موازنة الصین "الصعبة" تجاه إیران

تُبدي الصين قلقًا متزايدًا بشأن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، حتى وهي تواصل حماية طهران دبلوماسيًا في الأمم المتحدة.
محلل اقتصادي في شؤون الطاقة

تُبدي الصين قلقًا متزايدًا بشأن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، حتى وهي تواصل حماية طهران دبلوماسيًا في الأمم المتحدة.
وصرح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال زيارته الأخيرة لبكين بأن نظيره الصيني، شي جين بينغ، أكد أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. كما دعت وزارة الخارجية الصينية مرارًا إلى إعادة فتح مضيق هرمز "في أقرب وقت ممكن"، وحثت على "وقف شامل ودائم لإطلاق النار" بين إيران والولايات المتحدة.
وقبل إغلاق مضيق هرمز، كان ما يقارب 45 في المائة من واردات النفط الصينية يمر عبر الممر المائي الاستراتيجي. ومع قفز العقود الآجلة لخام برنت إلى 117 دولارًا للبرميل، وتداول شحنات النفط الفعلي بأسعار وصلت إلى 150 دولارًا، استجابت الصين بخفض وارداتها النفطية بنسبة 20 في المائة الشهر الماضي، ورفعت أسعار البنزين والديزل محليًا في 9 مايو (أيار) الجاري.
وذكرت وكالة "رويترز" أن أسعار المنتجين في الصين ارتفعت إلى أعلى مستوى لها منذ 45 شهرًا في أبريل (نيسان) الماضي، في حين تسارع التضخم الاستهلاكي أيضًا. لكن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الصيني تتجاوز بكثير إمدادات الطاقة. وعلى الرغم من أن بكين لم تنشر بعد بيانات الجمارك للشهر المنتهي، فإن أرقام مارس (آذار) الماضي تشير بالفعل إلى انهيار حاد في الصادرات الصينية إلى المنطقة.
ووفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، فقد انخفضت الصادرات إلى الدول الخليجية إلى 5.7 مليار دولار فقط خلال شهر مارس- وهو الشهر الأول من الحصار الإيراني لمضيق هرمز- تراجعًا من 13.2 مليار دولار في الشهر السابق. وبعبارة أخرى، تراجعت الصادرات الصينية إلى المنطقة الخليجية بنسبة 57 في المائة بغضون شهر واحد.
وتمثّل هذه الأرقام جزءًا فقط من التداعيات الاقتصادية التي تواجهها الصين؛ حيث نفذت الشركات الصينية أو استثمرت في مشاريع تبلغ قيمتها نحو 39.4 مليار دولار في جميع أنحاء الشرق الأوسط العام الماضي. ولكن مع انزلاق المنطقة بشكل أعمق في الصراع، وشن إيران هجمات واسعة النطاق ضد جيرانها العرب، فإن العديد من استثمارات بكين الإقليمية تواجه حالة متزايدة من عدم اليقين.
ولا ينبغي الاستهانة بتوقعات تلك الدول بأن تمارس الصين ضغوطًا على طهران؛ فقد صدّرت الصين ما قيمته نحو 340 مليار دولار من السلع إلى جيران إيران العرب، وهو ما يعادل تقريبًا الحجم الإجمالي للاقتصاد الإيراني. ولا يمكن لبكين ببساطة أن تتجاهل مخاوف شركائها الإقليميين الأثرياء.
وقد يكون أحد الروافد المحتملة المتاحة للصين هو تقليص مشترياتها من الخام الإيراني. وتُظهر بيانات مؤسسة "كبلر"، المتخصصة في تحليلات بيانات التجارة والشحن البحري، أنه على الرغم من الطلب القوي، فقد خفّضت الصين وارداتها من النفط الإيراني بنحو الثلث في أبريل الماضي مقارنة بمارس، الذي سبقه، لتقلص مشترياتها إلى 1.16 مليون برميل يوميًا. ومع ذلك، تظل الصين أكبر شريك تجاري غير نفطي لإيران.
ورغم كل ذلك، واصلت بكين دعم طهران دبلوماسيًا؛ حيث عارضت الصين وروسيا قرارات الأمم المتحدة الأخيرة المدعومة من الولايات المتحدة بشأن مضيق هرمز، بحجة أن التدابير كانت أحادية الجانب وتخاطر بتغذية المزيد من التصعيد. وقال مبعوث الصين لدى الأمم المتحدة، فو غونغ، إن القرار المقترح "ليس مفيدًا"، وجادل بأن توقيته ومضمونه كانا خاطئين.
ومع ذلك، لا تزال إيران تمثل ورقة استراتيجية مهمة لبكين في منافستها الأوسع مع الغرب. ورغم التكاليف الاقتصادية المتزايدة، فمن غير المرجح أن تدعم الصين أي نتيجة من شأنها أن تترك طهران مهزومة استراتيجيًا أمام واشنطن.

من المقرر أن يصل دونالد ترامب، يوم الأربعاء 13 مايو (أيار) إلى بكين، في أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ ما يقرب من عقد. وسيكون نظيره الصيني، شي جين بينغ، في استقباله. وتأتي هذه الزيارة في ظل "الحرب مع إيران"، وأزمة مضيق هرمز، وحرب الرسوم الجمركية، والتوتر بشأن تايوان.
ومنذ سنوات يركّز ترامب بشكل خاص على الصين؛ فهو، منذ أوائل العقد الماضي على الأقل، كان يرى أن بكين "تستغل" الولايات المتحدة عبر التجارة، وقد أطلق خلال ولايته الأولى حربًا تجارية واسعة فرض خلالها رسومًا جمركية على مئات مليارات الدولارات من الواردات الصينية، ودفع مؤسسات الحكومة الأميركية إلى التعامل مع الصين باعتبارها "منافسًا استراتيجيًا".
وترافقت تلك المرحلة مع تصعيد متكرر للرسوم الجمركية وتشكيل إطار أوسع من "المنافسة" في المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية.
وفي ولايته الثانية، تذبذبت العلاقات بين البلدين بين المواجهة والتعاون التكتيكي. وأعاد ترامب فرض الضغوط الجمركية، ورفعها في مرحلة ما إلى 140 في المائة. وهي خطوة قوبلت بردّ صيني مماثل.
وعندما لم تؤدِّ هذه السياسة إلى الحصول على تنازلات كبيرة من بكين، غيّر ترامب خطابه، وأكد شراكة "مجموعة الدولتين (G2)"، وأشاد شخصيًا بالرئيس الصيني، شي جين بينغ، ووافق خلال قمة أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في بوسان على هدنة لمدة عام في الحرب التجارية.
وفي هذه المرحلة، خفّف من أهمية قضايا حقوق الإنسان في شينغ يانغ وهونغ كونغ والتبت، كما خفف لهجته بشأن تايوان رغم استمرار بيع الأسلحة لها، لتجنب استفزاز بكين بشكل مفرط.
سفر رؤساء الولايات المتحدة إلى الصين
أصبحت زيارات الرؤساء الأميركيين إلى الصين منذ السبعينيات أداة دبلوماسية مهمة.
وكانت زيارة الرئيس الأميركي الأسبق، ريتشارد نيكسون، عام 1972 نموذجًا كلاسيكيًا، وأسهمت في إعادة العلاقات بعد عقود من العداء خلال الحرب الباردة، وأدت إلى إصدار "إعلان شنغهاي".
كما زار جيرالد فورد الصين عام 1975 وأكد التزامات واشنطن ضمن ذلك الاتفاق.
وبعد إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1979، استخدم الرؤساء الأميركيون اللاحقون الزيارات لإدارة التعاون والأزمات.
وزار رونالد ريغان الصين عام 1984 وأكد تطوير علاقات "بناءة" رغم انتقاده الشيوعية.
أما جورج بوش الأب فزار الصين عام 1989 وأكد سياسة "الصين الواحدة".
وفي 1998 ركّز بيل كلينتون خلال زيارته على الحوار والتجارة وحقوق الإنسان.
كما زار جورج بوش الابن وباراك أوباما الصين عدة مرات، غالبًا في سياق ملفات اقتصادية وأمنية وأحداث كبرى، مثل أولمبياد بكين 2008 وقمة أبيك 2014.
كما زار ترامب نفسه الصين عام 2017 عندما كانت العلاقات أكثر ودّية نسبيًا، مع تركيز على المفاوضات التجارية والاستقبال الرسمي الواسع من جانب شي جين بينغ.
لماذا يزور ترامب الصين؟
تُعد الزيارة المقررة أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ ما يقارب عقدًا من الزمن، وتأتي بعد فترة قصيرة من الهدنة الجمركية لعام 2025.
وفي مجال الاقتصاد والتجارة، يسعى ترامب إلى زيادة مشتريات الصين من السلع الأميركية، مثل فول الصويا، وربما منتجات ذات قيمة مضافة عالية مثل محركات الطائرات، إضافة إلى ضمان وصول أوضح للشركات الأميركية، خصوصًا في قطاعي التمويل والخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا، إلى السوق الصينية.
أما في ملف التكنولوجيا والعقوبات، فما زال الطرفان في خلاف حول التحكم بأشباه الموصلات وشرائح الذكاء الاصطناعي وقيود التصدير. وقد سمحت واشنطن مؤخرًا ببيع بعض شرائح الذكاء الاصطناعي من شركة "إنفيديا" للصين، بينما هددت بكين باتخاذ إجراءات مضادة رداً على القوانين الأميركية التي تصف الصين بأنها تهديد أمني.
كما تبرز في الخلفية قضيتان جيوسياسيتان مهمتان:
أولًا، "الحرب في إيران" التي أدت إلى اضطراب أسواق الطاقة والسياسة العالمية، وأعطت الصين نفوذًا ومصالح اقتصادية في تعاملاتها مع طهران تختلف عن مصالح واشنطن.
ثانيًا، قضية تايوان التي تُعد من أبرز مصادر القلق لبكين، حيث تطالب الصين بموقف أميركي أوضح ضد استقلال تايوان وبقدر أكبر من التنبؤ في مبيعات الأسلحة الأميركية. في المقابل، كان ترامب قد أجّل سابقًا صفقة تسليح كبيرة لتايوان.
كما أن ميل ترامب إلى الإشادة بالرئيس الصيني وتخفيف الانتقادات العلنية بشأن حقوق الإنسان يهدف إلى تهدئة أجواء الزيارة، لكنه في الوقت نفسه يقلل من أدوات الضغط الأميركية المرتبطة بملف حقوق الإنسان.
نتائج محتملة للزيارة
على المدى القصير، من المرجح أن تؤدي هذه الزيارة إلى "إنجازات" ملموسة لكنها محدودة من حيث التغيير البنيوي.
ويتوقع محللون الإعلان عن اتفاقات تتعلق بمشتريات جديدة من جانب الصين، مثل المنتجات الزراعية أو بعض السلع الصناعية الخاصة، إضافة إلى إحراز تقدم رمزي في مسألة الوصول إلى الأسواق، وإصدار بيانات مشتركة حول التعاون.
وقد تسهم مثل هذه الاتفاقات في تهدئة الأسواق وتعزيز التوقف لمدة عام عن تصعيد الرسوم الجمركية، وهو ما من شأنه تقليل حالة عدم الاستقرار الاقتصادي الفوري بين البلدين.
على المدى الطويل، يعتمد تأثير هذه الزيارة على ما يتم التوصل إليه خلف الأبواب المغلقة من اتفاقات. فإذا قدّم دونالد ترامب تنازلات في مقابل مكاسب اقتصادية قصيرة الأمد، في قضايا مثل صياغة السياسة الأميركية تجاه تايوان، أو توقيت بيع الأسلحة، أو قيود التكنولوجيا المتقدمة، فقد تعزز بكين موقعها الاستراتيجي، بينما قد تحصل واشنطن فقط على تخفيف مؤقت للضغوط التجارية.
ومن جهة أخرى، إذا التزم الطرفان بنوع من "المنافسة المُدارة"، أي قبول التنافس في مجالات التكنولوجيا والنفوذ الإقليمي مع تجنب تصعيد غير مضبوط للتوتر، فقد تسهم هذه الزيارة في تثبيت العلاقات بين البلدين وتقليل خطر الأزمات في شرق آسيا، على الأقل على المدى القصير.
وفي كل الأحوال، تُعد زيارة ترامب إلى الصين استمرارًا للنمط الذي اتبعه الرؤساء الأميركيون السابقون، والمتمثل في استخدام الزيارات المكلفة والرمزية لتحقيق توازن بين المنافسة والتعاون في علاقة يُنظر إليها على أنها أهم علاقة ثنائية في العالم.
أصبحت العلاقة بين طالبان وإيران، التي كانت في السابق تتسم بالمواجهة العسكرية وكادت تدفع الطرفين إلى الحرب، تقوم اليوم على الحذر والانخراط الهادئ.
طالبان، التي تقدم نفسها ممثلةً لحركة إسلامية سُنية متشددة، والنظام الإيراني، أحد أبرز مراكز السلطة السياسية الشيعية، يحافظان الآن على علاقات حلت فيها السياسة العملية والضرورة المتبادلة إلى حد كبير محل العداء الطائفي العميق.
للوهلة الأولى تبدو العلاقة متناقضة. فلا تزال حادثة "مزار الشريف" عام 1998، التي قُتل فيها دبلوماسيون إيرانيون وكاد الطرفان يدخلان بسببها في حرب، راسخة في ذاكرة النظامين.
ولكن بعد أكثر من عقدين، تغيّر المشهد الإقليمي، وتبدلت الخصومات، وأثبت المبدأ نفسه مجددًا: ففي الشرق الأوسط وعموم آسيا الوسطى والجنوبية، غالبًا ما يُستخدم الدِّين في الخطاب، بينما تتحكم المصالح السياسية في القرارات.
من "العداء" إلى "الانخراط"
عندما عادت "طالبان" إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، كانت إيران من بين الدول القليلة التي لم تغلق أبوابها بالكامل. فطهران لم تعترف رسميًا بحكومة طالبان، لكنها أيضًا لم تقطع علاقاتها معها.
وأدركت إيران أن أفغانستان، التي تواجه انهيارًا اقتصاديًا وعزلة دولية وغموضًا سياسيًا تحمل في طياتها مخاطر وفرصًا، ولذلك اختارت الانخراط بدل الإقصاء.
وفي المقابل، اضطرت "طالبان"، المقيَّدة بالعقوبات وتجميد الأصول والعزلة الدبلوماسية، إلى الاعتماد على الدول المجاورة. وأصبحت إيران، بحدودها الطويلة المشتركة، ووقودها وكهربائها وطرق عبورها ونفوذها الإقليمي، شريكًا عمليًا للحركة.
وبعد وفاة الملا عمر، الزعيم الثاني لـ "طالبان"، برز الملا أختر محمد منصور كحلقة وصل أساسية مع إيران. وقد أسس مقربون منه، من بينهم إبراهيم صدر والملا شيرين والملا طالب، مدارس دينية سُنَّية في بلوشستان الإيرانية.
وخلال العقدين الماضيين، انتهجت إيران ما يصفه مسؤولون أفغان بـ «السياسة متعددة المسارات»، إذ حافظت على علاقاتها مع الحكومة الجمهورية الأفغانية، وفي الوقت نفسه وسّعت اتصالاتها السرية والعلنية مع "طالبان" للحفاظ على نفوذها تحت أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
وقال المستشار السابق للرئاسة الأفغانية، محمد إقبال عزيزي، إن إيران عمّقت علاقاتها مع طالبان بشكل كبير بعد عام 2004، بسبب معارضتهما المشتركة للوجود العسكري الأميركي.
وأضاف: «لهذا السبب ذهب الملا منصور وإبراهيم صدر وآخرون إلى إيران وتلقوا الدعم منها".
أما الرئيس السابق للمكتب الإداري الرئاسي في أفغانستان، فضل محمود فضلي، فقال إن بعض القبائل تحتفظ بروابط قديمة مع إيران.
وأضاف: «في السنوات الأخيرة تعاون قادة من طالبان من قبائل إسحاق زاي ونورزاي وعلي زاي مع الحرس الثوري الإيراني في عمليات تهريب، وأصبحت هذه العلاقات قوية إلى درجة أنها أخذت شكل شراكة جديدة".
ومن جهته، قال عضو مجلس الشيوخ الباكستاني السابق، أفراسياب ختك، إن إيران حافظت منذ فترة طويلة على علاقات مع مختلف الأطراف السياسية في أفغانستان.
وأضاف: «أفغانستان مهمة لإيران، وعلاقاتها مع الحكومات الأفغانية تقوم على سياسة براغماتية. لا يمكن لإيران ببساطة أن تتحرك على أساس ديني بحت".
وأشار ختك إلى أن إيران استثمرت كثيرًا في علاقتها مع "طالبان"، خلال سنوات الحرب، ولا يزال نفوذها على بعض قيادات الحركة واضحًا.
ومن العوامل الرئيسية التي دفعت إلى تقارب الطرفين تدهور علاقة "طالبان" مع باكستان. فالعلاقات مع إيران تساعد طالبان في تجنب العزلة، بينما تدرك طهران حجم النفوذ الذي تمنحه لها هذه التبعية.
تهديدات ومصالح مشتركة
أحد أهم أسباب تحسن العلاقات بين طالبان وإيران هو منطق التهديدات المشتركة. فالوجود العسكري الأميركي في أفغانستان مثّل تحديًا للطرفين، ومهّد الطريق لتقارب تدريجي؛ إذ سعت إيران إلى الحد من النفوذ الأميركي، بينما خاضت "طالبان" حربًا مباشرة ضده.
كما واجهت إيران مخاوف أمنية أوسع مرتبطة بأفغانستان، مثل استقرار الحدود، وتنظيم داعش- خراسان، والتمرد البلوشي، وتهريب المخدرات، وتدفقات اللاجئين. ومن وجهة نظر طهران، لم يكن بالإمكان إدارة كثير من هذه الملفات إلا من خلال التعامل مع طالبان.
كما تلعب العوامل الاقتصادية دورًا رئيسيًا. فقد دفعت العقوبات والعزلة "طالبان" نحو الشبكات الاقتصادية الإقليمية، وأصبحت إيران موردًا مهمًا للوقود والكهرباء والبضائع. وفي المقابل تسعى طهران إلى الوصول إلى السوق الأفغانية وطرق العبور والموارد المائية.
وبدا أن العلاقات بين كابول وطهران ازدادت تقاربًا بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة على إيران. ففي ظل الضغوط القادمة من واشنطن وإسرائيل وأجزاء من العالم العربي، تبدو طهران أقل استعدادًا لخسارة تعاون طالبان.
وقال أحد الأعضاء المؤسسين لـ "طالبان"، متحدثًا شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الملا أختر منصور كان يعارض بناء العلاقات مع إيران على أساس الهوية الطائفية.
وأضاف: «أتذكر أنه في عام 2000 عندما جاء الملا أختر منصور إلى باكستان والتقينا في كويتا (عاصمة إقليم بلوشستان باكستان)، حمل رسالة من الملا محمد عمر تقول إن العلاقات مع إيران يجب أن تُبنى على المصالح لا على الخلافات الدينية".
وأضاف أن إيران دعمت قوات طالبان في هلمند وهرات وقندهار وزابل وغزني وميدان وردك وفراه خلال سنوات التمرد.
أما وزير الدفاع الأفغاني السابق بالوكالة، شاه محمود مياخيل، فقال إن المخاوف المشتركة من تنظيم داعش- خراسان خلقت أيضًا مساحة للتعاون.
وأضاف: «تعلمت طالبان من حكمها الأول أن الصراع مع إيران يكلفها كثيرًا. كما أن إيران أصبحت أكثر اطمئنانًا بسبب تدهور علاقات طالبان مع باكستان".
وتتقاسم إيران وأفغانستان حدودًا تمتد لنحو 900 كيلومتر، بينما تبقى قضايا اللاجئين وتهريب المخدرات والتهريب والنزاعات المائية ملفات يستحيل إدارتها دون انخراط مستمر.
وقال آخر سفير للحكومة الجمهورية الأفغانية السابقة لدى إيران، عبد الغفور ليوال، إن طهران أقرت علنًا بمنطقها "البراغماتي".
وأضاف: «قالت لي إيران رسميًا إن طالبان أعداء للولايات المتحدة، وكذلك نحن. وبسبب الحدود الطويلة مع أفغانستان، فإنها مضطرة للحفاظ على علاقات مع طالبان".
كما قال مسؤول في وزارة خارجية "طالبان"، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الاقتصاد يلعب دورًا محوريًا في هذه العلاقة.
وأضاف: «أفغانستان سوق جيدة لإيران، وإيران مصدر جيد للبضائع بالنسبة لنا.»
"براغماتية" بلا ثقة
رغم تنامي التعاون بين طهران وطالبان، لا تزال العلاقة مقيدة بخلافات أيديولوجية وجيوسياسية عميقة.
فالجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران تستمد شرعيتها من مبدأ "ولاية الفقيه"، بينما تتبع "طالبان" تفسيرًا سُنيًا "ديوبنديًا" (مدرسة فكرية إسلامية سُنية نشأت في الهند) متشددًا للإسلام. ولا ينظر الطرفان إلى بعضهما كحليفين طبيعيين بقدر ما يعتبر كل منهما الآخر خصمًا ضروريًا يمكن احتواؤه.
كما تزيد التنافسات الإقليمية من تعقيد المشهد. فكما تؤثر المنافسة بين الهند وباكستان على أفغانستان، تلعب أيضًا المنافسة بين إيران والدول العربية دورًا مشابهًا.
ورغم أن طالبان تجنبت إدانة الهجمات الإيرانية على الدول العربية بشكل مباشر، فإنها وصفت في بعض الأحيان التصعيد الإقليمي بأنه عامل لعدم الاستقرار. كما يسعى مسؤولو "طالبان" إلى تعزيز العلاقات مع السعودية وقطر والإمارات، ما يجعل الاصطفاف الكامل مع طهران أمرًا صعبًا.
وتواصل "طالبان" أيضًا السعي لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة على أمل تخفيف العزلة الدبلوماسية وضغوط اللاجئين.
وعلى الصعيدين الداخلي والثنائي، تبقى الخلافات حول اللاجئين الأفغان وحقوق مياه نهر هلمند مصادر توتر مستمرة.
كما تأمل "طالبان" أن تعترف إيران رسميًا بحكومتها في نهاية المطاف، لكن طهران تبدو مصممة على استخدام ورقة الاعتراف كوسيلة ضغط.
وفي الوقت الراهن، تربط الضرورة بين طهران و"طالبان" أكثر مما تفرقهما الأيديولوجيا. لكن العلاقة تقوم أقل على الثقة، وأكثر على واقع إقليمي متقلب يخشى فيه الطرفان العزلة أكثر من خوفهما من بعضهما البعض.
لا يرتبط عداء النظام الإيراني لدولة الإمارات العربية المتحدة بالحدود، بقدر ما ينبع من تناقض وجودي عميق.
وأدق توصيف لهذا الشرخ قدمته وزيرة الدولة الإماراتية، ريم الهاشمي، حين أكدت أن الإمارات تعرضت لهجمات طهران أكثر من أي دولة أخرى، لأنها تمثّل كل ما لا يمثله النظام الإيراني. فالإمارات، من خلال نموذجها القائم على الازدهار الاقتصادي، وتعدد الأديان، والتعايش الثقافي العالمي، تحولت عمليًا إلى نقيض للنموذج الذي يقوم بقاؤه على العزلة الأيديولوجية وترويج الفقر تحت شعار “المقاومة”.
الخوف من سقوط الرواية
بالنسبة لنظام أمضى عقودًا يروّج للتقشف الثوري ويهاجم الرفاهية، فإن مشاهدة دولة مسلمة مجاورة تصل إلى قمم الازدهار والتكنولوجيا يُعد كابوسًا حقيقيًا.
فنجاح دبي وأبوظبي ينسف تلقائيًا سردية فشل النماذج غير الثورية. لذلك، تحاول طهران تصوير التنمية الإماراتية على أنها واجهة للاستعمار الحديث، لأن الاعتراف بنجاح هذا النموذج يعني الاعتراف بفشل أربعة عقود من شعارات “الاقتصاد المقاوم” في إيران.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا داخل إيران نفسها؛ حيث يعيش جزء من النخبة وفق نمط حياة مترف يتناقض مع الخطاب الرسمي للنظام الإيراني.
استراتيجية التدمير
يستند تركيز مؤيدي النظام ووسائل الإعلام المتشددة على التهديد بضرب الأبراج والفنادق الرمزية في دبي إلى منطق يستهدف السمعة والأمان. فهم يدركون أن قوة الإمارات تقوم على صورة الاستقرار والثقة.
وبينما يمكن إعادة بناء الأهداف العسكرية، فإن سقوط رمز مثل برج خليفة قد يوجه ضربة قاسية للسياحة والاستثمار الأجنبي.
واللافت أن الترويج العلني لاستهداف مواقع مدنية لا يُنظر إليه داخل الخطاب الرسمي بوصفه دعوة للحرب، بل كجزء من مشروع “المواجهة”. كما أن هذا الخطاب، القادم من مختلف التيارات داخل النظام، يعكس وحدة الهوية السياسية للنظام الإيراني مهما اختلفت الواجهات.
“البيت الزجاجي” ومنطق الهشاشة
استخدام تعبير “البيت الزجاجي” في الخطاب العسكري والإعلامي الإيراني يحمل رسالة واضحة لأبوظبي.
فبحسب تحليلات مقربة من المؤسسات العسكرية، فإن دولة تعتمد على بنية عمرانية حديثة ومركزة تبقى شديدة الحساسية أمام الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وفي هذا السياق، وصفت صحيفة “وطن امروز” الإيرانية الإمارات بأنها “الإمارات القابلة للانفجار”.
ويُنظر إلى هذه اللغة باعتبارها محاولة للضغط على دولة “لديها الكثير لتخسره”، في مقابل نظام اعتاد إدارة الأزمات والعقوبات.
لكن، بحسب التحليل، فإن النظام الإيراني يتجاهل ميزان القوة طويل المدى، حيث استثمرت الإمارات في تحويل الصحراء إلى مركز عالمي للاستثمار والرفاهية.
"اتفاقات إبراهيم" وتغيّر المعادلة
الجانب الأكثر ارتباطًا بإسرائيل في هذا العداء يتمثل في دور الإمارات ضمن “اتفاقات إبراهيم”.
فمن وجهة نظر قادة النظام الإيراني، لا يمثل الاتفاق تحركًا دبلوماسيًا فحسب، بل يُعد “خيانة استراتيجية” وتهديدًا وجوديًا، لأنه أنهى عزلة إسرائيل الإقليمية وفتح الباب أمام تعاون أمني وتقني قرب السواحل الإيرانية.
وترى طهران بقلق كيف نجحت الإمارات في إعادة تعريف أمنها عبر التحالف مع قوى تكنولوجية حديثة، ما أضعف النفوذ الإيراني التقليدي في العالم العربي.
استقلالية الطاقة ونهاية التبعية
كما أن تحركات الإمارات لإعادة النظر في حصص “أوبك”، أو حتى بعد انسحابها من المنظمة، تعكس صعود لاعب مستقل يقدّم مصالحه الوطنية على التحالفات النفطية التقليدية.
وبالنسبة لطهران، التي تحتاج إلى تماسك “أوبك” تحت ضغط العقوبات، فإن هذا التحول يمثل ضربة إضافية.
نهاية احتكار الرواية
يثبت النموذج الإماراتي أنه يمكن الجمع بين الهوية الإسلامية والحداثة والانفتاح العالمي وتحقيق الازدهار. وهذا تحديدًا ما سعى النظام الإيراني طوال أكثر من أربعة عقود إلى تصويره كأمر مستحيل.
وفي هذا المعنى، فإن العداء للإمارات هو في جوهره عداء لمرآة تعكس إخفاقات الحكم الأيديولوجي بوضوح.
أثارت مؤشرات حدوث انفراج محتمل بين طهران وواشنطن ردود فعل متباينة بشدة داخل المشهد السياسي والإعلامي الإيراني.
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد قال يوم الأربعاء 6 مايو (أيار)، إن اتفاقًا مع طهران "سيحدث"، لكنه شدد على أنه "لم يكن هناك أي موعد نهائي" للمفاوضات.
وعندما سُئل عمّا إذا كان الاتفاق قد يتم قبل رحلته المقررة إلى الصين الأسبوع المقبل، أجاب: "هذا ممكن"، مع تأكيده أن خيار توجيه ضربات جديدة لا يزال مطروحًا.
وجاءت تصريحاته بعد تقرير نشره موقع "أكسيوس" أفاد بأن البيت الأبيض يعتقد أن التوصل إلى مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب بات قريبًا، وقد تمهّد الطريق لمفاوضات نووية أوسع واتفاق محتمل خلال 30 يومًا.
وفي رد حذر، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن المقترح الأميركي لا يزال قيد الدراسة، وإن رد طهران سيُنقل إلى الوسطاء الباكستانيين بعد الانتهاء منه.
ووفقًا لـ " أكسيوس" ، تتوقع واشنطن تلقي الرد خلال 48 ساعة.
وأدت تصريحات ترامب والتقارير عن اتفاق محتمل إلى تأثيرات اقتصادية فورية داخل إيران، حيث انخفضت قيمة العملات الأجنبية وعملة "تيثر" الرقمية بشكل حاد في أسواق طهران.
رفض المتشددين
لكن وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني دفعت بقوة ضد فكرة أن الاتفاق بات وشيكًا.
وكتبت وكالة "تسنيم" للأنباء، نقلاً عن مصدر مطلع لم تسمّه: "إن الدعاية التي تبثها وسائل الإعلام الأميركية اليوم تهدف إلى تبرير تراجع ترامب عن تحركه العدائي الأخير. خطوة ترامب كانت خاطئة منذ البداية ولم يكن ينبغي اتخاذها".
وأضاف المصدر أن إيران، بعد "تراجع" ترامب، استأنفت دراسة المقترح وستعلن موقفها للوسطاء "متى ما توصلت إلى نتيجة".
كما رفض المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، هذه التقارير.
وقال: "ما لم يتمكن الأميركيون من تحقيقه في المفاوضات المباشرة، لن يحصلوا عليه عبر حرب فاشلة".
وأضاف: "إيران جاهزة وإصبعها على الزناد.. وإذا لم يستسلموا ويقدموا التنازلات اللازمة؛ فسنتخذ ردًا قاسيًا يجعلهم يندمون".
انفتاح دبلوماسي
رغم هذه اللغة التصعيدية، رأت أصوات أخرى في التطورات الأخيرة فرصة لانفراج دبلوماسي.
ووصف موقع "نور نيوز"، المقرب من المؤسسات الأمنية، تعليق "مشروع الحرية" بأنه دليل على "سوء تقدير أميركي"، لكنه أضاف أن ذلك "أعاد الاعتبار لورقة الدبلوماسية وعزز خيار التفاوض لحل الأزمة".
وأشار الموقع أيضًا إلى زيارة وزير الخارجية، عباس عراقجي، الأخيرة إلى بكين باعتبارها دليلاً على دخول إيران مرحلة جديدة من النشاط الدبلوماسي، مع احتمال أن تلعب الصين دورًا في تسهيل حل أزمة مضيق هرمز.
لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن "الوضع لا يزال هشًا بسبب قرارات ترامب المتسرعة".
وفي الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات، يبدو أن طهران تسعى إلى تعزيز أوراق الضغط الخاصة بها في مضيق هرمز.
وتشير تقارير إلى أن السلطات الإيرانية أصدرت تعليمات جديدة لشركات الشحن عبر هيئة يشار إليها باسم "هيئة مضيق الخليج".
وتنص القواعد المعلنة على أن السفن التابعة للدول التي فرضت عقوبات على إيران أو جمّدت أصولاً إيرانية قد تُمنع من المرور. كما قد تؤدي المخالفات إلى احتجاز السفن وفرض غرامات تصل إلى 20 في المائة من قيمة الشحنة.
وكتب الصحافي الإيراني، محمد رضا منافي، على منصة "إكس"، أن لقاء عراقجي مع وزير الخارجية الصيني ربما ساعد في كسر الجمود.
وأضاف: "يبدو أن عراقجي سيعود إلى طهران من أرض التنين ويداه ممتلئتان".
أما المحلل أحمد زيدآبادي فقدم تشبيهًا أكثر حذرًا، إذ قارن المفاوضات بـ "قلب مريض بأزمة قلبية يجري إنعاشه داخل غرفة العمليات".
وأضاف: "لحسن الحظ، يُظهر هذا القلب اليوم علامات حيوية أفضل من الأيام السابقة، لكن لا يوجد أي يقين بشأن وضعه غدًا".
تُشير تقارير "إيران إنترناشيونال" الأخيرة بشأن التوترات غير المسبوقة في أعلى مستويات السلطة في طهران إلى وجود شرخ يتجاوز مجرد اختلاف في وجهات النظر الإدارية، وهو أزمة يمكن اعتبارها علامة على تغيّر طبيعة النظام السياسي في إيران والاتجاه نحو نظام أكثر "أمننة".
وما يُلاحظ اليوم في المشهد السياسي الإيراني هو تجاوز نموذج التقسيم التقليدي للعمل بين الحكومة والمؤسسات العسكرية، والانتقال نحو وضع تصبح فيه قوات الحرس الثوري، متجاوزة دورها غير الرسمي أو الخفي السابق، الفاعل المهيمن في جميع مراكز اتخاذ القرار.
ويمكن اعتبار وصف مسعود بزشكيان لأفعال الحرس الثوري بـ "الجنون"، وتحذيره من العواقب غير القابلة للتعويض لهذا النهج، بمثابة اعتراف بأن المؤسسة العسكرية قد همّشت المؤسسة السياسية، وأن السلطة تتحرك نحو نوع من الانقلاب غير الرسمي.
ولا يظهر في الصورة العامة انقلاب رسمي وفق التعريفات التقليدية، لكن بين السطور يمكن ملاحظة أن مجلس الوزراء الإيراني يتلقى فعليًا أوامره من قادة الحرس الثوري أو أن إجراءاته تأتي في إطار سياسات يقرّها ويحددها هؤلاء.
نهاية أسطورة ازدواجية السلطة والشلل الاستراتيجي
كان نموذج ازدواجية السلطة في إيران قائمًا لسنوات على التفاعل بين الدبلوماسية والميدان. لكن الآن تظهر مؤشرات على انهيار داخلي لهذا التفاعل والانتقال السريع نحو شكل آخر يعتمد أكثر- إن لم يكن حصريًا- على "الميدان".
وما كان يُسمى سابقًا "الميدان"، أي استخدام القوات الوكيلة والقدرات الصاروخية والعسكرية لتعزيز الدبلوماسية، أصبح الآن مسارًا أحادي الاتجاه. في هذا المسار، لم تعد الدبلوماسية هي التي تستفيد من القوة العسكرية، بل أصبحت السياسة الخارجية أكثر خضوعًا للرؤية الأمنية والعسكرية.
وفي إطار العلاقات الدولية، عندما تُستخدم الأدوات العسكرية دون تنسيق مع الجهاز الدبلوماسي، فإن النظام يعاني عدم كفاءة استراتيجية. وبناءً عليه، فإن أي عمل عسكري دون علم الحكومة أو دون مشاركتها يعد علامة على تجزؤ عملية اتخاذ القرار وتضعف التماسك الاستراتيجي.
بزشكيان وقاليباف يطالبان بإقالة وزير الخارجية
ما يُستشف من بين سطور الأخبار المنقولة عن مصادر مطلعة يشير إلى عدم انسجام بين الحرس الثوري والحكومة في الهجمات على الدول المجاورة، وخاصة الإمارات العربية المتحدة. وهذا يشير إلى غياب التماسك الاستراتيجي في القرارات الأساسية.
وفي هذا الوضع، يتحول وزير الخارجية، أكثر من كونه منفذًا لاستراتيجية دبلوماسية متماسكة نابعة من هيكل الدولة، إلى منفذ لأوامر قائد الحرس الثوري، ويدير قرارات وينقل رسائل تم اتخاذها خارج الجهاز الدبلوماسي. هذا التحول يدل على أن "الميدان" لم يعد مجرد ذراع مكملة للدبلوماسية، بل أصبح قوة تحدد اتجاه السياسة الخارجية وتجر الحكومة خلفها.
سياسة الخلافة وظهور الحكم النهائي في فراغ السلطة
في الأنظمة الشمولية والسلطوية مثل النظام الإيراني، يلعب "المنظّم" دورًا حاسمًا؛ القوة التي تضبط الخلافات الداخلية وتمنع ظهور الانقسامات علنًا. في السنوات الماضية، كان المرشد الراحل، علي خامنئي، يؤدي هذا الدور.
ولكن الآن، فإن طلب بزشكيان عقد لقاء عاجل مع المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، بهدف احتواء تصرفات الحرس الثوري، يُظهر أن مركز الثقل التقليدي للسلطة لم يعد قادرًا على إدارة الأزمة كما في السابق أو تحقيق التوازن بين نخب النظام. ومن المهم الإشارة أيضًا إلى أن مجتبى خامنئي لا وجود له في العالم غير المكتوب ولم يتمكن بعد من الظهور أمام العامة كمنظّم قوي. كما أن الأخبار المتسربة من داخل بنية السلطة تشير إلى أن غياب القائد الثالث للنظام الإيراني بدأ يظهر تدريجيًا في مستويات السلطة وحتى بين مؤيدي النظام.
إن قيادة مجتبى، خارج الشكل المحدد لـ "القيادة" في النظام الإيراني، تأخذ طابعًا طائفيًا، وكأنه يرسل رسائل من عالم الغيب عبر شخص هو نفسه طرف في النزاع الداخلي داخل النظام.
لذلك، حتى لو افترضنا أن مجتبى خامنئي يتمتع بالصحة والقوة الكافية لتنسيق الأمور، فمن السذاجة الاعتقاد أن طلب بزشكيان لقاءه والشكوى من الحرس الثوري يمكن أن يغيّر استراتيجية النظام.
صراع "العقلانية الأداتية" مع "الراديكالية المهدوية"
في النهاية، يمكن اعتبار الأزمة الحالية صدامًا بين رؤيتين مختلفتين في قمة هرم السلطة. رئيس الحكومة ورئيس البرلمان يعتمدان على عقلانية الأدوات ومنطق الكلفة- المنفعة، ويحذران من تدمير البلاد بالكامل والانهيار غير القابل للعكس في معيشة الناس في حال تكرار الحرب. وفي المقابل، هناك طبقة من السلطة العسكرية بقيادة أحمد وحيدي تتجاهل الواقع الاقتصادي والقدرات الحقيقية للبلاد، وتتبنى نوعًا من الراديكالية الهجومية.
إن ادعاء وحيدي بأن جميع المناصب الحساسة يجب أن تكون تحت إدارة الحرس الثوري يعني توجيه ضربة قاضية لما تبقى من البيروقراطية المدنية. وهذا الوضع يضع البلاد في موقع "الانتحار الاستراتيجي"؛ حيث يتم التضحية بمنطق بقاء النظام لصالح مغامرات لا تتناسب مع القدرة البنيوية ولا الإمكانات الوطنية لإيران.
ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذا الخلاف على أنه طرف شعبي مقابل طرف معادٍ للشعب داخل النظام الإيراني. فبزشكيان- قاليباف يقفان في جانب تيار متشدد براغماتي داخل النظام، بينما يمثّل بعض قادة الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي تيارًا متطرفًا مهدويًا. لكن كلا التيارين يشتركان في مبدأ واحد: "حفظ النظام هو أوجب الواجبات". بزشكيان، الذي يتحمل مسؤولية جدية في قمع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، يمكنه الادعاء بالاهتمام بالشعب بقدر ما يمكن لأحمد وحيدي ذلك. ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي وجود الخلاف الداخلي داخل النظام الإيراني؛ إنه شرخ داخل نظام طائفي لا يدور حول حقوق الناس، بل حول طريقة الحفاظ على السلطة ومسار بقائه.