وقد اشترى زنجاني نفطًا من وزارة النفط مرة أخرى بضمان عملة رقمية غير موثوقة، كما زعم أنه استورد طنًا من الذهب إلى البلاد.
وبعد ما يقرب من عقد من صدور حكم الإعدام بحقه، ثم صدور عفو من قبل المرشد الإيراني علي خامنئي، عاد زنجاني إلى الأنشطة الاقتصادية، لكن هذه العودة رافقتها جدليات جديدة تذكّر بنمط أنشطته الاقتصادية في عهد حكومة أحمدي نجاد.
من بين هذه الجدليات البارزة، مصادرة الجمارك الإيرانية لـ13 كيلوغرامًا من سبائك الذهب المنسوبة إلى زنجاني.
تمت مصادرة هذه الشحنة في 18 أغسطس (آب) الجاري بمطار الخميني في طهران، بسبب عدم مطابقتها لمعايير البنك المركزي (حيث كانت السبائك بوزن أونصة واحدة، وهو أقل من الحد الأدنى المطلوب وهو كيلوغرام واحد بعيار 995.5)، إضافة إلى غموض حول مصدر العملة المستخدمة. وفق ما أعلنته هيئة الجمارك الإيرانية.
وصرح رئيس هيئة الجمارك، رداً على ادعاء زنجاني باستيراد طن من الذهب، قائلاً: "هذا الادعاء غير صحيح. الشحنة المستوردة كانت 13 كيلوغرامًا فقط، ولا علم لنا باستيراد طن من الذهب. تم إرجاع هذه الشحنة إلى صاحبها لعدم مطابقتها لمعايير البنك المركزي، ويمكنه إعادتها إلى أي بلد يرغب".
ونشر زنجاني مقطع فيديو على صفحته الشخصية، قال فيه إن هذه السبائك كان من المقرر أن تُطرح في السوق بأسعار عالمية حقيقية، مقارنة بسعر العملة الذهبية "إمامي" للبنك المركزي، التي تحمل فقاعة سعرية بنسبة 15 بالمائة أو 117 دولارًا مقارنة بالسعر العالمي.
وزعم أنه يمكن أن يكون "منقذ سوق الذهب" من خلال هذا الإجراء، بل وتحدث عن استيراد طن من الذهب، وهو ادعاء نفته الجمارك الإيرانية.
في الوقت ذاته، ظهرت تقارير تفيد بأن وزارة النفط وشركة التجارة النفطية (نيكو) باعتا نفطًا مجددًا لزنجاني، رغم ديونه البالغة مليارات اليورو غير المسددة لوزارة النفط والبنك المركزي الإيراني.
ونقلت وكالة "إيلنا" عن مسؤول قوله: "بسبب عدم تسوية ديون زنجاني بالعملة الأجنبية، تم تجميد حسابات عملات أجنبية لدى بنكين خاصين، كما تأثر أداء حساب مماثل في بنك حكومي".
في المقابل، نقل موقع "تابناك" عن "مسؤول" نفيه لتجميد حسابات بعض البنوك الخاصة لهذا السبب، كما نفى تسليم نفط جديد لزنجاني.
في السياق ذاته، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن شركة نيكو، التابعة لوزارة النفط، قبلت عملة رقمية كضمان لبيع النفط لزنجاني، رغم أن البنك المركزي كان قد أعلن سابقًا أن هذه العملة غير موثوقة.
في 26 أغسطس (آب)، أعلن البنك المركزي أن "زنجاني لم يقم بأي إجراء سوى تسوية ما يعادل 15 مليون دولار، بينما كان يُفترض، بموجب قرار قضائي صدر في يونيو (حزيران) 2025، أن يسدد كامل ديونه باليورو خلال شهر واحد".
في وقت سابق، أعلن أصغر جهانغير، المتحدث باسم القضاء، أن "المحكمة ألزمت زنجاني بدفع مبلغ مليار وتسعمائة وسبعة وستون مليونًا ونصف مليون يورو لصالح الشركة الوطنية للنفط الإيراني، وقد تم تسوية جزء من هذا الدين من خلال تحديد وتسليم أصوله الداخلية. في عام 2014، تم تحديد أصول بقيمة حوالي 500 مليون دولار ونقلها إلى الشركة الوطنية للنفط، شملت 17 شركة كانت ملكيتها بالكامل لزنجاني. كما تم تحديد أصول أخرى وبيعها بمبلغ حوالي 27 مليار تومان، وتم إيداعها في حساب الشركة الوطنية للنفط".
وأضاف: "في عام 2023، قدم زنجاني شحنة خارجية تم تقييمها بـ1.8 مليار دولار، وهي محفوظة حاليًا في خزائن البنك المركزي. كان من المفترض أن يبيع البنك المركزي هذه الشحنة، لكنه أعلن عدم إمكانية البيع، فقدم المحكوم عليه اقتراحًا بأنه في حال إعادتها إليه، سيقوم هو ببيعها وتسديد قيمتها نقدًا".
في 19 فبراير (شباط) 2024، قال غلام حسين محسني إيجه إي، رئيس السلطة القضائية: "نتيجة جهود وتضحيات جميع الجهات المعنية، تم تحديد أصول بابك زنجاني في الخارج ونقلها إلى طهران، وبناءً على التقييمات الأولية، فإن هذه الأصول كافية لتغطية ديونه وخسائره".
من حكم الإعدام إلى العفو والعودة إلى الاقتصاد
خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد (2005-2013)، قدم بابك زنجاني نفسه باعتباره "مجاهدًا اقتصاديًا"، وكان نشطًا في مجالات متنوعة مثل بيع النفط، نقل الأموال، البناء، الطيران، شراء النوادي الرياضية والسينما.
في مارس (آذار) 2016، حكمت محكمة الثورة في طهران بالإعدام على هذا "المجاهد الاقتصادي" بتهم غسل الأموال، والاختلاس، وعدم إعادة الأموال النفطية، وإلزامه بإعادة الأموال إلى الشركة الوطنية للنفط الإيرانية (مليار و967 مليون يورو)، ودفع غرامة نقدية تعادل ربع مبلغ غسل الأموال.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، أيدت المحكمة العليا حكم الإعدام، مع شرط مهم مفاده: "إذا قام المحكوم عليه بإعادة جميع الأملاك وتعويض الأضرار، يمكنه الاستفادة من التخفيفات القانونية وفقًا للمادة 114 من قانون العقوبات".
هذا الشرط فتح الطريق لتخفيف الحكم. مع تحديد ونقل 17 شركة مملوكة لزنجاني بقيمة 500 مليون دولار في عام 2014، وتحويل 27 مليار تومان من عائدات بيع أصول أخرى، تم تسوية جزء من الديون. وفي عام 2023، قدّم زنجاني شحنة نيكل بقيمة 1.8 مليار دولار إلى الحكومة تم نقلها إلى طهران.
وفي مايو (أيار) الماضي، صرّح رئيس البنك المركزي حول الشكوك بشأن انخفاض عيار النيكل أو تزويره، أن البنك المركزي ليس له أي تدخل في قيمة هذه الشحنات، وطلب من زنجاني بيع النيكل وتسديد مستحقات البنك.
وبحسب التقارير، استأنف زنجاني نشاطاته الاقتصادية منذ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025 بعد نشر تقارير حول إطلاق سراحه أو منحه إجازة، ويقوم حاليًا بإطلاق خط طيران "دات وان" بـ32 طائرة، وخدمة تاكسي كهربائية، وخطوط شحن حاويات، واستيراد عربات القطارات.
وفي أواخر أبريل (نيسان)، أثار العقد الذي تبلغ قيمته 61 ألف مليار تومان بين وزارة الطرق والمدن وشركة منسوبة لزنجاني جدلاً واسعًا.
الامتيازات والداعمين من الحرس إلى المسؤولين الحكوميين
ملف زنجاني لم يقتصر على شخصه. في محكمة سبتمبر (أيلول) 2015، ذُكر مرارًا أسماء مسؤولين كبار في حكومة أحمدي نجاد وقادة كبار في الحرس الثوري، لكن لم يُحاكم أي منهم، وظل الملف "لا يرتقي فوق زنجاني".
لعب رستم قاسمي، القائد السابق لمقر خاتم الأنبياء في الحرس الثوري ووزير النفط في حكومة أحمدي نجاد، دورًا رئيسيًا في الأنشطة الاقتصادية لزنجاني.
وتشير لائحة الاتهام والدفاعيات إلى أن قاسمي كان يمنحه النفط بناءً على "ثقة شخصية".
وقدم أحمد وحيد دستجردي، الرئيس السابق لمؤسسة التعاون التابعة للحرس ومساعد وزير الدفاع السابق، زنجاني إلى مقر خاتم وأنشطة النفط، وذكر في لائحة الاتهام تحت اسم "أ.و.د".
ولم يُحاكم دستجردي أبدًا.
كما اتهم زنجاني في رسائل من السجن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، ونائبه إسحاق جهانغيري والوزير الأسبق بيجن زنغنه، بتلفيق القضايا ضده.
وتُظهر مستندات قضية زنجاني القضائية أن وزراء التجارة، والاقتصاد، والنفط ورئيس البنك المركزي في حكومة أحمدي نجاد وقعوا رسائل دعم له.
وتظهر الصور التي تجمع زنجاني بحسن مير كاظمي (حسن رعيت)، الذي حُكم عليه بالسجن 25 سنة في قضية فساد اقتصادي أخرى وكان من عناصر قمع الاحتجاجات بعد انتخابات الرئاسة عام 2009، مدى قربه من هيكل الحرس الثوري.
وبحسب تقرير "إيران إنترناشيونال" في مايو (أيار) 2024، كان لدى زنجاني شبكة من عشرات الشركات الوهمية في دبي وتركيا وماليزيا وطاجيكستان، أُنشئت بدعم من المسؤولين الرسميين في إيران.
نفس الضحكة المعروفة
يبدو أنه مع زيادة الضغوط الخارجية على النظام الإيراني واحتمال تفعيل آلية "السناب باك"، لجأت إيران مرة أخرى إلى حلول سبق استخدامها لتجنب العقوبات، مثل بابك زنجاني، التي أدت في النهاية إلى فساد اقتصادي بمليارات الدولارات.
في الجلسة الثالثة لمحاكمة زنجاني (5 أكتوبر/تشرين الأول 2015)، استقبل زنجاني أحد المحامين القادمين، وقال المحامي: "آمل بعد انتهاء المحكمة أن تضحك أنت وكذلك الشعب". فأجاب زنجاني: "سوف نضحك جميعًا، لا تشك".
اليوم، يبدو أن زنجاني على الأقل وحلفاءه يضحكون، بينما يضطر الشعب الإيراني لدفع ثمن الديون ونتائج الفساد المستمر.
عودة زنجاني دون تسوية الديون وبدعم خلف الكواليس، تُظهر عمق الريع والفساد المنهجي، نفس النمط السابق الذي يمتد من شركات الطيران وخدمات التاكسي إلى الذهب والعربات.