العلاقة الغريبة بين طهران و"طالبان"

أصبحت العلاقة بين طالبان وإيران، التي كانت في السابق تتسم بالمواجهة العسكرية وكادت تدفع الطرفين إلى الحرب، تقوم اليوم على الحذر والانخراط الهادئ.

أصبحت العلاقة بين طالبان وإيران، التي كانت في السابق تتسم بالمواجهة العسكرية وكادت تدفع الطرفين إلى الحرب، تقوم اليوم على الحذر والانخراط الهادئ.
طالبان، التي تقدم نفسها ممثلةً لحركة إسلامية سُنية متشددة، والنظام الإيراني، أحد أبرز مراكز السلطة السياسية الشيعية، يحافظان الآن على علاقات حلت فيها السياسة العملية والضرورة المتبادلة إلى حد كبير محل العداء الطائفي العميق.
للوهلة الأولى تبدو العلاقة متناقضة. فلا تزال حادثة "مزار الشريف" عام 1998، التي قُتل فيها دبلوماسيون إيرانيون وكاد الطرفان يدخلان بسببها في حرب، راسخة في ذاكرة النظامين.
ولكن بعد أكثر من عقدين، تغيّر المشهد الإقليمي، وتبدلت الخصومات، وأثبت المبدأ نفسه مجددًا: ففي الشرق الأوسط وعموم آسيا الوسطى والجنوبية، غالبًا ما يُستخدم الدِّين في الخطاب، بينما تتحكم المصالح السياسية في القرارات.
من "العداء" إلى "الانخراط"
عندما عادت "طالبان" إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، كانت إيران من بين الدول القليلة التي لم تغلق أبوابها بالكامل. فطهران لم تعترف رسميًا بحكومة طالبان، لكنها أيضًا لم تقطع علاقاتها معها.
وأدركت إيران أن أفغانستان، التي تواجه انهيارًا اقتصاديًا وعزلة دولية وغموضًا سياسيًا تحمل في طياتها مخاطر وفرصًا، ولذلك اختارت الانخراط بدل الإقصاء.
وفي المقابل، اضطرت "طالبان"، المقيَّدة بالعقوبات وتجميد الأصول والعزلة الدبلوماسية، إلى الاعتماد على الدول المجاورة. وأصبحت إيران، بحدودها الطويلة المشتركة، ووقودها وكهربائها وطرق عبورها ونفوذها الإقليمي، شريكًا عمليًا للحركة.
وبعد وفاة الملا عمر، الزعيم الثاني لـ "طالبان"، برز الملا أختر محمد منصور كحلقة وصل أساسية مع إيران. وقد أسس مقربون منه، من بينهم إبراهيم صدر والملا شيرين والملا طالب، مدارس دينية سُنَّية في بلوشستان الإيرانية.
وخلال العقدين الماضيين، انتهجت إيران ما يصفه مسؤولون أفغان بـ «السياسة متعددة المسارات»، إذ حافظت على علاقاتها مع الحكومة الجمهورية الأفغانية، وفي الوقت نفسه وسّعت اتصالاتها السرية والعلنية مع "طالبان" للحفاظ على نفوذها تحت أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
وقال المستشار السابق للرئاسة الأفغانية، محمد إقبال عزيزي، إن إيران عمّقت علاقاتها مع طالبان بشكل كبير بعد عام 2004، بسبب معارضتهما المشتركة للوجود العسكري الأميركي.
وأضاف: «لهذا السبب ذهب الملا منصور وإبراهيم صدر وآخرون إلى إيران وتلقوا الدعم منها".
أما الرئيس السابق للمكتب الإداري الرئاسي في أفغانستان، فضل محمود فضلي، فقال إن بعض القبائل تحتفظ بروابط قديمة مع إيران.
وأضاف: «في السنوات الأخيرة تعاون قادة من طالبان من قبائل إسحاق زاي ونورزاي وعلي زاي مع الحرس الثوري الإيراني في عمليات تهريب، وأصبحت هذه العلاقات قوية إلى درجة أنها أخذت شكل شراكة جديدة".
ومن جهته، قال عضو مجلس الشيوخ الباكستاني السابق، أفراسياب ختك، إن إيران حافظت منذ فترة طويلة على علاقات مع مختلف الأطراف السياسية في أفغانستان.
وأضاف: «أفغانستان مهمة لإيران، وعلاقاتها مع الحكومات الأفغانية تقوم على سياسة براغماتية. لا يمكن لإيران ببساطة أن تتحرك على أساس ديني بحت".
وأشار ختك إلى أن إيران استثمرت كثيرًا في علاقتها مع "طالبان"، خلال سنوات الحرب، ولا يزال نفوذها على بعض قيادات الحركة واضحًا.
ومن العوامل الرئيسية التي دفعت إلى تقارب الطرفين تدهور علاقة "طالبان" مع باكستان. فالعلاقات مع إيران تساعد طالبان في تجنب العزلة، بينما تدرك طهران حجم النفوذ الذي تمنحه لها هذه التبعية.
تهديدات ومصالح مشتركة
أحد أهم أسباب تحسن العلاقات بين طالبان وإيران هو منطق التهديدات المشتركة. فالوجود العسكري الأميركي في أفغانستان مثّل تحديًا للطرفين، ومهّد الطريق لتقارب تدريجي؛ إذ سعت إيران إلى الحد من النفوذ الأميركي، بينما خاضت "طالبان" حربًا مباشرة ضده.
كما واجهت إيران مخاوف أمنية أوسع مرتبطة بأفغانستان، مثل استقرار الحدود، وتنظيم داعش- خراسان، والتمرد البلوشي، وتهريب المخدرات، وتدفقات اللاجئين. ومن وجهة نظر طهران، لم يكن بالإمكان إدارة كثير من هذه الملفات إلا من خلال التعامل مع طالبان.
كما تلعب العوامل الاقتصادية دورًا رئيسيًا. فقد دفعت العقوبات والعزلة "طالبان" نحو الشبكات الاقتصادية الإقليمية، وأصبحت إيران موردًا مهمًا للوقود والكهرباء والبضائع. وفي المقابل تسعى طهران إلى الوصول إلى السوق الأفغانية وطرق العبور والموارد المائية.
وبدا أن العلاقات بين كابول وطهران ازدادت تقاربًا بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة على إيران. ففي ظل الضغوط القادمة من واشنطن وإسرائيل وأجزاء من العالم العربي، تبدو طهران أقل استعدادًا لخسارة تعاون طالبان.
وقال أحد الأعضاء المؤسسين لـ "طالبان"، متحدثًا شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الملا أختر منصور كان يعارض بناء العلاقات مع إيران على أساس الهوية الطائفية.
وأضاف: «أتذكر أنه في عام 2000 عندما جاء الملا أختر منصور إلى باكستان والتقينا في كويتا (عاصمة إقليم بلوشستان باكستان)، حمل رسالة من الملا محمد عمر تقول إن العلاقات مع إيران يجب أن تُبنى على المصالح لا على الخلافات الدينية".
وأضاف أن إيران دعمت قوات طالبان في هلمند وهرات وقندهار وزابل وغزني وميدان وردك وفراه خلال سنوات التمرد.
أما وزير الدفاع الأفغاني السابق بالوكالة، شاه محمود مياخيل، فقال إن المخاوف المشتركة من تنظيم داعش- خراسان خلقت أيضًا مساحة للتعاون.
وأضاف: «تعلمت طالبان من حكمها الأول أن الصراع مع إيران يكلفها كثيرًا. كما أن إيران أصبحت أكثر اطمئنانًا بسبب تدهور علاقات طالبان مع باكستان".
وتتقاسم إيران وأفغانستان حدودًا تمتد لنحو 900 كيلومتر، بينما تبقى قضايا اللاجئين وتهريب المخدرات والتهريب والنزاعات المائية ملفات يستحيل إدارتها دون انخراط مستمر.
وقال آخر سفير للحكومة الجمهورية الأفغانية السابقة لدى إيران، عبد الغفور ليوال، إن طهران أقرت علنًا بمنطقها "البراغماتي".
وأضاف: «قالت لي إيران رسميًا إن طالبان أعداء للولايات المتحدة، وكذلك نحن. وبسبب الحدود الطويلة مع أفغانستان، فإنها مضطرة للحفاظ على علاقات مع طالبان".
كما قال مسؤول في وزارة خارجية "طالبان"، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الاقتصاد يلعب دورًا محوريًا في هذه العلاقة.
وأضاف: «أفغانستان سوق جيدة لإيران، وإيران مصدر جيد للبضائع بالنسبة لنا.»
"براغماتية" بلا ثقة
رغم تنامي التعاون بين طهران وطالبان، لا تزال العلاقة مقيدة بخلافات أيديولوجية وجيوسياسية عميقة.
فالجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران تستمد شرعيتها من مبدأ "ولاية الفقيه"، بينما تتبع "طالبان" تفسيرًا سُنيًا "ديوبنديًا" (مدرسة فكرية إسلامية سُنية نشأت في الهند) متشددًا للإسلام. ولا ينظر الطرفان إلى بعضهما كحليفين طبيعيين بقدر ما يعتبر كل منهما الآخر خصمًا ضروريًا يمكن احتواؤه.
كما تزيد التنافسات الإقليمية من تعقيد المشهد. فكما تؤثر المنافسة بين الهند وباكستان على أفغانستان، تلعب أيضًا المنافسة بين إيران والدول العربية دورًا مشابهًا.
ورغم أن طالبان تجنبت إدانة الهجمات الإيرانية على الدول العربية بشكل مباشر، فإنها وصفت في بعض الأحيان التصعيد الإقليمي بأنه عامل لعدم الاستقرار. كما يسعى مسؤولو "طالبان" إلى تعزيز العلاقات مع السعودية وقطر والإمارات، ما يجعل الاصطفاف الكامل مع طهران أمرًا صعبًا.
وتواصل "طالبان" أيضًا السعي لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة على أمل تخفيف العزلة الدبلوماسية وضغوط اللاجئين.
وعلى الصعيدين الداخلي والثنائي، تبقى الخلافات حول اللاجئين الأفغان وحقوق مياه نهر هلمند مصادر توتر مستمرة.
كما تأمل "طالبان" أن تعترف إيران رسميًا بحكومتها في نهاية المطاف، لكن طهران تبدو مصممة على استخدام ورقة الاعتراف كوسيلة ضغط.
وفي الوقت الراهن، تربط الضرورة بين طهران و"طالبان" أكثر مما تفرقهما الأيديولوجيا. لكن العلاقة تقوم أقل على الثقة، وأكثر على واقع إقليمي متقلب يخشى فيه الطرفان العزلة أكثر من خوفهما من بعضهما البعض.