وذكرت الصحيفة البريطانية، يوم الجمعة 5 يونيو (حزيران)، أن هذا الأسلوب ظهر لأول مرة في أوكرانيا؛ حيث جرى استقطاب مراهقين عبر الإنترنت للقيام بعمليات تخريبية، والتجسس، ونشر الدعاية الموجهة. ووفقًا للتقرير، سعت روسيا بعد ذلك إلى توسيع نطاق استخدام هؤلاء القصر ليشمل دولاً غربية أخرى، من بينها بولندا، وهولندا، وبريطانيا.
وأضافت "فايننشال تايمز" أن إيران اعتمدت أيضًا هذا النموذج لتسريع عملياتها ضد معارضيها في أوروبا، فضلاً عن إثارة عدم الاستقرار داخل إسرائيل.
وفي هذا الصدد، صرح الرئيس السابق لمكافحة الإرهاب في شرطة العاصمة لندن (متروبوليتان)، دومينيك مورفي، بأن الحكومات المعادية تحاول بكل تأكيد استقطاب المراهقين. وتابع قائلاً: "لقد فوجئت بحجم هذا التحدي، إذ بدا أن هذه المسألة ظهرت فجأة قبل نحو 18 شهرًا. كما تملكني الذهول بالقدر ذاته من الأعداد الكبيرة للشباب المستعدين والراغبين في الانخراط في هذا الأمر عبر الإنترنت".
وفي مقابلات مع "فايننشال تايمز"، أعلن مسؤولو الاستخبارات الأوكرانية أن 21 في المائة من الأشخاص الذين جرى اعتقالهم في عام 2025 بتهمة التعاون مع روسيا كانوا من المراهقين.
وكذلك، فإن جزءًا كبيرًا من المعتقلين على خلفية الهجمات المعادية للسامية في مناطق مختلفة من أوروبا- والتي أعلنت الجماعة المدعومة من إيران والمعروفة باسم "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" مسؤوليتها عنها- كانوا من المراهقين دون سن 18 عامًا في دول شملت بريطانيا، وفرنسا، وهولندا. ولطالما حذرت السلطات البريطانية مرارًا من أن إيران تحاول استغلال العصابات الإجرامية لتنفيذ أعمالها العدائية على الأراضي البريطانية.
دور شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الألعاب الإلكترونية
أوضحت "فايننشال تايمز" أن تجنيد العناصر للأنشطة التخريبية يتبع عادةً نمطًا مشابهًا: حيث يتم رصد المراهقين والشباب واستقطابهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية مثل "تلغرام، وتيك توك، وسناب شات، وفيسبوك، وديسكورد".
وبحسب الصحيفة، تحولت هذه القنوات إلى أداة فعالة للدول المعادية لتجنيد العناصر نظرًا لطبيعتها الخفية وصعوبة تتبع مستخدميها. ووفقًا للتقرير، يتم دفع مبالغ مالية لهؤلاء الأفراد مقابل تنفيذ مهام محددة، ويأتي الجزء الأكبر من هذه المدفوعات في شكل عملات رقمية مشفرة.
وأضافت الصحيفة أن مواقع ومنصات ألعاب الفيديو- باعتبارها الوسيلة الترفيهية الأكثر شعبية بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و24 عامًا- باتت إحدى البيئات الأساسية لرصد وتجنيد العناصر المحتملة لتنفيذ الأعمال التخريبية. وعادةً ما يعمل المندوبون المسؤولون عن التجنيد بهويات مجهولة، وينتمي كثير منهم إلى عصابات إجرامية؛ وهي مجموعات، رغم عدم خضوعها المباشر لسيطرة الحكومات، يتم توظيفها من قبل الأجهزة الاستخباراتية لإدارة عمليات سرية.
المواجهة بين إيران وإسرائيل
تابعت "فايننشال تايمز" أن التكتيك الذي استُخدم لأول مرة في حرب أوكرانيا يتم تطبيقه الآن في الشرق الأوسط؛ حيث تستغل إيران النموذج ذاته في صراعها ضد إسرائيل.
ففي شهر مارس (آذار) الماضي، خضع مراهق يبلغ من العمر 14 عامًا ويقيم في تل أبيب للملاحقة القضائية بتهمة التواصل مع عميل خارجي ونقل معلومات إلى العدو. وأعلن الادعاء العام الإسرائيلي أن تواصل هذا المراهق مع أحد عملاء النظام الإيراني بدأ قبل نحو 11 شهرًا عبر تطبيق "تلغرام".
وكان العميل التابع لإيران قد عرض على المراهق الحصول على مبالغ بالعملة الرقمية مقابل تنفيذ مجموعة من الأعمال التخريبية.
وبحسب السلطات القضائية الإسرائيلية، قام المراهق بتصوير مقر القاعدة العسكرية "كيريا" في تل أبيب، وتوثيق الأضرار الناجمة عن الهجمات الصاروخية الإيرانية في موقعين، بالإضافة إلى كتابة شعارات (غرافيتي) في عدة نقاط بالمدينة، وحصل مقابل هذه الأنشطة على ما يربو على 1170 دولارًا جرى تحويلها عبر أربع محافظ رقمية منفصلة.
وكان جهاز الأمن العام الإسرائيلي قد حذر سابقًا من هذا التهدید المتنامي؛ حيث أصدر الصيف الماضي بيانًا موجهًا إلى أولياء الأمور أفاد فيه بأن بعض الأطفال والمراهقين الإسرائيليين يتلقون رسائل "تبدو غير مؤذية" في الفضاء الافتراضي.
ووفقًا لتحذير "الشاباك"، كانت هذه الرسائل تطلب من المتلقين التقاط صور لمبانٍ ومنشآت مختلفة، وجمع معلومات، وكتابة شعارات تحض على الكراهية على الجدران، وتحديد مواقع حساسة. وأضاف الجهاز أن هذه الطلبات كانت تصدر عن "عناصر معادية تابعة لإيران" على منصات مثل: "فيسبوك، وتلغرام، وإنستغرام، وتيك توك"، وكان هدفها استدراج القصر في إسرائيل للقيام بأنشطة تجسسية.
إمكانية الإنكار للدول المعادية
أشارت "فايننشال تايمز" إلى أن الحكومات التي تستخدم المراهقين لإدارة العمليات السرية والتخريبية ترى فيهم عناصر يمكن استبدالها بسهولة. وبحسب الصحيفة، فإنه في حال فشل مثل هذه العمليات، لا تتحمل الحكومات الداعمة كلفة تذكر، بينما تجني الثمار في حال نجاحها.
ويصعب على أجهزة الاستخبارات الأوروبية إثبات صلة مباشرة بين هذه العمليات وروسيا أو إيران، مما يتيح للحكومات المتهمة إنكار أي تورط بسهولة. وفي المقابل، يقع الخطر الأكبر على عاتق الأفراد الذين يتم استقطابهم داخل هذه الشبكات؛ وهم مراهقون قد تنقلب حياتهم رأسًا على عقب إلى الأبد في حال قبولهم هذه العروض وتنفيذ المهام.
واختتمت الصحيفة بالقول إن طهران وموسكو تواصلان تحقيق أهدافهما في إطار "الحرب الهجينة" عبر استغلال جيل نشأ في الفضاء الرقمي؛ وهي مواجهة تقع في المنطقة الرمادية الفاصلة بین السلم والنزاع العسكري المسلح.
ويُذكر أنه في 3 يونيو، أعلن الادعاء العام البريطاني النظر في قضية مراهق نرويجي جرى توظيفه من قبل عصابة الجريمة المنظمة "فوكستروت" المرتبطة بإيران لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا. وكان المتهم، الذي يبلغ من العمر الآن 19 عامًا، قد اعتُقل في شهر مارس (آذار) 2025 في مدينة هادرسفيلد شمالي إنجلترا.