وتزامنًا مع نشر تفاصيل "مذكرة التفاهم" مع طهران، تشكلت موجة من ردود الفعل الناقدة في واشنطن؛ وهي ردود فعل لم تقتصر على الديمقراطيين فحسب، بل شملت أيضًا جزءًا من الجمهوريين، والشخصيات المحافظة، ومراكز الفكر، والمنظمات الداعمة لإسرائيل.
وذكرت وكالة "رويترز" للأنباء أن البيت الأبيض أرسل نص مذكرة التفاهم إلى أعضاء "الكونغرس"، ولكن حتى يوم الخميس 18 يونيو (حزيران)، لم تُعقد بعد جلسة إحاطة محددة للمشرعين. وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة المطالبات بمزيد من الشفافية ومنح "الكونغرس" حق الوصول الكامل إلى تفاصيل الاتفاق.
وتركز جانب من الانتقادات على بنود يرى المنتقدون أنها تشمل تخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنشاء آلية لجذب مئات المليارات من الدولارات كاستثمارات في إيران. ويقول المعارضون إن طهران لم تقدم مقابل هذه الامتيازات سوى الموافقة على إعادة فتح مضيق هرمز والتزامات غامضة بشأن برنامجها النووي.
ووصف السيناتور الجمهوري عن ولاية لويزيانا، بيل كاسيدي، هذا التفاهم بأنه "أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عدة عقود"، معتبرًا أن إيران تعلمت أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يمكن أن يؤتي ثماره. كما حذر السيناتور الجمهوري رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، روجر ويكر، من أن الاتفاق قد يبدد المكاسب العسكرية الأميركية على طاولة المفاوضات.
وفي صفوف الجمهوريين، لا تقتصر المخاوف على "الكونغرس"؛ إذ وصف المحلل المحافظ، بن شابيرو، "مذكرة التفاهم" بأنها "كارثة"، مشيرًا إلى أن نص الاتفاق لا يحقق أيًا من الأهداف الرئيسية المعلنة لإدارة ترامب. كما انتقد مارك ليفين استبعاد برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية من نص المذكرة، واصفًا الإجراء بأنه "غير مسؤول".
وفي السياق ذاته، كتبت مؤسسة "كارنيغي"، في تحليل لها، أن التفاهم الأخير مع إيران يتجاهل دروس الماضي. ووفقًا لتقديرات المركز، فإن تجربة أكثر من عقدين من المفاوضات النووية مع طهران أظهرت أن الغموض والعموميات يمكن أن يمهدا الطريق لاختلافات في تفسير الالتزامات، ومِن ثمّ انهيار الاتفاقيات في نهاية المطاف. وحذرت "كارنيغي" بشكل خاص من عدم وضوح مفهوم "الوضع الراهن" في برنامج إيران النووي ومستقبل تخصيب اليورانيوم.
ومن جانبها، أعلنت اللجنة الأميركية- الإسرائيلية للشؤون العامة (أيباك) أن التفاهم الأولي يثير تساؤلات مهمة حول الامتيازات المحتملة لطهران. وأكدت المنظمة ضرورة إطلاع "الكونغرس" على النص الكامل للاتفاق، وشددت على أن أي اتفاق نهائي يجب أن ينهي البرنامج النووي الإيراني بشكل دائم وقابل للتحقق، ويقضي بإخراج مخزون اليورانيوم المخصّب من إيران وتفكيك منشآت التخصيب. كما طالبت "أيباك" بإدراج برامج الصواريخ والطائرات المسيرة والدعم الإيراني للجماعات المسلحة الإقليمية في المفاوضات النهائية.
أما منظمة "الاتحاد ضد إيران النووية"، ورغم دعمها للإجراءات العسكرية التي اتخذتها إدارة ترامب ضد إيران، فقد أعلنت عدم تأييدها لمذكرة التفاهم الحالية. ووصفت المنظمة نص المذكرة بأنه "عام وغامض"، محذرة من أن تخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية، وإصدار إعفاءات نفطية، من شأنه أن يضعف جزءًا من أوراق الضغط الاقتصادي الأمريكي.
وفي معسكر الديمقراطيين، اشتدت وتيرة الانتقادات؛ حيث اتهم تشاك شومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، ترامب بالاستعداد لتقديم تنازلات مالية ضخمة إلى إيران من أجل إنهاء حرب بدأها بنفسه. وأكد أن الديمقراطيين لن يدعموا أي خطة تؤدي- حسب وصفه- إلى إرسال مئات المليارات من الدولارات إلى طهران.
واعتبر النائب الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي، جاش غوتهايمر، مذكرة التفاهم مؤشرًا على "الضعف والاستسلام" من جانب إدارة ترامب، لافتًا إلى غياب أي اتفاق واضح بشأن البرنامج النووي، أو الصواريخ الباليستية، أو الطائرات المسيرة، أو الدعم الإيراني للجماعات المسلحة في المنطقة. كما اتهم النائب الديمقراطي، ريتشارد نيل، إدارة ترامب بتقديم "وعود جوفاء" والتراجع أمام طهران.
وحذرت النائبة الديمقراطية عن ولاية أوهايو، مارسي كابتور، من المنافع الاقتصادية المحتملة للنظام الإيراني، قائلة إنه إذا حصلت طهران على مئات المليارات من الدولارات بموجب الاتفاق والرسوم المرتبطة بمضيق هرمز، فإن هذا الرقم سيكون باهظًا ومرفوضًا بالنسبة للعديد من الأمريكيين.
ووصف السيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، أليكس باديلا، الاتفاق بأنه "كارثي"، مشيرًا إلى أنه يضع إيران في موقف أفضل مما كانت عليه قبل بدء الحرب.
وأعرب السيناتور المستقل عن ولاية مين والمتحالف مع الديمقراطيين، أنغوس كينغ، بعد مراجعته لنص مذكرة التفاهم المكون من 14 بندًا، عن دهشته من حجم الامتيازات الممنوحة لطهران. ورأى أن هذا الاتفاق يفتقر إلى آلية واضحة للمراقبة والتحقق، واصفًا إياه بأنه أضعف مقارنة بالاتفاق النووي السابق، المُبرم عام 2015.
ومع ذلك، لم تكن جميع ردود الفعل سلبية؛ إذ وصف زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، جون ثون، مذكرة التفاهم بحذر بأنها "خطوة في الاتجاه الصحيح"، وإن أكد ضرورة ربط أي حوافز اقتصادية بتنفيذ إيران لالتزاماتها، لا سيما في المجال النووي.
كما دافع السيناتور الجمهوري عن ولاية كانساس، روجر مارشال، عن قرار ترامب بالتحرك نحو "سلام دائم" بدلاً من الانخراط في "حرب أخرى لا نهاية لها".
وفي رده على منتقديه، وصف دونالد ترامب معارضيه بـ "الأغبياء"، قائلاً إن ارتفاع مؤشرات البورصة وانخفاض أسعار النفط يثبتان أن مساره تجاه إيران كان صحيحًا. ورغم ذلك، يظهر حجم الردود الواسعة أن التفاهم المؤقت مع إيران قد تحول إلى قضية مثيرة للجدل، ليس فقط بين الديمقراطيين، بل وأيضًا داخل جزء من القاعدة الجمهورية والمحافظة الداعمة لترامب.