تقول تحليلات إن هيكل السلطة الجديدة في إيران بعد مقتل المرشد السابق، علي خامنئي، قد يدفع البلاد نحو سلوك أكثر عداءً وتهديدًا خارج حدودها، وهو اتجاه ظهرت ملامحه في الهجمات الأخيرة على أهداف مرتبطة بإسرائيل واليهود.
ومن المرجح أن تكون القيادة الجديدة في طهران، التي يهيمن عليها الحرس الثوري الإيراني، أقل خضوعًا للقيود الدينية والأيديولوجية، وأكثر تحركًا بدوافع أمنية وانتقامية.
ويأتي هذا التقييم في وقت شهد سلسلة من الهجمات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية في مناطق مختلفة من العالم، منذ بدء الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير (شباط) الماضي.
في أوروبا، أعلنت مجموعة مرتبطة بإيران تُدعى "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" مسؤوليتها عن عدة هجمات، من بينها استهداف سيارات إسعاف تابعة لمتطوعين يهود في لندن، وهجوم فاشل على مكاتب "بنك أوف أميركا" في باريس، وكنيس في بلجيكا، وكنيس ومدرسة يهودية في هولندا.
وفي جمهورية أذربيجان، أعلنت السلطات أنها أحبطت خطة منسوبة إلى إيران لاستهداف سفارة إسرائيل في باكو ومراكز الجالية اليهودية.
تصاعد تهديد الهجمات الفردية
قال الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، داني سيتريونوفيتش، لقناة "إيران إنترناشيونال"، إن "النظام الإيراني بعد علي خامنئي قد تتحول نحو سلوك عملياتي أكثر هجومية، مع زيادة تهديد الخلايا النائمة والهجمات الفردية".
وأضاف أن "الهجمات الفردية تمثل تهديدًا أكبر"، موضحًا أن هذا النوع من الهجمات يحدث عندما يقوم فرد بالتصرف بعنف دون أوامر مباشرة.
وقال سيتريونوفيتش: "يكفي فقط خلق البيئة المناسبة؛ وهذا وحده قد يدفع شخصًا لاتخاذ قرار بالتحرك".
ووصف هيكل النظام الإيراني الجديد في هذا العام بأنه "الثورة الثالثة"، أي المرحلة الثالثة من تطور هذا النظام منذ عام 1979، حيث أصبح هيكل عسكري يسيطر فعليًا على عقيدة ولاية الفقيه، ويهيمن فيه الحرس الثوري الإيراني على القرارات الأساسية.
وبحسب قوله، أظهر هذا النظام، عبر استخدام قوات خارجية لقمع احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026، أنه يتمتع بدعم ملحوظ خارج حدوده.
وأضاف: "هذا النظام سيحاول تقديم نفسه على أنه استمرار لحكم علي خامنئي".
لكنه أكد أن هذا النظام يظل مقيّدًا، لأنه ورث بنية فقدت جاذبيتها الثورية التي تجاوزتها شعبيتها الداخلية منذ زمن.
دور القوات بالوكالة والشبكات الإقليمية
تشير تقارير إلى دخول نحو 800 عنصر من الميليشيات العراقية، بينهم أعضاء من كتائب حزب الله وحركة النجباء، إلى إيران قبل أيام من قمع احتجاجات يناير الماضي، التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المتظاهرين.
كما وردت تقارير عن وجود قوات شيعية من تركيا وأفغانستان وباكستان داخل إيران.
وتُعد القوات الباكستانية، المعروفة بـ "لواء زينبيون"، فرعًا من الشبكة الأيديولوجية لطهران، التي يتم تجنيدها من الشيعة في جنوب آسيا. لكن محللين يؤكدون أن هذا جزء فقط من الصورة الكاملة.
وفي هذا السياق، وصف سايمون ولفغانغ فوكس، الأستاذ المشارك في الجامعة العبرية في القدس، رجل الدين المقيم في لاهور بباكستان، جواد نقوي، بأنه يدير شبكة واسعة ومعقدة من المدارس الدينية الشيعية.
وقال إن هذه المراكز تنتج رجال دين متدربين في قم، ومحتوى إعلاميًا عالي الجودة، ونموذجًا سياسيًا محددًا.
وأضاف فوكس: "نقوي يعتقد أنه يجب تطبيق النموذج الإيراني في باكستان".
وأشار إلى أن هذا النموذج مستوحى من حزب الله، وهو فصيل شيعي في لبنان أصبح لاعبًا مهيمنًا في السياسة هناك بعد تبنيه ولاية الفقيه.
وقال فوكس إن "فكرة السيطرة على الدولة موجودة"، لكنه أكد أن المقارنة محدودة لأن المجتمع الشيعي في باكستان ليس لديه تاريخ من القتال المسلح.
النفوذ خارج الحدود: من كشمير إلى الهند
قال الباحث كليف سميث من جمعية الشرق الأوسط، الذي زار كشمير الخاضعة للسيطرة الهندية، إن محاولات إيران لترسيخ نفسها كقائد للشيعة "حققت نجاحًا جزئيًا".
وأضاف: "فكرة إيران خارج حدودها أقوى من داخلها".
وتضم الهند ما بين 20 و40 مليون شيعي، وهي ثاني أكبر تجمع شيعي بعد إيران، لكنها لم تحظَ باهتمام كافٍ.
وقال سميث إن الحكومة الهندية سمحت فعليًا بنفوذ طهران بين الشيعة، باعتباره توازنًا ضد ما تسميه "التطرف السُّني القادم من باكستان ومفيدًا لها".
ولكن الاحتجاجات بعد مقتل خامنئي دفعت إلى إعادة النظر في هذا النهج.
وقال إن خبيرًا هنديًا أخبره: "بعد رؤية الاحتجاجات، أدركنا أنه كان ينبغي الانتباه لهذا الأمر في وقت مبكر".
وقال أبيناف بانديا من مؤسسة أوسناس في الهند: "هذا الإهمال أوسع، ونفوذ إيران لا يقتصر على الشيعة".
وأضاف أن الهند تضم نحو 200 مليون مسلم (ثالث أكبر عدد في العالم)، وأن التركيز المفرط على ما سماه "التهديد السُّني" أدى إلى تجاهل النفوذ الإيراني بين الشيعة.
وأضاف: "لم يكن للشيعة دور رئيسي في النشاطات الإرهابية، لكن هذا التصور قد يكون مشكلة".
خطر تصاعد الصراع وتوسيع النشاط الخارجي
حذّر سيتريونوفيتش من أن تداعيات مقتل خامنئي قد تجعل الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أكثر صعوبة في الاحتواء.
وقال: "قد يؤدي ذلك إلى نوع من الحرب الدينية يجب منع توسعها".
كما حذّر من زيادة النشاط الخارجي الإيراني قائلاً: "نظرًا لهذه القدرات ووجود مجتمعات متعاطفة في العالم، خصوصًا في دول مثل الهند، فإن احتمال زيادة هذه الأنشطة مرتفع جدًا".
مع وجود الهدنة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، توقفت الهجمات المباشرة بين الأطراف وكذلك الهجمات التي كانت تشنها طهران على الدول العربية في المنطقة، إلا أن هذه الهدنة لم تشمل المعارضين الرئيسيين للنظام الإيراني في العراق، أي أحزاب كردستان إيران.
وتشير بيانات شبكة روداو الإخبارية إلى أنه منذ بدء هذه الهدنة، تعرض إقليم كردستان العراق، وبشكل خاص أحزاب كردستان إيران، لنحو 20 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي هجمات أسفرت عن مقتل أربعة من قوات "البيشمركة" التابعة لتحالف أحزاب كردستان إيران.
وأكد الأمين التنفيذي للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، فاضل ميراني، في مقابلة تلفزيونية، يوم الأحد الماضي، أن النظام الإيراني يستهدف في معظم هجماته، التي تنطلق من الأراضي الإيرانية نحو إقليم كردستان، أحزاب كردستان إيران.
وفي السياق ذاته، قال محمد صابر، وهو جنرال متقاعد من الجيش العراقي، في حديث مع "إيران إنترناشيونال" في كركوك، إن الهدنة لا تعني عودة الاستقرار إلى العراق.
وبحسب هذا المسؤول العسكري السابق، فإن “الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، والمدعومة من النظام الإيراني، تقوم بتصعيد الضغط على إقليم كردستان، خاصة في مناطق مثل السليمانية حيث النفوذ الإيراني أكبر”.
كما حذّر هذا الجنرال المتقاعد من أنه في مثل هذه الظروف، فإن نشاط الأحزاب المعارضة للنظام الإيراني، حتى لو كان ذا طابع سياسي بحت، سيواجه قيودًا أكبر، إلى حد أن هذه الجماعات قد تُجبر في النهاية على “الخروج” من الأراضي العراقية، وهو سيناريو متكرر تزداد المخاوف بشأنه كل عام.
وتواجه أحزاب كردستان إيران، إلى جانب آلاف الناشطين السياسيين والعائلات المرتبطة بهم، منذ ثلاثة عقود، خططًا مقلقة، أهمها أحد بنود الاتفاق الأمني بين بغداد وطهران في فبراير (شباط) 2023، الذي يشير إلى مسألة إخراج هذه الأحزاب من الأراضي العراقية، وهو ما أعاد مؤخرًا زيادة القلق بشأن مصير آلاف الأشخاص.
وقال الجنرال جبار ياور، المسؤول السابق في وزارة البيشمركة في إقليم كردستان العراق، في حديث مع "إيران إنترناشيونال"، إن سلوك النظام الإيراني بعد المفاوضات غير قابل للتغيير، وأكد أن حتى الأجهزة الأمنية في الإقليم باتت تعتقد أن “نتيجة المفاوضات مهما كانت، ستتبعها جولة جديدة من التهديد والضغط على أحزاب كردستان إيران، ومن المرجح أن تطالب طهران هذه المرة بتطبيق بنود مستحيلة من الاتفاق مع بغداد، وتستخدم ضغوطها بهدف إخراج الأحزاب إلى خارج مناطق إقليم كردستان العراق”.
ويبدو أن أحزاب كردستان إيران مستعدة لمواجهة هذه التهديدات، وتضعها دائمًا في حساباتها.
وأكد الأمين العام لحزب كومله الكردي المعارض، رضا كعبي، في حديث مع "إيران إنترناشيونال"، أن النظام الإيراني سيواصل الضغط على هذه الأحزاب إلى أقصى حد ممكن، بما في ذلك “محاولة إخراجها من إقليم كردستان العراق”.
كما أدان رئيس وزراء إقليم كردستان العراق الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي وقعت في الأيام الأخيرة.
وأشار مصدر في رئاسة إقليم كردستان العراق، في حديث مع "إيران إنترناشيونال"، إلى التزام الإقليم وأحزاب كردستان إيران بالاتفاقات الأخيرة، ونفى وجود أي شروط أو مطالب جديدة من جانب طهران ضد هذه الأحزاب.
وأوضح هذا المسؤول، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن التهديدات المحتملة المستقبلية تُفهم في إطار “زيادة الضغط من أجل تنفيذ كامل لبنود الاتفاقات السابقة”.
ورغم ذلك، لا تزال هناك شواهد ميدانية على استمرار هذه الضغوط.
وقال أحد الناشطين السياسيين العائدين من أوروبا إلى المنطقة خلال الشهرين الماضيين، في حديث مع "إيران إنترناشيونال"، إنه اضطر إلى الانتقال من السليمانية إلى أربيل بسبب مخاوف من الاعتقال، خاصة من قِبل الأجهزة الأمنية.
وأضاف أنه اضطر إلى تقديم جواز سفره الأوروبي في الفنادق لتجنب أي مشاكل في الإقامة.
وخلال الأسبوع الأول من الهدنة أيضًا، أثار رفض أحد المستشفيات الخاصة في السليمانية استقبال غزال مولان، وهي مقاتلة بيشمركة مصابة، ردود فعل سياسية واسعة.
وتصاعدت الضغوط عندما أعلن محمد ميرحسيني، القنصل العام الجديد لإيران في السليمانية، في 6 أبريل، أن الجماعات التي تعمل ضد النظام الإيراني ستُستهدف في أي مكان داخل دول المنطقة، وهو ما فُهم على أنه إشارة إلى استمرار الهجمات بهدف تهيئة الأرضية لإخراج هذه الأحزاب.
ومع ذلك، أكد مسؤول مكتب العلاقات في حزب كومله كردستان إيران في أربيل، علي رنجبري، في حديث مع "إيران إنترناشيونال"، أن قوات حزبه ستبقى في إقليم كردستان وتواصل نشاطها.
وفي الوقت الذي لا يزال غير واضح ما إذا كانت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ستقود إلى هدنة دائمة، فإن قلق النشطاء السياسيين والعائلات المقيمة في الإقليم مستمر، إذ أظهرت التطورات في الأسبوعين الماضيين أن النظام الإيراني، سواء في حالة الحرب أو الهدنة، يعتبر استهداف هذه الأحزاب من أولوياته، حتى في حال عدم مشاركته المباشرة في الصراع، وهو ما يجعل مستقبل هذه الجماعات ومصير آلاف الأشخاص في حالة من الغموض الكبير.
لم تبدأ القصة الحقيقية وراء "عرض الوحدة المفاجئ" في طهران بتصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول حالة الانقسام داخل قيادة النظام الإيراني، بل بدأت برسالة سرّية موجّهة إلى المرشد الجديد، مجتبى خامنئي.
في الأيام الأخيرة، انتشرت في الأوساط السياسية الإيرانية معلومات عن رسالة شديدة السرّية يُقال إنها كُتبت من قبل مجموعة من كبار المسؤولين موجّهة إلى مجتبى خامنئي.
وبحسب أشخاص مطّلعين على الموضوع، حذّرت الرسالة من أن الوضع الاقتصادي في إيران خطير، وأن البلاد لا يمكنها الاستمرار على مسارها الحالي، وأن القيادة لم يعد لديها خيار عملي سوى التفاوض الجاد مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي.
والتشابه التاريخي هنا واضح. ففي الأيام الأخيرة من الحرب الإيرانية- العراقية عام 1988، حذّر مسؤولون وقادة عسكريون كبار روح الله الخميني من أن الحرب لم يعد بالإمكان الاستمرار بها.
وقبل ذلك بأيام، كان الخميني لا يزال يصرّ على مواصلة الحرب، لكنه تحت ضغط تلك التحذيرات وافق على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 وأنهى الحرب، وهو القرار الذي وصفه لاحقًا بأنه يشبه "تجرّع كأس السم".
ولهذا فإن الرسالة الحالية ذات أهمية؛ إذ إنها توحي بأن بعض كبار المسؤولين يرون أن المواجهة النووية تمثل لحظة مشابهة، حيث يصطدم الإصرار الأيديولوجي بحدود قدرة الدولة.
ووفقًا للتقارير، شملت قائمة الموقّعين شخصيات بارزة، مثل رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ورئيس البلاد، مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ووزير الداخلية الأسبق، مصطفى بورمحمدي وغيرهم، فيما رفض بعض المسؤولين التوقيع. ومن بين الأسماء التي يجري تداولها علي باقري كني، كبير المفاوضين النوويين السابق في عهد الرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي.
وكان من المفترض أن تبقى الرسالة سرّية للغاية، وموجهة إلى مجتبى خامنئي فقط، وليس إلى الجمهور أو البرلمان أو الطبقة السياسية العادية. لكن بحسب روايات متداولة، قام باقري كني بعرض الرسالة على بعض المتشددين خارج الدائرة العليا، وأكد أنه لم يوقّع عليها، ومن هنا تسرّب الأمر إلى الأوساط السياسية في طهران.
وقد ظهرت ردود فعل علنية تُظهر حساسية التسريب. الأولى جاءت من جليل محبي، المقرب من قاليباف، وهو أمين سابق لهيئة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وفي تحذير قانوني واضح، كتب أنه إذا تم تسليم رسالة سرّية إلى أحد المشاركين في اجتماع، وقام ذلك الشخص بعرضها على أطراف خارج الاجتماع مع قوله "لم أوقّع هذه الرسالة"، فإنه وفقًا للمادة 3 من قانون نشر وإفشاء الوثائق الحكومية السرّية، يمكن أن يواجه عقوبة تصل إلى 10 سنوات سجن.
وأضاف محبي: "هذا الفعل غير قابل للتسامح".
وأما الرد الثاني فجاء من قناة على "تلغرام" أشارت إلى "رسالة سرّية مهمة" كتبها بعض كبار المسؤولين ولم يوقّع عليها آخرون.
وتساءلت القناة عن سبب شروع بعض المسؤولين، في هذه اللحظة الحساسة بعد الحرب، بكتابة رسائل إلى "كبار النظام"، ولماذا أثار تسريبها كل هذا الغضب. وفي الخطاب السياسي الإيراني، يُستخدم هذا التعبير عادة للإشارة إلى المرشد الأعلى دون تسميته مباشرة.
تصريحات ترامب ونفي طهران
جاءت تصريحات ترامب في هذا السياق المتوتر؛ حيث قال إن المسؤولين الإيرانيين "يتقاتلون مثل القطط والكلاب"؛ بسبب عدم قدرتهم على الاتفاق بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة. لكن طهران سارعت إلى نفي ذلك. وفي يوم الخميس 23 أبريل (نيسان)، تحرك كبار المسؤولين بشكل شبه موحّد للتأكيد على عدم وجود أي انقسام.
كتب رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف: «في إيران لا يوجد متشددون أو معتدلون. نحن جميعًا إيرانيون وثوريون». وأضاف أنه مع "الوحدة الحديدية للأمة والدولة" والطاعة الكاملة للمرشد الأعلى، ستجعل إيران "المعتدي المجرم" يندم على أفعاله.
ونشر الرئيس بزشكيان رسالة مشابهة تقريبًا: «في إيران لا يوجد متشددون أو معتدلون. نحن جميعًا إيرانيون وثوريون». كما أكد بدوره وحدة الشعب والدولة، والطاعة للمرشد، وتحقيق النصر لإيران.
أما رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، فذهب أبعد من ذلك، حيث قال إن "الرئيس الأميركي الأحمق" يجب أن يعلم أن مصطلحي "المتشدد" و"المعتدل" هما تعبيرات سخيفة ولا أساس لها من الأدبيات السياسية الغربية، مؤكدًا أنه في إيران الإسلامية جميع الفئات والأطياف تقف موحدة تحت أوامر المرشد الأعلى.
خط مجتبى خامنئي "الأحمر"
قبل الجولة الأولى من المفاوضات، كان مجتبى خامنئي قد وضع ما يُوصف بأنه خط أحمر: "عدم مناقشة الملف النووي مع الولايات المتحدة". لكن الوفد الإيراني اضطر إلى مناقشة الملف النووي، لأن أي مفاوضات جدية مع واشنطن تدور حوله بالضرورة. وبالفعل، حدث ذلك.
وفجّر هذا القرار ردّ فعل متشددين.
وقال نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان، محمود نبويان، الذي كان حاضرًا في مفاوضات باكستان، إن نتائج تلك المحادثات لم تكن مرضية، وإن الفريق التفاوضي ارتكب "خطأً استراتيجيًا". واتهَم الفريق بأنه تصرف "بخلاف الخط الأحمر الصريح لقائد الثورة" من خلال مناقشة الملف النووي مع أميركا، على حد قوله.
وأضاف نبويان أن الوفد كان يجب أن يناقش النقاط العشر التي وضعها المرشد الإيراني، لا الملف النووي. وانتقد فكرة اختزال "جبهة المقاومة" في لبنان فقط، مؤكدًا أن غزة واليمن والعراق جزء منها أيضًا.
والأهم أنه قال، بناءً على معلومات جديدة وصلته، إن أي تفاوض مع أميركا أصبح محظورًا من الآن فصاعدًا، "حتى لو رُفع الحصار البحري".
وكرر النائب المتشدد، أمير حسين صابتي، الاتهام بشكل مباشر. وقال: «أقول هذا للمرة الأولى وأتحمل مسؤوليته. إذا كان كلامي خاطئًا فعلى المسؤولين اتخاذ إجراء ضدي». وأضاف أن أحد خطوط المرشد الحمراء هو "عدم مناقشة الملف النووي إطلاقًا في المفاوضات".
ثم تحدّى قاليباف وعراقجي بالاسم، قائلاً: "إذا لم يكونا قد تفاوضا بشأن الملف النووي فعليهما نفي ذلك بشكل صريح، وإن تبيّن أنهما فعلا ذلك، فسنخاطب الشعب الإيراني بطريقة مختلفة بصراحة".
تصاعد الرد إلى العلن
هذا يفسر سبب عدم سفر الوفد الإيراني إلى باكستان للجولة الثانية. فالنزاع لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي، بل تحول إلى صراع حول ما إذا كان كبار المسؤولين قد تجاوزوا خطًا أحمر حدده مجتبى خامنئي.
ثم انتقل الرد إلى الإعلام. فقد نشرت وكالة "نور نيوز" المرتبطة بمجلس الأمن القومي فيديو تحذيريًا من "تيار خطير" يحاول تصوير قاليباف وعراقجي على أنهما يتجهان نحو "الاستسلام والتسوية" بدلاً من خط المقاومة، وأن هذا التيار يحاول وضعهما في مواجهة المرشد وبقية أركان النظام.
وهذا التوصيف يكشف الكثير. فقاليباف وعراقجي لم يكونا فقط يردان على ترامب، بل كانا تحت ضغط داخلي من داخل النظام، حيث اتهمهما المتشددون بالتخلي عن خط المقاومة والاتجاه نحو التفاوض والتسوية والضغط على المرشد.
وتبدو الرسالة السرّية في قلب هذه الأزمة. فهناك تيار يرى أن الوضع الاقتصادي في إيران أصبح بالغ الخطورة، وأنه لا بد من التفاوض حول الملف النووي للتوصل إلى اتفاق. بينما يرى تيار آخر أن مجرد مناقشة الملف النووي مع أميركا يُعدّ خرقًا لأمر مجتبى خامنئي ويعني الاستسلام.
تغريدات الوحدة كعملية لاحتواء الأزمة
لهذا السبب بدت تغريدات يوم الخميس منسّقة إلى حد كبير. لم تكن مجرد شعارات وطنية، بل كانت رسائل ولاء. فقد كان قاليباف وبزشكيان ومحسني إجئي وغيرهم يبعثون بإشارة أنهم يقفون مع المرشد لا ضده، وأن الرسالة المسربة لا ينبغي أن تُفهم كعمل تمرد.
إذًا، عندما تقول طهران إنه لا يوجد أي انقسام، فإن الوقائع تشير إلى عكس ذلك.
كانت هناك رسالة سرّية إلى المرشد. وقّع عليها بعض المسؤولين ورفض آخرون التوقيع. ثم تم تسريب الرسالة. وشخص مقرّب من قاليباف هدّد بعواقب قانونية على هذا التسريب. واتهم نواب متشددون فريق التفاوض بتجاوز "الخط الأحمر" للمرشد. كما حذّرت وكالة "نور نيوز" من أن قاليباف وعراقجي يتم تصويرهما كمسؤولين يسعيان إلى "الاستسلام والتسوية". ثم فجأة، أصدر كبار المسؤولين تغريدات متزامنة تؤكد الوحدة والطاعة.
قال ترامب إن المسؤولين الإيرانيين "يتقاتلون مثل القطط والكلاب" حول المفاوضات مع الولايات المتحدة. وقد رفضت طهران هذا الادعاء، لكن تسلسل الأحداث يشير إلى وجود صراع داخلي حقيقي. فالخلاف لم يعد شكليًا أو إعلاميًا، بل يمس جوهر استراتيجية النظام: هل تستطيع إيران تجاوز أزمتها الاقتصادية دون اتفاق نووي، وهل إن السعي نحو مثل هذا الاتفاق يعني تحدي مجتبى خامنئي.
إن تغريدات "الوحدة" لم تكن دليلاً على تماسك طهران، بل كانت غطاءً علنيًا لانقسام بات واضحًا بالفعل.
أثار التلفزيون الرسمي الإيراني موجة سخرية، بعد ادعائه أن 87 في المائة من الإيرانيين يؤيدون استمرار الحرب مع الولايات المتحدة، في تحول غريب مقارنة ببدايات الصراع؛ حين كان يتم وصف المشاعر المؤيدة للحرب داخل جمهور ساخط بأنها "خيانة".
وبدأ الجدل بعد ما صرّح المحلل الإيراني المتشدد، مصطفى خوش جشم، على التلفزيون الرسمي، يوم الاثنين 20 أبريل (نيسان) الجاري، بأن الشعب الإيراني يؤيد بشكل ساحق المواجهة العسكرية بدلاً من المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب.
وقال: "بحسب استطلاعات أجرتها مراكز أكاديمية بشأن الحرب، قال 87 في المائة من الناس إنه يجب اقتلاع هذه السن الفاسدة نهائياً"، مشيراً إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز قد تجعل إيران غير قادرة على إغلاقه مرة أخرى عند الحاجة.
لكن لم يتم نشر أي تفاصيل عن هذا الاستطلاع- لا المنهجية، ولا حجم العينة، ولا الجهة التي أجرته- ما يجعل من المستحيل التحقق من صحته بشكل مستقل.
ومع ذلك، فإن أهمية الرقم لا تكمن في مصداقيته بقدر ما تكشفه من تغيّر في السرد داخل إيران.
وفي بداية الصراع، هاجمت بعض التيارات المتشددة والوسائل الإعلامية التابعة للدولة أفراداً من الجاليات الإيرانية في الخارج وغيرهم ممن أيدوا علناً الضغط العسكري على إيران أو رأوا أن الحرب قد تضعف النظام.
وفي بعض التجمعات والتعليقات الإعلامية، تم تصوير من يُعتقد أنهم يدعمون التدخل الأجنبي على أنهم خونة أو متعاونون.
وأما الآن، فإن بعض هذه التيارات الداخلية نفسها هي الأكثر تشدداً في معارضة التفاوض مع الولايات المتحدة والدعوة إلى استمرار الحرب.
ويعكس هذا التناقض واقعاً أكثر تعقيداً.
فكثير من الإيرانيين ربما دعّموا في البداية التصعيد العسكري- ليس ولاءً للنظام الإيراني، بل اعتقاداً بأن الحرب قد تضعف النظام أو حتى تسقطه.
وهذا ليس نوع الدعم الذي يدّعي التلفزيون الرسمي أنه موجود.
وبدلاً من ذلك، يشير المتشددون ووسائل الإعلام الرسمية إلى الحشود في التجمعات الليلية كدليل على وجود "أغلبية" تؤيد الحرب، رغم أن المنتقدين يقولون إن هذه التجمعات تمثل شريحة محدودة وربما منظمة من المجتمع.
وفي بعض هذه التجمعات، وصف المشاركون الصراع مع الولايات المتحدة بأنه "وجودي"، وقالوا إنه يجب أن يستمر حتى "انتصار الخير على الشر". وعلى الإنترنت، قوبلت هذه الادعاءات بسخرية واسعة.
وكتب أحد القراء على موقع خبر أونلاين: "متى كانت آخر مرة كان لرأي شعب إيران- وليس مقدمي التلفزيون الرسمي- أهمية وتأثير في القرارات الكبرى في البلاد؟".
وعلّق مستخدم آخر بسخرية: "لا أعرف، ربما (شعبكم) مختلف عن (شعبنا). من هم هذه الـ 87 في المائة؟ 87 في المائة من مؤيدي الحكومة؟ هل تعتبروننا حتى جزءاً من الإحصاءات؟".
كما زاد الشك العام بسبب اتهامات بالتلاعب الرقمي من قِبل مجموعات منظمة تُعرف باسم "القوة السيبرانية".
وأشار قراء إلى أنه بينما تحصد التعليقات المؤيدة للتفاوض في البداية غالبية "الإعجابات"، يتم عكس هذه الأرقام أحياناً خلال ساعات.
وكتب أحد المستخدمين: "للأسف، خلال ساعات قليلة، تقوم (زومبيات) الجيش السيبراني بتغيير النتائج".
وبغض النظر عما إذا كان 87 في المائة من الإيرانيين يؤيدون استمرار الحرب أم لا، فإن ردود الفعل على هذا الادعاء تشير إلى أن المعركة حول الرأي العام- وحول من يملك تعريف الوطنية- قد تتصاعد بالتزامن مع استمرار الصراع.
يحذّر المعلّقون في طهران من أن النتيجة الأكثر إثارة للقلق في المفاوضات الجارية مع واشنطن قد لا تكون حربًا ولا سلامًا، بل حالة طويلة من الجمود تحت عنوان "لا اتفاق- لا حرب".
ومع استمرار الغموض الذي يكتنف المحادثات واقتراب انتهاء وقف إطلاق النار الهش، بدأت عدة وسائل إعلام في رسم مسارات محتملة للمفاوضات. وبينما يختزل البعض المشهد في خيارين بسيطين: "اتفاق أو لا اتفاق"، يرى آخرون أن النتيجة الأكثر ترجيحًا قد تقع في منطقة وسطى بينهما.
وفي مقال نشرته صحيفة "اعتماد" المقربة من النظام الإيراني، عرض الكاتب بابك كاظمي ثلاثة سيناريوهات محتملة للمحادثات: اتفاق محدود بشأن القضايا الأقل خلافًا، أو تعليق المفاوضات بسبب خلافات لا يمكن التوفيق بينها، أو انهيار العملية إذا أصر أي من الطرفين على مطالب قصوى.
ويبدو أن الخلاف يتركز حول عدة قضايا جوهرية، في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني؛ إذ تصر طهران على حقها في التخصيب، بينما يضغط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من أجل "صفر تخصيب".
كما تسعى إيران إلى رفع كامل أو جزئي للعقوبات الأميركية، إلى جانب الحصول على ضمانات بأن أي اتفاق يتم التوصل إليه مع إدارة ترامب سيتم الالتزام به من قِبل الإدارات الأميركية اللاحقة.
ويرى كاظمي أن تجربة الطرفين مع الاتفاق النووي لعام 2015 يمكن أن تشكّل أساسًا للتقدم، مشيرًا إلى أن التهدئة والفوائد الاقتصادية المتبادلة قد تسهم في استقرار المنطقة.
وأضاف أنه حتى إذا تعذر التوصل إلى اتفاق شامل، فإن اتفاقًا محدودًا قد يفتح المجال لمفاوضات أوسع لاحقًا.
وفي المقابل، يبدو بعض المعلقين أكثر تشاؤمًا.
فقد وصف موقع "فرارو" الإصلاحي التوترات بين إيران والولايات المتحدة بأنها "معقدة ومتعددة الطبقات"، معتبرًا أن الطرفين لا يتجهان نحو صراع شامل ولا نحو اتفاق مستدام.
وبدلاً من ذلك، يصوّر الموقع الوضع على أنه لعبة استنزاف طويلة، يسعى فيها كل طرف إلى كسب أوراق ضغط قبل أن تصل الأزمة في نهاية المطاف إلى نوع من التسوية.
ومن جهته، قال الدبلوماسي الإيراني السابق، جلال ساداتيان، إن طهران وواشنطن لا تبدوان مستعدتين لبدء حرب، لكنهما في الوقت نفسه لا تريان مسارًا واضحًا نحو اتفاق مستدام. وأضاف أن دور إسرائيل كفاعل إقليمي قادر على تصعيد التوترات مما يزيد المشهد تعقيدًا.
وأما الدبلوماسي المخضرم، فريدون مجلسي، فقدم تقييمًا أكثر قتامة، إذ قال لموقع "فرارو" الإيراني إن الولايات المتحدة من غير المرجح أن تقبل بأقل من "استسلام" طهران، وإن فرص التوصل إلى اتفاق في إسلام آباد ضئيلة للغاية.
وبدورهم، عرض محللون في موقع "عصر إيران" عدة سيناريوهات محتملة، معتبرين أن أسوأها هو استمرار الوضع الراهن "لا اتفاق- لا حرب".
وحذّرت الافتتاحية من أن استمرار هذا الجمود سيعمّق عدم الاستقرار الاقتصادي، ويخلق بيئة أمنية هشة قد تندلع فيها الحرب في أي لحظة، ما قد يمنح إسرائيل والولايات المتحدة الوقت والمساحة للتحضير لهجمات إضافية.
وبحسب "عصر إيران"، حتى لو أدت ظروف الحرب مؤقتًا إلى تعزيز التماسك الاجتماعي، فإن الضغوط طويلة الأمد ستُضعف قدرة البلاد على الصمود داخليًا.
ولهذا، دعت الافتتاحية إلى التوصل لاتفاق شامل ودائم يزيل ذرائع الضغوط الاقتصادية أو العسكرية مستقبلاً، ويدفع بطهران وواشنطن نحو حالة من عدم العداء وسلام مستدام.
تحولت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران من شرارة اقتصادية إلى واحدة من أوسع وأعنف موجات الاحتجاج في السنوات الأخيرة؛ بعد وقوع مجازر غير مسبوقة، وقطعٍ للاتصالات، وقمعٍ متعدد الطبقات، ولا تزال الأرقام الدقيقة لعدد الضحايا محل جدل.
ولا يمكن فهم احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026 ضمن إطار بسيط؛ باعتبارها «موجة احتجاج أخرى». ففي فترة قصيرة، تحولت من احتجاجات اقتصادية إلى أزمة شاملة، ثم إلى واحدة من أشد حملات القمع المسجلة في تاريخ النظام الإيراني.
وما يميّز هذه الاحتجاجات عن الموجات السابقة، منذ ديسمبر 2017 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 وانتفاضة 2022، ليس فقط اتساعها وسرعة انتشارها، بل تزامن ثلاث ظواهر: تعبئة اجتماعية واسعة، قتل مركز خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، ومحاولة منظمة لإخفاء أبعاد ما جرى.
من احتجاج معيشي إلى انفجار سياسي
بدأت الاحتجاجات في أواخر ديسمبر 2025 وأوائل يناير 2026 ردًا على الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. لكنها سرعان ما تجاوزت المطالب الاقتصادية لتتحول إلى احتجاجات ذات طابع سياسي. فقد تحولت الشعارات خلال وقت قصير من نقد الأوضاع المعيشية إلى رفض شامل لبنية السلطة.
وكانت السمة المهمة لهذه المرحلة سرعة الانتشار الجغرافي. تشير التقارير الميدانية إلى أن الاحتجاجات اندلعت في عشرات المدن وفي جزء كبير من المحافظات، وانتشرت بسرعة من منطقة إلى أخرى.
وعلى عكس بعض الموجات السابقة التي كانت لها مراكز محددة، واجهت البلاد هنا نمطًا من الانتشار المتزامن ومتعدد المراكز؛ وهو نموذج يعكس تراكم الاستياء في مختلف مستويات المجتمع.
وفي ذروة الاحتجاجات، تحدثت تقارير عن مشاركة واسعة في الشوارع، وهو مستوى من التعبئة يضعها ضمن كبريات الحركات الاجتماعية منذ الثورة الإيرانية. ويبدو أن هذا الاتساع كان أحد العوامل الحاسمة في طبيعة رد فعل النظام.
المنعطف الدموي: 8 و9 يناير
تشير جميع الروايات الموثقة تقريبًا إلى نقطة تحول رئيسية: يومي 8 و9 يناير 2026. خلال هذه الفترة، دخل القمع فجأة وبشكل شديد في مرحلة جديدة. وتظهر التقارير وقوع عمليات قتل واسعة خلال هذين اليومين، يمكن وصفها بأنها أكبر موجة قمع مركزة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
وما يميّز هذه المرحلة ليس فقط عدد القتلى، بل تركّز العنف زمنياً. ففي حين توزعت أعمال العنف في احتجاجات نوفمبر 2019 أو انتفاضة 2022 على عدة أيام أو أسابيع، فإن جزءًا كبيرًا من الضحايا في ديسمبر 2025 سقط خلال 48 ساعة.
وهذا «التركيز العنفي» يمثل تحولاً مهمًا في نمط القمع؛ وهو نهج يهدف إلى كسر موجة الاحتجاج بسرعة قبل أن تتماسك.
وتشير تقارير دولية موثوقة، خاصة من "منظمة العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" وروايات طبية وميدانية نشرتها وسائل الإعلام، إلى صورة واضحة نسبيًا لنوع الأسلحة المستخدمة في قمع الاحتجاجات الأخيرة.
وبحسب هذه المصادر، استخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية والأسلحة النارية القاتلة على نطاق واسع ومباشر ضد المتظاهرين؛ بما في ذلك بنادق هجومية، وبنادق "شوزن"، وفي بعض الحالات رشاشات ثقيلة (مثل مدفع دوشكا) تُستخدم عادة في ساحات القتال.
كما تشير التقارير إلى وجود قناصة في مواقع مرتفعة وإطلاق نار متعمد على الرأس والصدر والأعضاء الحيوية، وهو نمط يدل على سياسة «إطلاق النار بهدف القتل» وليس السيطرة على الحشود.
إلى جانب ذلك، تم توثيق استخدام أدوات «أقل فتكًا» مثل الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، لكن حتى هذه الأسلحة- بحسب منظمة العفو الدولية-استُخدمت بشكل متعمد على مناطق حساسة من الجسم، مما تسبب في فقدان البصر أو إعاقات دائمة.
وبالإضافة إلى ذلك، تتحدث بعض التقارير الميدانية عن استخدام السكاكين والعنف الجسدي المباشر من قِبل قوات بملابس مدنية.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن أدوات القمع تجاوزت مستوى مكافحة الشغب لتصل إلى استخدام أسلحة حربية ضد المدنيين.
مجزرة بلا رقم نهائي
أحد أكثر الجوانب تعقيدًا هو التباين الكبير في أعداد القتلى؛ فقد أعلنت الحكومة الإيرانية نفسها عن رقم رسمي يقارب ثلاثة آلاف قتيل.
وفي المقابل، تشير تقارير "إيران إنترناشيونال" إلى نطاق أوسع بكثير استنادًا إلى مصادر متعددة، من بضعة آلاف إلى ما بين 12 و20 ألف قتيل، بل وتصل بعض التقارير إلى أكثر من 36 ألف قتيل.
كما توجد تقارير تتحدث عن آلاف القتلى الذين لم تُسجل هوياتهم أو ما زالوا قيد التحقيق. وذكرت جهات دولية، بما فيها المقرر الخاص للأمم المتحدة، أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير من الأرقام الرسمية بسبب صعوبة التحقق.
وهذا الفارق لا يمثل مجرد اختلاف عددي، بل يعكس محاولة موازية للتحكم في الرواية وإخفاء حجم ما حدث.
من الشارع إلى المستشفى والمقبرة.. قمع متعدد الطبقات
إذا كان القمع في الاحتجاجات السابقة يتركز في الشارع، فإن ديسمبر 2025 ويناير 2026 شهدا نمطًا متعدد الطبقات يشمل مجالات مختلفة. ففي الشارع، تشير التقارير إلى استخدام مكثف للأسلحة النارية وإطلاق النار المباشر على المتظاهرين. لكن القمع لم يتوقف هنا.
وتشير التقارير إلى أن قوات الأمن اقتحمت المستشفيات واعتقلت الجرحى، مما حوّل العلاج إلى خطر أمني بحد ذاته. وقد أدى ذلك إلى زيادة عدد الضحايا، وتوسيع نطاق القمع خارج ساحة الاحتجاج.
وفي المرحلة التالية، أصبح التعامل مع الجثث والسيطرة على مراسم العزاء جزءًا من منظومة القمع. فقد أصبح العثور على جثامين القتلى تحديًا كبيرًا. كما جرى احتجاز الجثامين في مستودعات الطب الشرعي، واضطرت العائلات للبحث عن أبنائها بين أعداد كبيرة من الضحايا، وهي من أكثر الصور إيلامًا في تلك الفترة. وفي كثير من الحالات سُلّمت الجثث متأخرة أو بشروط خاصة، وتمت عمليات الدفن تحت رقابة وقيود مشددة.
وهذا المسار يدل على أن التحكم في الأثر الاجتماعي للمجزرة كان لا يقل أهمية عن القمع نفسه.
الإنترنت.. أداة للقمع والإخفاء
لعب قطع وتقييد الإنترنت دورًا محوريًا في هذه الاحتجاجات. لكن الفرق المهم عن 2019 هو أن هذا الإجراء لم يكن مجرد رد فعل على الاحتجاجات، بل كان جزءًا من عملية إخفاء القمع نفسه.
وهذه المرة استمر الانقطاع لفترات أطول وبشكل مُدار، ما أدى إلى تعطيل الوصول إلى المعلومات وإرسال الصور وحتى التواصل اليومي بين المواطنين. وقد صعّب ذلك عملية التحقق المستقل ومنع وصول المساعدات وتوثيق الأحداث.
الفرق الحقيقي مع الموجات السابقة
بالمقارنة مع انتفاضتي 2019 و2022، تتميز الاحتجاجات الشعبية الأخيرة بعدة اختلافات رئيسية، وهي: أولاً- تزامن اتساع الاحتجاج مع شدة القمع. ثانيًا- تركّز العنف في فترة زمنية قصيرة جدًا، ما يشير إلى تغير في استراتيجية القمع. ثالثًا- امتداد القمع إلى مجالات تتجاوز الشارع، من المستشفيات إلى المقابر والمجال المعلوماتي.
وبمعنى آخر، إذا كان نوفمبر 2019 رمزًا للقمع مع قطع الإنترنت، وانتفاضة 2022 رمزًا لاستمرار الاحتجاج تحت الضغط الأمني، فإن ديسمبر 2025 ويناير 2026 يمثلان نقطة تحول أصبح فيها القمع منظومة متعددة الطبقات تعمل في وقت واحد وعلى جبهات مختلفة.