ووفقاً للمقال الافتتاحي، المنشور يوم الخميس 18 يونيو (حزيران)، فإن "مذكرة التفاهم" بين طهران وواشنطن من شأنها أن تقوّض الخطر الفوري لاندلاع حرب إقليمية شاملة، وقد تصب في مصلحة إسرائيل أيضاً ضمن مسار دبلوماسي جاد، لا سيما إذا تمكنت هذه الدبلوماسية من منع إيران من الاقتراب أكثر من القدرة على إنتاج سلاح نووي.
ومع ذلك، أشارت "جيروزاليم بوست" إلى أن الدبلوماسية لا يمكن أن تكون بديلاً للأمن؛ ففيما يخص الحدود الشمالية لإسرائيل، لم يعد هذا الموضوع نقاشاً نظرياً، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بالحياة اليومية للإسرائيليين.
إن الفارق بين عودة العائلات إلى مطلة، وكريات شمونة، وشلومي، والجليل، أو استمرار عام آخر من الشوارع الخالية، والمصالح التجارية المغلقة، والتعليم المؤقت، والحياة المعلقة وغير المستقرة، يتوقف على تأمين استقرار مستدام في المنطقة.
وبحسب تقرير "جيروزاليم بوست" فإنه، لم يُسمح لإسرائيل بالاطلاع على تفاصيل مذكرة التفاهم ودراستها قبل صيغتها النهائية، وذلك رغماً عن أن بنود التفاهم لها تأثير مباشر على الأمن القومي الإسرائيلي.
وكانت الولايات المتحدة وإيران قد أعلنتا، فجر 15 يونيو الجاري، التوصل إلى تفاهم لإنهاء الحرب. ووقّع على مذكرة التفاهم هذه، في ساعة مبكرة من صباح الخميس 18 يونيو، كل من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ونظيره الإيراني، مسعود بزشكيان.
وينص البند الأول من هذه الاتفاقية على أن الولايات المتحدة وإيران وحلفاءهما في الحرب الجارية يعلنون الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ويتعهدون بعدم القيام بأي عمل عسكري ضد بعضهم البعض، وضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها.
ملف لبنان.. أداة طهران للمساومة
ونقلت هيئة التحرير في "جيروزاليم بوست" لاحقاً عن دبلوماسيين غربيين توقعاتهم بأن يؤثر التفاهم الأخير على مسار المفاوضات الإسرائيلية- اللبنانية.
وطبقاً للتفاهمات السابقة بين إسرائيل ولبنان وأميركا، كان إقرار وقف إطلاق النار مشروطاً بانسحاب حزب الله من جنوب لبنان ونزع سلاح هذه الجماعة الوكيلة للنظام الإيراني، وفي المقابل، كان يتعين على الجيش اللبناني بسط سيطرته على تلك المناطق بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع المحددة.
وأضافت "جيروزاليم بوست": «كان هذا هو المسار الصحيح: تعزيز الدولة اللبنانية، وإضعاف حزب الله، وفصل مستقبل لبنان عن الأجندة الإيرانية. إلا أن إطار التفاهم الجديد بين أميركا وإيران قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فحينما يُربط الملف اللبناني بملف المفاوضات الإيرانية، يصبح مستقبل حزب الله بدوره رهينة لأوراق المساومة التي تملكها طهران».
ولهذا السبب، يرى المسؤولون في إيران وحلفاؤهم السياسيون في حزب الله منذ الآن أن انسحاب إسرائيل من لبنان يمثل جزءاً من المرحلة التالية للمفاوضات بين طهران وواشنطن
ويأتي هذا في وقت أكد فيه المسؤولون الإسرائيليون أنه على الرغم من التفاهم بين طهران وواشنطن، فإن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من جنوب لبنان.
اختلاف الرواية بين طهران وواشنطن حول مذكرة التفاهم
وجاء في سياق المقال الافتتاحي للصحيفة الإسرائيلية: «الخطر الرئيسي يكمن في تحول الحدود الشمالية لإسرائيل إلى أداة مساومة أخرى في اتفاقٍ أطرافه الرئيسية ليسوا هم الشعب الذي يعيش تحت تهديد صواريخ حزب الله».
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن على إسرائيل رفض أي مبادرة دبلوماسية؛ فإسرائيل بحاجة إلى أميركا وإلى علاقات عمل مع الدول المجاورة، ويتعين عليها دعم أي جهد جاد لتحويل لبنان إلى دولة ذات سيادة قادرة على فرض السيطرة على أراضيها، لأنه إذا تمكنت القوات المسلحة اللبنانية من أن تحل محل حزب الله في جنوب نهر الليطاني، فإن ذلك سيكون في مصلحة إسرائيل.
بيد أن وقف إطلاق النار الذي يترك حزب الله مسلحاً، وتمكينه سياسياً، ومدعوماً من النظام الإيراني، لا يمكن اعتباره حلاً مستداماً.
وأضافت: "لقد دفع سكان شمال إسرائيل ثمناً باهظاً منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ إذ عانوا من الإخلاء القسري من منازلهم، والهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة، وتدمير البيوت، وانهيار الاقتصاد المحلي، فضلاً عن الاستنزاف النفسي الناجم عن حالة عدم اليقين المستمرة".
وفي المقابل، شدد المسؤولون الإيرانيون على أن التفاهم الأخير مع واشنطن لا يعني تغييراً في السياسات الإقليمية للنظام الإيراني، وأن دعم حزب الله و"محور المقاومة" مستمر كما كان.
و"محور المقاومة" هو المصطلح الذي تطلقه السلطات ووسائل الإعلام التابعة للنظام الإيراني على الفصائل المسلحة المدعومة من طهران في المنطقة، مثل حماس، والجهاد الإسلامي، وحزب الله، والحشد الشعبي، والحوثيين في اليمن.
إسرائيل لا يمكنها القبول بأقل من تفكيك حزب الله
حذرت هيئة التحرير في "جيروزاليم بوست"، في ختام مقالها، من أنه عندما تمنح آلية دولية الأولوية للحفاظ على الهدوء في المنطقة على حساب القضاء على تهديد حزب الله، فإن سكان شمال إسرائيل يتلقون الرسالة المتكررة ذاتها: تحلوا بمزيد من الصبر، وثقوا بالوعود، وارضوا بالحد الأدنى.
ووفقاً للصحيفة، لا يمكن لإسرائيل التعايش مع نهج يقدم الاستقرار الإقليمي على إزالة تهديد حزب الله.
وجاء في ختام المقال: «يجب أن يكون موقف إسرائيل المسؤول حازماً لا متهوراً. إن أي اتفاق يجب أن يتضمن مؤشرات ومعايير تنفذ على أرض الواقع لانسحاب حزب الله ونزع سلاحه، وآلية ميدانية موثوقة من جانب لبنان أو المؤسسات الدولية، واعترافاً صريحاً بحق إسرائيل في التحرك لمواجهة التهديدات الوشيكة».
وأكد المقال أن مثل هذا الاتفاق لا ينبغي أن يسمح لإيران بالمقايضة على استقرار لبنان مقابل امتيازات نووية، ولا ينبغي أن يُطالب المواطنون الإسرائيليون بالعودة إلى ديارهم بناءً على وعود دبلوماسية لم يلتزم بها حزب الله قط حتى الآن.