبدو أن طهران أعادت تفعيل هذه الذراع. ففي هذه المرحلة الزمنية، تريد إيران إظهار أنها رغم ما تكبّدته من كلفة في الحرب المباشرة، فإنها ما زالت قادرة على تعطيل تدفق الطاقة العالمي وفرض كلفة استراتيجية على خصومها.

كما يجب اعتبار هذا الإجراء جزءاً من الرد غير المباشر للنظام الإيراني على الهجمات الأميركية ضد منشآته النووية في الصيف الماضي. وهو ردّ يتجنب المواجهة المباشرة، لكنه يبعث برسالة واضحة تماماً.

الرسالة الإقليمية: من الردع في هرمز إلى التلاقي مع الحوثيين

وفي هذا السياق، يُحتمل بجدية أن تكون حادثة "تالارا" مرتبطة بتداعيات ما بعد الحرب بين النظام الإيراني وإسرائيل. فبعد انتهاء الحرب، احتاجت طهران إلى إظهار أنها ليست في موقع ضعف، وأنها ما تزال قادرة على إظهار قدرتها العملياتية في مياه المنطقة.

واحتجاز ناقلة غير متهمة بالتهريب ولا ترتبط بإسرائيل مثالٌ واضح على "استعراض القوة دون تجاوز خطوط الحرب الحمراء".

وهذا الإجراء لا يخاطب أطراف الحرب الأخيرة فحسب، بل يوجّه أيضاً رسالة لدول المنطقة مفادها أنّ أمن مضيق هرمز – وهو الشريان الرئيسي لتجارة الطاقة في العالم – لا يمكن ضمانه من دون أخذ حسابات النظام الإيراني بعين الاعتبار.

وتحاول طهران عبر هذا التحرك الإيحاء بأنّ مرحلة ما بعد الحرب لا تزال تتأثر بقدرات إيران العملياتية في البحر، وأن أي تغيير في التوازن الإقليمي يجب أن يراعي هذه القدرة.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن تقييم الحادثة بمعزل عن الدور المتزايد للقوى الوكيلة للنظام الإيراني في المنطقة.
ففي الأشهر الماضية، كانت هجمات الحوثيين ضد السفن في البحر الأحمر أحد أهم عوامل زعزعة استقرار تجارة الطاقة والبضائع. وهذه الهجمات التي استمدّت زخمها مباشرة من حرب غزة، أجبرت قطاعات واسعة من الشحن العالمي على تغيير مساراتها.

ومع عودة الحرس الثوري إلى سياسة الاحتجاز في هرمز، يبدو أن النظام الإيراني يفتح جبهة جديدة موازية لجبهة البحر الأحمر.

فإذا كان البحر الأحمر ساحة عمليات الحوثيين، فإن مضيق هرمز هو ساحة عمليات النظام الإيراني مباشرة. ويمكن لهذا التلاقي أن يفرض ضغطاً متزايداً على مسارات الطاقة العالمية، ويضع الدول المستوردة للطاقة من أوروبا إلى شرق آسيا أمام لاعب متكامل من محور إيران.

كما يحمل احتجاز "تالارا" رسالة مهمة أخرى: إن النظام الإيراني في الأشهر الأخيرة، خلافاً للسنوات الماضية، يتحرّك نحو إجراءات بلا أي غطاء قانوني.

ففي احتجازات مزعومة تتعلق بالتهريب، كان هناك على الأقل ادعاء قانوني-قضائي؛ وفي القضايا المتعلقة بإسرائيل، كان هناك تبرير أمني. أما في قضية "تالارا"، فلا يوجد حتى هذا الغطاء الشكلي. وهذا يعني أن طهران تتعمّد الابتعاد عن استراتيجية "الغموض القانوني" لتتجه نحو "إظهار الإرادة العملياتية دون تبرير"؛ وهو سلوك يميّز عادة الفترات الانتقالية ومرحلة التوترات العميقة.

وفي المحصلة، يجب اعتبار احتجاز ناقلة النفط "تالارا" – إذا أُعلن رسمياً من قبل النظام الإيراني – جزءاً من عودة النظام إلى استراتيجية الضغط البحري؛ وهي استراتيجية تُستخدم للردع، والمناورة السياسية، وإرسال الرسائل إلى الخصوم.

وتُظهر الحادثة أن طهران بعد حرب الـ12 يوماً لا تنوي الدخول في مرحلة السكون، بل تسعى إلى إعادة تعريف المعادلة الأمنية في المنطقة بشكل فعّال.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يدخل مضيق هرمز وبحر عُمان مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. مرحلة يكون فيها الحرس الثوري في هرمز والحوثيون في البحر الأحمر مكمّلين لبعضهما البعض، وتتعرض فيها الممرات البحرية من المتوسط إلى المحيط الهندي لضغط محور يهدف إلى استعادة حصة ودور النظام الإيراني في التوازنات الإقليمية والدولية.

الأكثر مشاهدة

بعد خلافات حادة.. وفد التفاوض الإيراني عاد إلى طهران بأمر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي
1

بعد خلافات حادة.. وفد التفاوض الإيراني عاد إلى طهران بأمر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي

2

الحكومة تنقض وعودها والبنوك تفرض غرامات تأخير الأقساط.. الضغوط تتضاعف على الشعب الإيراني

3

صحيفة "كيهان" الإيرانية: البحرين ملك لنا ويجب معاقبة حكامها

4

أمل وغضب ويأس.. ردود فعل متباينة لمتابعي "إيران إنترناشيونال" على الهدنة بين طهران وواشنطن

5

ترامب: الحرب مع إيران تقترب كثيرًا من نهايتها.. لكن عملنا لم ينتهِ بعد

•
•
•

المقالات ذات الصلة

في ظل أزمات وقمع وفقر.. أحداث "نوفمبر الدامي" تطل برأسها من جديد على إيران

14 نوفمبر 2025، 20:21 غرينتش+0

بعد ست سنوات على احتجاجات "نوفمبر الدامي" 2019، والتي اندلعت إثر الزيادة المفاجئة في أسعار البنزين، تعود مخاوف الإيرانيين مجددًا من رفع أسعار الوقود، بعد حديث حول ذلك من قِبل مسؤولي النظام، كما أن تركيبة الفقر والتضخم وأزمات المياه والكهرباء والغاز تثقل كاهل حياتهم.

وفي 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أعلنت حكومة الرئيس الإيراني آنذاك، حسن روحاني، زيادة مفاجئة بنسبة 200 في المائة بسعر البنزين، وهو قرار أثار موجة من الغضب والاحتجاج في جميع أنحاء البلاد.

وخلال أقل من أسبوع، شهدت مئات المدن في 29 محافظة تجمعات احتجاجية ضد النظام. بدأت الاحتجاجات بمطالب معيشية، لكنها سرعان ما تحولت إلى شعارات سياسية مناوئة للحكومة.

وأكدت منظمات حقوق الإنسان، مثل العفو الدولية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أن قوات الأمن أطلقت النار مباشرة على رؤوس وصدور وعيون المحتجين من أسطح المباني والمروحيات.

وفي 16 نوفمبر، دافع المرشد الإيراني، علي خامنئي، عن رفع أسعار الوقود ووصف المحتجين بـ "الأشرار والأعداء". وتلا ذلك قطع الإنترنت على نطاق واسع وتصاعد القمع ضد المحتجين.

وحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان، فقد اعتُقل ما لا يقل عن 8600 شخص في مختلف المحافظات الإيرانية خلال تلك الاحتجاجات.

وأكدت المحكمة العليا حكم الإعدام على محمد جواد وفائي ثاني، أحد محتجي نوفمبر 2019، فيما كانت عمليات الاستجواب في العديد من هذه القضايا مصحوبة بالتهديد والاعتداء وأشكال أخرى من التعذيب.

وأُفرج عن كثيرين لاحقًا بكفالات، لكن عددًا من المعتقلين حُكم عليهم بالسجن الطويل أو بالإعدام في محاكمات جائرة، غالبًا دون إمكانية الوصول إلى محامٍ من اختيارهم، وبالاعتماد على اعترافات تحت الضغط.

وبعد ست سنوات، لا تزال عائلات الضحايا تطالب بالكشف عن الحقيقة ومعاقبة المسؤولين عن المجزرة، ولا تزال عبارة "نوفمبر مستمر" تُكتب على قبور الضحايا.

العودة إلى نقطة الانفجار

في خريف 2025، تعود نفس الهمسات مجددًا. تقول حكومة الرئيس الإيراني الحالي، مسعود بزشکیان، إنها لا تخطط لزيادة الأسعار، لكن مشروع "تعدد أسعار البنزين" مطروح في البرلمان والحكومة.

وأعلن عضو لجنة الاقتصاد في البرلمان الإيراني، حسين صمصامي، في 10 نوفمبر الجاري، أن سعر البنزين سيصل إلى خمسة آلاف تومان للتر الواحد، وأن القرار سيُنفذ. وأضاف أن الحكومة لا تدفع أي تكلفة لإنتاج البنزين، بل تبيعه للمصافي بخفض 5 في المائة عن سعره في المنطقة وتشتريه بالسعر نفسه.

وأكد أن "التكلفة الحقيقية للحكومة لكل لتر بنزين أقل من ألفي تومان".

في المقابل، قال نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية، محمد جعفر قائم بناه، في 4 نوفمبر الجاري: "إن اللتر الواحد الذي يضعه الناس في سياراتهم يكلف الحكومة 34 ألف تومان، لكن نبيعه لهم بألف وخمسمائة أو ثلاثة آلاف تومان".

وحذر عدد من النواب المحافظين، في 9 نوفمبر الجاري، من تبعات زيادة الأسعار. كما أشار نائب رئيس لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، فرهاد شهرکی، في الثامن من الشهر الجاري أيضًا، إلى نفاد الميزانية المخصصة لاستيراد البنزين في الأشهر الأولى من العام، وأن الحكومة لا تمتلك العملة اللازمة للشراء.

وفي 4 نوفمبر، أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، أن الحكومة لم تتخذ قرارًا بزيادة سعر البنزين المخصص، وسيظل يُباع بالأسعار الحالية.

قال پزشکیان، الذي كان قد أكد خلال المناظرات الانتخابية "لن نرفع سعر البنزين"، في الأول من آبان إن: "سعر البنزين أرخص حتى من الماء، وفي الواقع لا شكّ في رفع سعره".

وردت هذه التصريحات في وقت أذنت فيه حكومة پزشکیان في الأشهر الأخيرة برفع أسعار بعض السلع الاستهلاكية؛ ومن ذلك زيادة سعر الخبز التي أثارت انتقادات واسعة.

وقبل ذلك، في 19 مهر، نشرت عدة وسائل إعلام داخل إيران صورًا لمصوّبة صدرت في 27 شهریور عن هیأت الوزراء، تفيد بأن حكومة الجمهورية الإسلامية وضعت إطارًا جديدًا لرفع أسعار البنزين وسياسات مرتبطة باستهلاك الوقود.

وحذّر خبراء الاقتصاد من أن أي رفع في أسعار الوقود في ظلّ الظروف التضخّمية الراهنة قد يثير موجة جديدة من السخط والاحتجاج الشعبي.

في اقتصادٍ يعاني في الوقت نفسه من أزمة الطاقة وركودٍ عميق، باتت السياسات السعرية أكثر من أيّ وقت "سياسية ومحفوفة بالمخاطر".

التضخّم والفقر وتآكُل القدرة المعيشية

حذّر فرشاد مومني، الاقتصادي، في 8 نوفمبر الجاري، في مقابلة مع "إيران إنترناشيونال" من عواقب رفع سعر البنزين، معتبراً أن الادّعاء بأن "السياسة الصادمة" (سياسة "العلاج بالصدمة") ستُقلِّص عجز الموازنة هو "كذبة كبيرة".

وشدّد على أن رفع سعر البنزين يَضُرّ بالدرجة الأولى الشرائح الدنيا التي لا تملك سيارات. وتعكس هذه الرؤية قلقًا واسعًا لدى الخبراء الذين يحذرون من أن سياسات الصدمة في ظلّ تضخّم مرتفع تزيد الفجوة الطبقية.

وقال الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي المُقيم في ستوكهولم، أحمد علوي، لـ "إيران ‌إنترناشيونال"، في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي: "في اقتصادٍ يعاني معدلات تضخم عالية وانخفاض نمو الأجور الحقيقية، فإن أي تغيير في أسعار الطاقة، خصوصًا البنزين والديزل، سيؤثّر أبعادًا متعدِّدة على مستويات المعيشة والإنتاج".

كما قال الخبير الاقتصادي، مرتضى افقه، في 15 أكتوبر الماضي، أيضًا لموقع "نشان تجارت": "يبدو أن الحكومة لم تعد تملك أموالًا لاستيراد البنزين، والشعب أيضاً لم يعد يحتمل تراكم موجات التضخّم السنوية".

من محطّات الوقود إلى انقطاع التيار والماء: أزمة أوسع في الطاقة

إيران اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود من حكم النظام، لا تواجه مشكلة البنزين فحسب؛ فطيف من النّقائص والتّآكل في البُنى التحتية دفع البلاد إلى حافة انهيار قطاع الطاقة.

وشهدت انقطاعات في التيار الكهربائي صيفًا، وهبوطًا في ضغط الغاز شتاءً، وجفافًا مزمنًا ونقصًا حادًا في المياه على امتداد البلاد. ويقول الخبراء إن هذه الأزمة ليست نتيجة العقوبات فقط، بل نتيجة سنوات طويلة من سوء الإدارة والفساد في شبكات التوزيع والاستثمار.

وأدّى الجفاف وانخفاض منسوب السدود إلى شلّ الزراعة في عشرات المدن، وأُدرج تقنين مياه الشرب في كثير من المناطق على جدول الحياة اليومية. كما أصبح نقص الطاقة قضيّة تتعدّى الأرقام الاقتصادية لتصبح قضية وجودية واجتماعية تؤثر مباشرة على حياة ملايين الإيرانيين.

وفي هذا السياق، تواجه الحكومة الخيار الصعب بين رفع سعر البنزين مع مخاطر إشعال احتجاجٍ شعبي كبير وتكرار أحداث "نوفمبر الدامي" أو الإبقاء على الأسعار ودفع كلفة تفاقم التضخم عبر طباعة المزيد من النقود وزيادة القاعدة النقدية.

ظلّ "نوفمبر الدامي" على قرارات اليوم

في هذا المناخ الملبّد، نبه نواب البرلمان إلى "خطر تكرار الفواجع السابقة"، وذكّر مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي بأن تجربة "نوفمبر الدامي" لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية.

وأشار مراقبون إلى أن السلطات عززت شبكات المراقبة الرقمية، وزادت من استخدام الكاميرات الذكية وشرعت في موجات اعتقالات؛ وهي إجراءات يرى البعض أنها تهدف إلى قمع أي بادرة تجمع أو صوت احتجاجي قبل أن يصل إلى الشارع.

انفجارٌ محتمل

مع ذلك، يحذّر علماء الاجتماع من أن مزيج الفقر ونقص الماء والغضب المكتوم قد يحوّل أي قرار اقتصادي إلى شرارة سياسية. في مجتمعٍ بلغت قدرة صموده الاقتصادية أدنى مستوياتها، قد يصبح أي تغيير طفيف في سعر البنزين أو اضطراب في إمدادات الماء والكهرباء علامة فاصلة بين هدوءٍ هشّ وتوترٍ اجتماعي واسع.

وفي الأسابيع الأخيرة، تزامنًا مع تصاعد النقاشات حول رفع سعر الوقود، سُجّلت موجة جديدة من استدعاءات واعتقالات وتفتيش منازل صحافيين وكتّاب وباحثين ونشطاء اجتماعيين وعمال في مدن مختلفة.

ويرى ناشطون عماليون أن اعتقال مؤيدي الطبقة العاملة ومناضليها دون مبرّر هو دليل على أن قرارات تُعِدّ لإحداث أثر مباشر في جيوب الناس وسلال طعامهم.

ويصف المراقبون هذا السلوك بأنه جزء من نمط متكرّر: تُسبق قرارات اقتصادية كبرى بتدابير أمنية، كأنّ السلطة تجهّز نفسها لمواجهة الاحتجاج بدل الحوار مع المجتمع.

النظام الإيراني يواجه غضب الشارع بقليل من الحرية الاجتماعية وكثير من القمع السياسي

13 نوفمبر 2025، 15:52 غرينتش+0

ذكرت وكالة "رويترز" أنّه في الوقت الذي تظهر فيه مؤشرات على تخفيف القيود الاجتماعية في مدن إيرانية مختلفة، وسّع النظام الإيراني في المقابل نطاق القمع السياسي، في مسارٍ قال ناشطون وبعض المسؤولين الإيرانيين السابقين إنه بلغ مستوى غير مسبوق من الشدة.

وقالت "رويترز" في تقريرها التحليلي الصادر اليوم الخميس 13 نوفمبر (تشرين الثاني)، إنّ شوارع طهران اليوم تُظهر مشهداً مختلفاً عن السنوات السابقة، حيث النساء غير المحجّبات يسِرن بحرية أكبر، والشباب يرتادون المقاهي دون تشدّد، وتُقام حفلات موسيقية محدودة، ما يعكس صورة متغيّرة نسبياً عن الماضي.

وفي هذا السياق، أقيم مساء 7 نوفمبر في طهران حفل رسمي لإزاحة الستار عن تمثال جديد في ميدان انقلاب تحت عنوان "ستركعون أمام الإيرانيين مجدداً"، من دون فرض قيود تتعلّق باللباس أو الحجاب الإجباري على المشاركين في الفعالية.

لكن في الوقت ذاته، يتواصل على نطاق واسع اعتقال واستدعاء وتهديد الصحافيين والطلاب والمحامين والناشطين المدنيين.

وقال محمد خاتمي، رئيس الحكومة الإصلاحية الأسبق، في هذا الشأن مؤخراً: "بعد الحرب التي استمرّت 12 يوماً، كان متوقعاً أن تُتخذ خطوات لتقدير صمود الشعب من خلال انفتاح أكبر، لكن في كل هذه المجالات، إن لم يكن الوضع قد ازداد سوءاً، فهو لم يتحسن بالتأكيد".

وأضاف خاتمي: "عمليات الاستدعاء والتحقيق وحتى محاكمة العديد من السياسيين وأصحاب الفكر والإعلاميين والشخصيات البارزة، ازدادت بشكل لافت".

وأبلغ أربعة ناشطين داخل إيران وكالة "رويترز" أنّ هدف النظام من هذه الإجراءات هو "زرع الخوف ومنع تشكّل احتجاجات جديدة".

كما نقلت الوكالة عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين ومسؤول إصلاحي رفيع سابق قولهم إنّ هذا النمط المزدوج "محسوب بدقة"، إذ يجمع بين تخفيف الضغط الاجتماعي لتهدئة الرأي العام في ظل الأزمة الاقتصادية، وزيادة الضغط السياسي لمنع أيّ موجة غضب شعبية في الشارع.

وقال ألكس وطن ‌خاه، مدير برنامج إيران في معهد "ميدل إيست إنستيتيوت": "هذا التناقض مقصود؛ إنه نوع من صمام الأمان الاجتماعي مع وضع سقف صلب فوق أي شكل من أشكال المعارضة الحقيقية".

وبحسب تقرير "رويترز"، فإنّ النظام الإيراني، بعد الهجمات التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة خلال الحرب التي استمرّت 12 يوماً، يواجه واحدة من أكثر الفترات تعقيداً منذ ثورة عام 1979.

ففي تلك الحرب، تعرّضت عدة مواقع نووية وعسكرية لأضرار جسيمة، كما ضعفت شبكة الجماعات المدعومة من إيران في المنطقة من غزّة إلى لبنان والعراق.

وفي الوقت ذاته، أدى انهيار قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدّلات التضخم، ونقص الطاقة، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية.

وقد أوقفت الحكومة الإيرانية تنفيذ قانون "الحجاب والعفاف" الذي أقرّته سابقاً التيارات المتشدّدة، وقالت مصادر مطلعة إنّ الأجهزة الأمنية وافقت على هذه التغييرات الاجتماعية باعتبارها "إدارة لحالة السخط الشعبي".

لكن في المقابل، وصلت عمليات الإعدام في إيران إلى أعلى مستوى لها منذ عام 1989.

وقال مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنّه حتى 21 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2025، جرى تنفيذ ما لا يقل عن 1176 حكماً بالإعدام في إيران، أي بمعدل أربع حالات يومياً.

ونقلت "رويترز" عن ناشط مدني اعتُقل في احتجاجات عام 2019 قوله: "الضغوط ازدادت، وتهديد العائلات واستدعاء النشطاء واعتقال الطلاب ما زال مستمراً. النظام يريد إسكات أي صوت معارض".

وبعد الحرب التي استمرّت 12 يوماً، بدأت السلطة القضائية بمحاكمات سريعة للمتهمين بـ"التعاون مع إسرائيل"، فيما أقرّ البرلمان قوانين جديدة لزيادة العقوبات المتعلقة بالتجسّس والأنشطة الإلكترونية.

وقال مسؤول إصلاحي سابق قضى سنوات في السجن بتهمة "العمل ضد الأمن القومي": "النظام يخشى فقدان السيطرة على السلطة، وهو يشعر في الوقت نفسه بضغط داخلي وخارجي متزايد".

وأشار التقرير إلى أنّ أكثر من 21 ألف شخص اعتُقلوا خلال الحرب وبعدها، من بينهم صحافيون وناشطون مدنيون وأفراد من الأقليات القومية والدينية.

كما أفادت تقارير حقوقية بأنّ أفراداً من المجتمع البهائي اعتُقلوا بتهم تتعلق بـ"التجسّس لصالح إسرائيل"، وصودرت ممتلكات بعضهم خلال المداهمات الأمنية.

ومع استمرار الجمود في المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة وعودة عقوبات مجلس الأمن، يخشى المسؤولون الإيرانيون من أن يؤدي فشل الدبلوماسية إلى هجوم إسرائيلي جديد.

وبحسب قول وطن‌ خاه، فإنّ استراتيجية المرشد الإيراني، تقوم على "الإبقاء على باب الدبلوماسية موارباً في الخارج، وفي الداخل توسيع هامش الحرية الاجتماعية المحدودة والمراقَبة مقابل تشديد القمع السياسي".

ويرى محللون أن "الهدوء الاجتماعي" الحالي قد يكون مؤقتاً، لكن القمع السياسي يزداد عمقاً يوماً بعد يوم، وهو التناقض الذي تصفه "رويترز" بأنه "وجه إيران الراهن تحت حكم النظام الإيراني".

طرقات إيران تبتلع شبابها: نصف ضحايا حوادث طهران دون سن الأربعين

13 نوفمبر 2025، 09:39 غرينتش+0

أفاد تقرير حديث لشرطة المرور في طهران بأن أعلى نسبة من ضحايا الحوادث المرورية المميتة في العاصمة خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) كانت في الفئة العمرية ما بين 20 و30 عامًا، إذ شكّل هؤلاء 35 في المئة من إجمالي الوفيات.

وأشار موقع "نورنيوز" الإخباري في تقرير له إلى أنّ "اندفاع الشباب، والانفعال اللحظي، وعدم الاكتراث بالتحذيرات المرورية" من أبرز سمات هذه الفئة العمرية، مضيفًا أنّ إحصاءات شرطة المرور "تقدّم صورة مقلقة عن التهور ومخالفة القوانين بين الجيل الشاب في العاصمة".
وفي وقت سابق من سبتمبر (أيلول) هذا العام، كان موقع "دیده ‌بان إيران" قد ذكر أنّ ارتفاع أسعار الدراجات النارية، إلى جانب الضغوط المعيشية، دفع عددًا من شباب العاصمة إلى استئجار دراجات والعمل كموزّعين.

وأضاف موقع "نورنيوز" في تقريره: "بعد فئة العشرين إلى الثلاثين عامًا، تأتي الفئة ما بين الأربعين والخمسين بنسبة 24 في المئة، ومن هم فوق الخمسين بنسبة 17 في المئة. وهذا يعني أن نحو نصف الضحايا هم دون الأربعين عامًا؛ وهو مؤشر على أزمة ثقافية وتعليمية في مجال القيادة داخل المدن".

وتُظهر الإحصاءات كذلك أنّ سائقي السيارات يشكّلون 47 في المئة من ضحايا المركبات في حوادث طهران خلال شهر أكتوبر، في حين بلغت نسبة سائقي الدراجات النارية 26 في المئة.

وبحسب "نورنيوز"، فإن 27 في المئة من الضحايا الآخرين هم من المشاة الذين يقعون ضحية "أخطاء السائقين وضعف البنية التحتية للسلامة".

وحذّر الموقع من أنّ تقرير شرطة المرور في طهران يشير إلى أنّ "الخطر لا يكمن خلف المقود فقط، بل يترصّد المارة حتى على الأرصفة".

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الوفيات الكثيفة الناجمة عن حوادث السير من القضايا المقلقة الدائمة في المجتمع الإيراني، مسلّطة الضوء على أوجه القصور الهيكلية في إدارة قطاع النقل.

ويرى المنتقدون أنّ السيارات رديئة الجودة، والطرق غير الآمنة، وغياب التوعية الفعّالة، من أبرز أسباب هذه الأزمة، ويعدّونها نتيجة للتقصير وسوء الإدارة من جانب سلطات النظام الإيراني.

الطرق السريعة مسرح 79 في المئة من حوادث طهران المرورية

ذكر موقع "نورنيوز" في تقريره أنّ القسم الأكبر من الحوادث المرورية في طهران خلال أكتوبر– نحو 79 في المئة– وقع في الطرق السريعة، التي تحوّلت إلى بؤر رئيسية للحوادث المميتة بسبب "السرعة العالية، والتهور، والمناورات الخطيرة".

وبحسب تقرير شرطة المرور في طهران، فإنّ أغلب الضحايا لقوا حتفهم بين الساعة الثانية ظهرًا والعاشرة ليلًا، وهي الفترة التي يشهد فيها السير ازدحامًا شديدًا، وتتزايد خلالها حالات الإرهاق الذهني لدى السائقين، إضافة إلى استعجالهم للوصول إلى وجهاتهم، ما يرفع احتمال وقوع الحوادث بشكل كبير.

أما نحو 24 في المئة من الحوادث فقد وقعت بين الساعة العاشرة ليلًا والسادسة صباحًا، ويُعزى ذلك أساسًا إلى "السرعة المفرطة، والنعاس، واستهلاك المنبّهات أو الكحول".

وخلص موقع "نورنيوز" إلى أنّ جذور هذه الأزمة تكمن في "غياب التدريب الفعّال على القيادة وثقافة المرور في المدارس والجامعات"، و"انعدام الرقابة الرادعة في تطبيق القوانين"، و"عدم الانتباه للحالة النفسية والعقلية للسائقين الشباب".

وفي مارس (آذار) 2025، أعلن محمد إسماعيل قيداري، القائم بأعمال رئيس جامعة العلوم الطبية في بهشتي، أنّ حوادث السير تأتي في المرتبة الثالثة بين أسباب الوفاة في إيران، بعد أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.

ووفقًا لإحصاءات شرطة الطرق في سبتمبر (أيلول) 2024، يُقتل يوميًا في إيران ما بين 45 و50 شخصًا في حوادث السير، فيما يُصاب 100 شخص بإعاقات دائمة.

انتخابات العراق 2025: تشكيك شعبي واسع.. وتنافس إيراني–أميركي محتدم

11 نوفمبر 2025، 13:54 غرينتش+0

تُجرى الانتخابات في العراق وسط أجواء يخيّم عليها انعدام الثقة العامة، ومقاطعة التيار الصدري، والمنافسة الحادة بين إيران وأميركا.

وهو اقتراع يتجاوز مسألة تحديد تركيبة البرلمان ليكون اختباراً لشرعية النظام السياسي وقدرة بغداد على تجاوز أزماتها المتراكمة.

الانتخابات البرلمانية التي تُنظم لاختيار 329 برلمانيا في مجلس النواب تبدو ظاهرياً عملية ديمقراطية اعتيادية، لكنها في الواقع تجري وسط انقسامات بنيوية عميقة. وهذه سادس انتخابات عامة تُجرى في العراق منذ عام 2003، لكن بخلاف الدورات السابقة، تبدو مؤشرات الأمل في إصلاحات حقيقية أقل من أي وقت مضى.

وقد أُجري التصويت الخاص بقوات الأمن والنازحين قبل أيام. وبحسب المسؤولين، تسلّم أكثر من 21 مليون شخص بطاقات الاقتراع، إلا أن التوقعات تشير إلى انخفاض نسبة المشاركة. ففي العديد من المدن، لا يرى الرأي العام في الانتخابات فرصة للتغيير، بل تكراراً للنظام السياسي القديم نفسه.

ومن أحد أبرز العوامل المؤثرة في انتخابات هذا العام الغياب اللافت للتيار الصدري. فمقتدى الصدر، الذي غيّر مراراً خلال العقد الماضي مسار تشكيل الحكومات في العراق، قرر هذه المرة مقاطعة الانتخابات بالكامل.

هذه المقاطعة لم تكن مجرّد موقف سياسي رمزي، إذ إن الثقل الاجتماعي والانتخابي للصدر كبير لدرجة أن غيابه قد يبدّل خريطة البرلمان بأكملها ويضع شرعية النظام السياسي موضع تساؤل.

ويرى كثير من المراقبين أن نسبة واسعة من الناخبين التقليديين للصدر لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، وهو ما قد يصبّ في مصلحة القوى التي تمتلك شبكات تنظيمية أقوى ونفوذاً أوسع داخل أجهزة الدولة. كما أن غياب التيار الصدري يزيد احتمالات اندلاع احتجاجات بعد الانتخابات، إذ قد يرى جزء من المجتمع أن الحكومة الجديدة لا تعكس إرادة الشعب.

تجدر الإشارة إلى أن السياق الاجتماعي لانتخابات 11 نوفمبر (تشرين الثاني) يتشكّل على خلفية استياء شعبي عميق ومتراكم. فالفساد المستشري في أجهزة الدولة، والانقطاعات المستمرة للكهرباء، وأزمة المياه، وبطالة الشباب، وعجز الحكومات المتعاقبة عن تحسين الخدمات العامة، كلّها جعلت العراقيين يفقدون الثقة في صناديق الاقتراع كوسيلة لحل مشكلاتهم.

وشكّلت حركة احتجاج "تشرين" في عامي 2019 و2020 نقطة تحوّل في هذا الانعدام للثقة. فالشباب الذين خرجوا حينها للمطالبة بالإصلاح أصبحوا اليوم جزءاً كبيراً من القاعدة الانتخابية المحتملة، لكن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن تلك الاحتجاجات لم تُحدث تغييراً ملموساً في بنية السلطة. ومن وجهة نظر كثير من المواطنين، لم تعد الانتخابات سوى تبادل شكلي للمناصب بين الأحزاب الراسخة، وليست فرصة لظهور سياسيين جدد أو لإحداث تغيير حقيقي.

ولفهم سبب تشكيك العراقيين في الانتخابات، يجب النظر إلى الإطار السياسي الذي يحكم البلاد. فمنذ عام 2003، بُنيت السلطة على أساس المحاصصة العرقية والطائفية؛ إذ يملك الشيعة والسنة والأكراد حصصاً محددة من السلطة، ولا يمكن لأي حكومة أن تتشكل من دون ائتلاف معقد بين هذه الأقطاب الثلاثة. ونتيجة هذا النموذج تأتي حكومات هشة وائتلافات قصيرة العمر منشغلة بالحفاظ على توازناتها الداخلية أكثر من اهتمامها بحل مشكلات الناس.

وفي هذا السياق، فشلت البرلمانات المتعاقبة في تحقيق إصلاحات بنيوية، وغالباً ما انتهى بها الأمر إلى تكرار سياسات الحكومات السابقة. ولا تبدو انتخابات هذا العام استثناءً، إذ من غير المرجح أن تغيّر نتائجها هذا النمط المتجذر.

التأثير الإقليمي: دور إيران وأميركا وتوترات الشرق الأوسط

يشار إلى أن انتخابات الثلاثاء ليست حدثاً داخلياً بحتاً. فالعراق يشكّل أحد أبرز ميادين التنافس بين إيران والولايات المتحدة، ونتيجة الاقتراع قد تعزّز نفوذ إحدى القوتين أو تُضعفه.

وإلى جانب هذا التنافس، زادت الحروب الإقليمية الأخيرة، مثل التطورات في لبنان، وتصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، والتغيّرات التي تلت سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، من هشاشة المشهد العراقي.

وتُعدّ العلاقة مع قوات "الحشد الشعبي" والفصائل المسلحة المقرّبة من إيران من أبرز القضايا التي ستواجه الحكومة المقبلة، ليس فقط على صعيد الأمن الداخلي، بل أيضاً في ما يخصّ السياسة الخارجية للعراق.

ومن جهة أخرى، فإن وجود القوات الأميركية ومستقبل العلاقات بين بغداد وواشنطن ما زالا من أبرز التحديات أمام صانعي القرار العراقيين.

وأياً يكن الحزب الذي سيقود الائتلاف الحكومي الكبير، فإنه سيواجه مجموعة من التحديات العاجلة والطويلة الأمد.

وتبقى أزمة الخدمات العامة المطلب الأول للمواطنين. فالانقطاع المتكرر للكهرباء، ونقص المياه، والتلوث الناتج عن حرق النفط، والبنى التحتية المتهالكة في العديد من المحافظات تعيق الحياة اليومية. وإلى جانب هذه الأزمات، يواجه العراق تهديدات مناخية خطيرة تشمل الجفاف، وانخفاض مناسيب دجلة والفرات، والهجرة الداخلية الناجمة عن تغيّر المناخ.

وسيتعيّن على الحكومة الجديدة اتخاذ قرارات مصيرية خلال فترة قصيرة، في ظل ائتلاف هش وضغوط من الجماعات المسلحة. وقد أظهرت تجارب الحكومات السابقة أن تزامن هذه الأزمات مع بنية سلطة قائمة على المحاصصة يحدّ بشدة من فاعلية أي حكومة.

ورغم كل الضغوط والشكوك، تظل انتخابات الثلاثاء إحدى أهم أدوات الانتقال السلمي للسلطة في العراق. لكن ما يجعل هذه الانتخابات حاسمة ليس عدد المقاعد التي يحصدها كل حزب، بل قدرة الحكومة المقبلة على التعامل مع الأزمات المتراكمة في البلاد.

فإذا عجزت الحكومة الجديدة عن تحسين الخدمات العامة، وكبح نفوذ الجماعات المسلحة، والابتعاد عن صراعات المنطقة، فقد يجد العراق نفسه مجدداً داخل حلقة من الجمود السياسي الذي تكرر مراراً خلال الأعوام الأربعة الماضية. أما إذا نجحت في اتخاذ خطوات إصلاحية ولو محدودة لكنها ملموسة، فقد تستعيد جزءاً من الثقة الشعبية المفقودة.

يبقى مستقبل العراق، كما كان ماضيه، رهناً بتوازن دقيق بين السياسة والأمن والمطالب الاجتماعية؛ توازنٍ لن تكون انتخابات اليوم سوى أول اختبار له.

تصريحات خامنئي "الغامضة" تُطلق يد المتشددين لملاحقة النساء بسبب الحجاب

9 نوفمبر 2025، 14:12 غرينتش+0
•
مريم سينائي

استغلّ المتشددون في إيران التصريحات غير المباشرة، التي أدلى بها المرشد علي خامنئي، في وقت سابق هذا الأسبوع، كإشارة خضراء لملاحقة النساء، اللاتي تخلّين عن الحجاب، وسط تساهل في تطبيقه، خلال السنوات الأخيرة.

وفي كلمته، يوم الاثنين 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، بمناسبة إحياء ذكرى اقتحام السفارة الأميركية عام 1979، حثّ خامنئي النساء على تذكير من حولهن بضرورة الالتزام بالزيّ الإسلامي.

وقال: "ذكّروا النساء حولكن بأن ينظرن إلى الحجاب كمسألة دينية وإسلامية وزهرائية وزينبية"، في إشارة إلى رائدات الأسرة في الإسلام المبكّر.

وكان اختيار الكلمات حذرًا ودقيقًا، لكنه أكثر من كافٍ للجمهور المقصود.

وبعد الخطاب، قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني ايجئي، للمدعين العامين والمواطنين: "إنّ عليكم واجبًا في إقامة (الواجب الديني) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، واعدًا بدعم قضائي كامل لمثل هذه الإجراءات.

وسرعان ما تداولت الأصوات المحافظة تعليقات خامنئي على وسائل التواصل الاجتماعي، وصوّرت تلك التصريحات على أنها إذن بمواجهة النساء غير المحجبات.

وكتب أحد المتشددين المتطرفين على منصة "إكس": "هل يعني أمر قائدنا العزيز شيئًا سوى جهاد التبيين والأمر بالمعروف؟ لِيَصمُتْ أولئك الذين يدّعون أنه تراجع عن الشريعة والحجاب!".

ونشر آخر: "تدخل مرة أخرى المرشد بنفسه، مذكّرًا بواجب الأمر بالحجاب ومنع الفسق، سواء بطرق إيجابية أو وقائية".

وفسّر الكاتب الإيراني، محمد نیك بخت، التصريحات بأنها إشارة إلى نهج أكثر ليونة ومن الأسفل إلى الأعلى، معتبرًا أن خامنئي يقصد أن يبدأ تطبيق الحجاب داخل الأسر "وليس عبر شرطة الآداب أو تشريع أو غرامات أو اعتقالات".

تدخّل نادر
نادرًا ما تناول خامنئي موضوع الحجاب مباشرة خلال العام الماضي. ففي أبريل (نيسان) 2023 اتهم أجهزة استخبارات أجنبية بتحريض النساء الإيرانيات على رفض "الحجاب الإجباري"، ووصف مثل هذا التمرد بأنه "حرام دينيًا وسياسيًا".

وأثار ذلك التصريح حملة رسمية مؤقتة لاستعادة السيطرة عقب احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية".

ولم يعدّ خامنئي إلى الموضوع علنًا حتى الآن، وفي وقت سابق هذا العام بدا كأنه تملص من سؤال نائب برلماني متشدد حول سبب عدم تنفيذ القانون.

تعثُّر القانون
قام البرلمان الإيراني بإقرار "قانون الحجاب والعفاف" في سبتمبر (أيلول) 2024، وهو يفرض قيودًا واسعة جديدة. لكن المجلس الأعلى للأمن القومي علّق تنفيذَه بهدوء؛ خشية تجدد الاحتجاجات.

وقد اعتُبر ذلك القرار على نطاق واسع بمثابة موافقة ضمنية من خامنئي، إلا أن تصريحاته الأخيرة تُفسّر الآن من قِبَل المتشددين بأنها إشارة لاستئناف تنفيذ القانون.

وفي أواخر مارس (آذار) الماضي، فرّقت الشرطة الإيرانية نحو عشرين متطوّعًا مؤيدًا للحجاب كانوا قد نَصَبُوا مخيّمًا أمام البرلمان لأكثر من 45 يومًا؛ ولم ترد أنباء عن اعتقالات.

وعبرت مستخدمة باسم "سيدة" على الإنترنت بمرارة: "كم شخصًا نستطيع أن نحذر؟ كم من الوقت يمكننا أن نسير في الشوارع؟ الانكشاف قد انتشر في كل مكان كالجراد. يا الله، خُذ انتقامنا من هؤلاء المسؤولين الخائنين غير المكترثين الذين لا شرف لهم!!".

انقسام سياسي وتصاعد التمرد
يخشى المسؤولون أن يؤدي إحياء "دوريات الإرشاد" أو تشديد قواعد الحجاب، في ظلّ الضائقة الاقتصادية، إلى إشعال احتجاجات جماهيرية من جديد.

وقد أكد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أنه لا يملك القدرة على فرض القانون، مشددًا على أن الحوار وحده يمكن أن يُقنع النساء، وهو ما تعتبره التيارات المحافظة سببًا لحالة الشلل في تنفيذ التشريعات.

وبدوره وبّخ حسن‌ نيا، القائد البارز في الحرس الثوري، الرئيس الإيراني، هذا الأسبوع قائلاً: "لن يصلح الحوار المشكلة. هناك حاجة لإجراءات حازمة. إذا أذن المرشد، سنمزّق جلد رؤوسهن".

وفي الوقت نفسه، يستمر التمرد في الانتشار، حتى في المدن الدينية، مثل "قم" و"مشهد".

وفي طهران، أصبحت النساء غير المحجبات الآن أكثر عددًا من المحجبات في كثير من الأحياء، وتمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهد تجمعات مختلطة، وموسيقى، ورقص، ونساء يرتدين أزياء تكشف البطن.

وقال النائب المحافظ السابق لرئيس البرلمان الإيراني، علي مطهري، في نقاشه مع بزشكيان: "نعم، نقول إنه لا ينبغي الإفراط في استخدام الشرطة، لكن من الذي يُفترض أن يوقف امرأة تتجول وبطنها مكشوف؟".