وقالت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى لوكالة "رويترز" إن النظام الإيراني، الذي تمكن لعقود من الالتفاف على العقوبات، أصبح الآن في وضع "أكثر عرضة للخطر بكثير"، مع تقييد قنوات وصوله إلى العملات الأجنبية وشراء السلع.
وبحسب هذه المصادر، فإن المساعي الأميركية لقطع وصول إيران إلى الشبكات المالية الدولية في الدول التي اعتمدت عليها طهران لسنوات لمواصلة نشاطها الاقتصادي، تشكل تهديدًا حقيقيًا وفوريًا للنظام.
وزادت واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة الضغوط الاقتصادية على طهران بهدف انتزاع تنازلات منها في مفاوضات محتملة مستقبلاً، وهي تنازلات لم تتمكن ستة أشهر من المواجهات من تحقيقها حتى الآن.
وقال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في 3 سبتمبر (أيلول)، إن إدارة دونالد ترامب تمتلك أدوات مختلفة للضغط على النظام الإيراني، مشيرًا إلى "الضغط الاقتصادي، والضغط العسكري، والضغط الدبلوماسي، والضغط السري" باعتبارها من بين الخيارات المتاحة.
وأكد أن جميع هذه الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة.
تراجع عائدات النفط وانهيار العملة
كتبت "رويترز" أن الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية أدى إلى قطع المصدر الرئيسي لإيرادات طهران بشكل كامل.
وكان الاقتصاد الإيراني يواجه، حتى قبل الحرب، انهيارًا في قيمة العملة المحلية وارتفاعًا حادًا في التضخم، فيما تسببت أشهر من الهجمات العسكرية في تكاليف باهظة لإعادة بناء الصناعات والبنية التحتية المتضررة.
وقال ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى إن الضغوط المالية قلّصت أيضًا قدرة النظام الإيراني على الالتفاف على العقوبات، إذ باتت طهران تملك أموالاً أقل لتغطية التكاليف المرتفعة اللازمة للتحايل على العقوبات.
وقال مصدر إيراني رفيع المستوى إن إيران لا تملك سوى مخزون من البنزين يكفي لشهرين آخرين، وإنها، رغم إنتاجها النفط، تحتاج إلى استيراد البنزين بسبب محدودية طاقتها التكريرية.
وتدرك سلطات النظام الإيراني خطر الانهيار الاقتصادي واحتمال تجدد الاحتجاجات الواسعة في البلاد.
وقال أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز باسكتلندا، علي أنصاري، إن النظام الإيراني يواجه "ضغوطًا اقتصادية شديدة جدًا جدًا"، مضيفًا أنه يعتقد أن طهران ستضطر في نهاية المطاف إلى التفاوض.
كما قال وزير الطاقة الأميركي السابق، دان برويليت، إن استمرار الحصار الاقتصادي والإجراءات التي تتخذها الإدارة الأميركية ضد النظام الإيراني قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام الإيراني.
العقوبات الثانوية وتصاعد صعوبة الالتفاف عليها
وسعت الإجراءات الأميركية الجديدة نطاق العقوبات الثانوية المفروضة على الدول التي تتعامل تجاريًا مع إيران. وتهدف واشنطن إلى منع المعاملات بالدولار اللازمة لبيع النفط وتمويل واردات السلع والمواد الأولية الحيوية.
وقال ثلاثة مصادر إيرانية إن هذه الإجراءات جعلت استخدام شبكات الالتفاف على العقوبات، بما في ذلك الشركات الوهمية وناقلات النفط غير المسجلة والتهريب، أكثر تكلفة من أي وقت مضى.
ووفقًا لبيانات شركة "كبلر" لتحليل الأسواق، غفد انخفض تحميل النفط الخام الإيراني خلال الشهر الحالي إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا، بعدما كان نحو 1.7 مليون برميل يوميًا قبل عام.
وتقول طهران إنها لا تزال تخزن عشرات الملايين من براميل النفط على متن ناقلات خارج نطاق الحصار، لكن مسؤولاً إيرانيًا قال إن العقوبات الجديدة دفعت الوسطاء إلى الانسحاب من الصفقات أو المطالبة بمبالغ أكبر.
وقال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، خلال مقابلة مع التلفزيون الرسمي في 29 أغسطس (آب) الماضي، إن صادرات وواردات إيران تراجعت بنسبة تتراوح بين 25 و35 في المائة، وإن الانخفاض في الواردات كان أكبر.
كما أعلنت الإمارات العربية المتحدة، في 20 أغسطس الماضي، تعليق جميع المبادلات التجارية والتعاملات المالية مع طهران حتى إشعار آخر.
تصاعد الضغوط على معيشة الإيرانيين
ارتفع سعر الدولار من نحو 100 ألف تومان قبل عام إلى أكثر من 220 ألف تومان حاليًا.
وبالتزامن مع استمرار ارتفاع سعر الصرف في إيران، تجاوز سعر العملة الذهبية من نوع "إمامي" 235 مليون تومان، بينما بلغ سعر نصف العملة 120 مليون تومان.
ووفقًا للإحصاءات الرسمية، بلغ متوسط التضخم على مدى 12 شهرًا 69.9 في المائة، في حين بلغ معدل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ نحو ضعف هذا المستوى.
ووصل معدل البطالة الرسمي في الربيع إلى 9.1 في المائة، بينما انخفض عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق، بالتزامن مع تراجع معدل المشاركة في سوق العمل.
وكتبت "رويترز": "يبلغ متوسط الراتب الشهري نحو 125 دولارًا، بينما تصل تكاليف الاحتياجات الأساسية للأسرة، وفقًا للإحصاءات الرسمية، إلى نحو 450 دولارًا شهريًا".
وتزداد هذه الفجوة حدة بالنسبة إلى الحد الأدنى للأجور. ووفقًا لتحليل "إيران إنترناشيونال" في 2 سبتمبر الجاري، بلغ الأجر الأساسي الشهري للعمال، وفق سعر الصرف في ذلك اليوم، ما يعادل نحو 75 دولارًا، بينما قدرت اللجنة العمالية في المجلس الأعلى للعمل، وهي هيئة حكومية، تكلفة سلة المعيشة بأكثر من 80 مليون تومان.
كما أعلن مجلس المتقاعدين أن تكلفة تأمين "حياة طبيعية" تتجاوز 150 مليون تومان شهريًا.
وقالت مهناز، وهي موظفة تبلغ من العمر 34 عامًا في القطاع الخاص بطهران، لوكالة "رويترز": "نحن نزداد فقرًا كل يوم".