ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار بعد ستة أسابيع من الحرب، لا يزال الاتفاق هشًا، حتى مع المؤشرات الدبلوماسية الصادرة من واشنطن وطهران وإسلام آباد التي تفيد بأن اجتماع الوفدين قد يُعقد على الأرجح.
وفي ظل هذا الغموض وانعدام الثقة، لم يكن مفاجئًا أن يعبّر السفير الإيراني لدى الصين، عبد الرضا رحماني فضلي، علنًا عن أمله في أن تلعب بكين دور الضامن لهذه العملية.
وجاء هذا الطرح بعد تقارير أفادت بأن الصين كانت على اتصال مع كلا الطرفين خلال الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى وقف إطلاق النار.
ولكن وزارة الخارجية الصينية امتنعت عن تقديم أي التزام، واكتفت بالقول إن بكين تأمل أن "تحل جميع الأطراف خلافاتها عبر الحوار والتفاوض"، مؤكدة استمرار تواصلها مع الأطراف المعنية.
وهذا النهج يعكس نمطًا عامًا في سلوك الصين خلال هذه الحرب: ممارسة النفوذ دون تحمّل الالتزامات.
فالصين منخرطة، ولكن بشكل محدود. فهي تحافظ على علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وتواصل شراء النفط منها، وتدعم اقتصادها بطرق مختلفة في ظل الضغوط.
ولكن هذه الإجراءات لا ترقى إلى مستوى الدعم الذي تحتاجه طهران في أزمة حيوية؛ فلا توجد ضمانات أمنية، ولا مشاركة عسكرية، ولا رغبة في تحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.
وهذا المستوى المحدود من التدخل يعكس قدرات الصين وأولوياتها؛ حيث تسعى بكين إلى حماية مشاريعها الاستراتيجية الكبرى بأقل تكلفة ممكنة. وقد يندرج خفض التوتر ضمن هذا الإطار، ولكن فقط بقدر ما يخدم مصالحها.
ومع بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، كانت الصين مستعدة نسبيًا لامتصاص الصدمة الأولية، بفضل احتياطياتها الاستراتيجية التي كوّنتها عام 2025، وزيادة استخدام الكهرباء، ومواردها الكبيرة من الفحم المحلي. كما تبيّن سريعًا أن إيران قادرة على الصمود أمام الضربات الأولى.
وفي الوقت نفسه، يتجه النهج الإقليمي للصين بشكل متزايد نحو الدول الخليجية، مما يعزز تفضيلها للحفاظ على التوازن وعدم الانحياز.
كما أوجدت هذه الحرب فرصًا استراتيجية للصين؛ فمع انشغال الولايات المتحدة عسكريًا وسياسيًا في الشرق الأوسط، تراجع الضغط على الصين في منطقة "الهندي- الهادئ"، كما وفّرت الحرب معلومات عن قدرات وأنماط عمل الجيش الأميركي.
ولكن هذه المكاسب مشروطة ببقاء الحرب محدودة. فحرب طويلة قد تحمل مخاطر جسيمة، كما حذر دونالد ترامب من احتمال "تدمير حضارة كاملة".
فالصين ليست مستعدة لتحمل ركود عالمي بسهولة؛ إذ لا تزال الصادرات عنصرًا حيويًا في الحفاظ على الإنتاج الصناعي والنمو الاقتصادي والتوظيف. كما أن تراجع الطلب الخارجي واضطراب سلاسل التوريد قد يضعف أحد أعمدة اقتصادها.
وتحتاج بكين أيضًا إلى علاقات مستقرة مع واشنطن، لشراء الوقت وتعزيز اقتصادها في مواجهة الضغوط المستقبلية.
وإضافة إلى ذلك، في حال تصعيد الحرب، ستصبح مسألة حماية أو إجلاء مئات الآلاف من المواطنين الصينيين في المنطقة قضية ملحّة.
وفي هذه الظروف، قررت الصين التحرك: فمن جهة، استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن قد يمنح غطاءً قانونيًا لمزيد من الهجمات ضد طهران، ومن جهة أخرى، ساهمت في فتح مسار دبلوماسي للخروج من الأزمة، وهو المسار الذي احتاج إليه الرئيس الأميركي.
ودور الصين في هذه الأزمة يُظهر في آنٍ واحد قوتها وحدود نفوذها؛ فهي قادرة على التأثير في اللحظات الحساسة، لكنها لا ترغب في لعب دور مزوّد الأمن.
كما أن تحركاتها تعتمد بشدة على الظروف؛ فلو لم تُبدِ الولايات المتحدة رغبة في خفض التصعيد، أو لم تتوفر فرصة دبلوماسية، لكان تدخل الصين أكثر محدودية.
وبعبارة أخرى، لا تسعى القيادة الصينية إلى حل كامل للأزمة، بل إلى إدارة تداعياتها. فهي لا تتحرك لإقامة نظام مستقر، بل لمنع نتائج قد تضر بمصالحها الاستراتيجية.
وطالما استمر هذا الحساب، ستبقى الصين لاعبًا مؤثرًا في أمن الشرق الأوسط، لكنها في النهاية حذرة ومحدودة الدور.