وقدد شدد خطباء الجمعة في إيران، في 4 سبتمبر (أيلول)، على ضرورة الالتزام بتوجيه المرشد الغائب بشأن "الانسجام الاجتماعي".
كما وصفت صحيفة "كيهان"، في الصفحة الثانية من عددها الصادر في 3 سبتمبر، رسالة مجتبى بأنها "بيان تأسيسي للحكم"، واعتبرت "ملحق الانسجام الاجتماعي" فيها "قاعدة عملياتية".
لكن في عمود آخر في الصفحة نفسها، كُتب عن حسين مرعشي، الناشط السياسي الإصلاحي، أن قضيته تتجاوز "مجرد كذبة بسيطة"، وأنها تمثل مؤشرًا على "مسار الخيانة"، وأن مرعشي ظهر في دور "ممهّد الطريق لسياسات البيت الأبيض".
وهكذا، جرى انتهاك أمر الانسجام في الصفحة نفسها التي أشادت به.
وكانت صحيفة "كيهان" قد اتهمت، في 31 أغسطس (آب)، الجناح الإعلامي للحكومة بأنه يلعب ضمن "مخطط أميركي".
وطالبت الصحيفة رئيس البلاد، مسعود بزشكيان، بإخراج "أصحاب المواقف المنحرفة وذوي السوابق السيئة" من الحكومة، وكتبت: "الحكومة ليست مكانًا لمرتزقة العدو".
ومن جهة أخرى، تحدث بزشكيان، بعد ساعات من نشر رسالة مجتبى خامنئي بمناسبة أسبوع الحكومة، عبر التلفزيون عن تراجع الصادرات ونقص العملة الأجنبية والبنزين والطاقة، وعن عجز الحكومة عن تنفيذ بعض وعودها، كما اعتذر عن عدم زيادة قيمة قسائم السلع.
وجاء هذا العرض للأزمات متزامنًا إلى حد كبير مع تحذير مجتبى الذي قال إن حتى التعبير الصادق عن نقاط الضعف قد يساعد العدو.
الانسجام لمن؟
عندما تتحدث الحكومة عن الأزمات، بينما تصف صحيفة "كيهان"، التي يعيّن المرشد الإيراني رئيس تحريرها، كلام شخصية من الجناح المنافس بأنه "كذب" ومؤشر على "مسار الخيانة"، فمن الذي يستمع إذًا إلى أمر الانسجام الاجتماعي؟
المخاطب المباشر لرسالة مجتبى هو الحكومة وسائر مكونات السلطة. ومع ذلك، أُطلق اسم "الانسجام الاجتماعي" على مطلب يتعلق عمليًا بانسجام أركان السلطة ووقف تبادل الاتهامات والفضائح بينها.
وتتحدث رسالة مجتبى نفسها عن ثنائيات "الحرب أم التفاوض"، و"التوافق أم التشدد"، و"التسوية أم النزعة إلى الحرب". وهذا يعني أن هناك انقسامًا قائمًا، وأن الأمر الجديد يسعى إلى منع تحول هذا الانقسام إلى اصطفاف جديد ورواية علنية للهزيمة.
لكن صحيفة "كيهان" تُظهر سبب عدم نجاح هذا الأمر.
فالصحيفة تعتبر رسالة المرشد "قاعدة عملياتية"، لكنها في الوقت نفسه هي التي تحدد من كسر الانسجام. ووفق هذا المنطق، فإن مهاجمة الخصم ليست إثارة للانقسام، بل دفاع عن النظام في مواجهة "التغلغل" و"الخيانة".
وهكذا يتحول الأمر الذي كان يفترض أن يوقف الصراع إلى صيغة جديدة للصراع نفسه.
والحكومة تتحدث عن محدودية الموارد، بينما تتهم "كيهان" قسمها الإعلامي بتقديم معلومات للعدو. وكل طرف يعفي نفسه من المسؤولية من خلال تقديم رواية عن نقاط ضعف الطرف الآخر.
وفي هذا الهيكل، لا تمثل كشف الحقائق زلة كلامية، بل أداة للبقاء.
وإسكات هذا الصراع يعني التخلي عن سلاح لا يريد أي طرف أن يضعه أرضًا قبل الطرف الآخر.
أمر بلا ضمانات
يتطلب تنفيذ الأمر حاكمًا قادرًا على رفع كلفة العصيان. وقف المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، الذي قُتل، لأكثر من ثلاثة عقود في مركز هيكل السلطة، وكان يعيّن كبار المسؤولين العسكريين والقضائيين والإعلاميين. ومع ذلك، فإن نفوذه لم يؤدِ أيضًا إلى وقف الصراعات وإنهائها.
ففي 3 يونيو (حزيران) 2024، دعا المرشحين للانتخابات الرئاسية إلى الامتناع عن "التجريح والافتراء والتشهير"، لكن الهجمات بين الأجنحة استمرت.
أما الآن، فقد تسلم مجتبى الهيكل نفسه من دون التاريخ والرصيد السياسي اللذين كان يتمتع بهما والده.
ومنذ انتخابه، لم تُنشر حتى الآن صورة أو تسجيل صوتي يُظهر حضوره الجديد بصفته المرشد.
وفي الوقت نفسه، تتحدث التقارير عن محدودية وصول المسؤولين إليه. وفي إحدى الحالات، أفيد بأن بزشكيان التقى مجتبى لبضع دقائق، بعد طلبات متكررة، داخل سيارة ذات نوافذ معتمة وفي مكان غير معلوم.
وفي حين أن القيادة اليومية تتطلب اتصالاً سريعًا، فإن محدودية الوصول تطيل الفاصل الزمني بين العصيان ورد الفعل.
وبحلول وصول رد المرشد، تكون مراكز السلطة قد نشرت روايتها وثبّتت مواقفها.
واقع لا يصمت
هناك عائق آخر أمام الانسجام، وهو واقع لا يمكن إزالته بأمر. فالتضخم، وانهيار العملة، ونقص الطاقة، والحرب والضغوط الاقتصادية، تصنع روايتها الخاصة دون إذن النظام.
والحيلولة دون الحديث عن هذه القضايا لا تخلق ثقة اجتماعية، بل تزيد الفجوة بين الدعاية الرسمية والتجربة اليومية للناس.
وتواجه إيران في الوقت نفسه انقسامَين: الانقسام بين أجنحة السلطة، والانقسام بين الحكومة والمجتمع. وتحاول رسالة مجتبى حذف الأول من الخطاب الرسمي حتى يصبح الثاني أقل ظهورًا. لكن منع رواية الخلاف لا يزيل سببه.
وتُظهر ردود فعل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، أن كبار المسؤولين فهموا "الرسالة" باعتبارها "أمرًا": فوصفها أحدهما بأنها استراتيجية للأمن القومي، فيما اعتبر الآخر الإضرار بالانسجام "حرامًا وطنيًا وشرعيًا".
ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في عدم فهم الأمر، بل في أن منفعة عصيانه تفوق كلفته.
فالحكومة التي لم تتوصل إلى اتفاق بشأن تقاسم السلطة والمسؤولية لن تحقق الانسجام بأمر من المرشد، ولا سيما إذا كان المرشد عاجزًا عن إظهار، بسرعة، أن تجاهل أمره قد تكون له كلفة.