وسيمنح انتقال السيطرة على "الكونغرس إلى الديمقراطيين المعارضين للحرب نفوذًا أكبر في ملفات الإنفاق العسكري والتحقيقات البرلمانية والتشريعات التي تحد من صلاحيات الرئيس. لكن هذا التحول يخلق أيضًا فترة تقارب شهرين يستطيع خلالها ترامب مواصلة تحقيق أهدافه العسكرية قبل تولي المشرعين مناصبهم الجديدة في 3 يناير المقبل.
وبرز احتمال أن تدفع الهزيمة الانتخابية ترامب إلى تصعيد العمل العسكري، في تقديرات قدمها خبراء في السياسة الخارجية ومحللون تحدثوا إلى "إيران إنترناشيونال"، الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني).
وقالت محللة العلاقات الدولية، فرشته بيزشك، لـ "إيران إنترناشيونال": «يمكننا توقع أن ينفذ ترامب عملية عسكرية كبرى، وربما تكون أكثر شدة مما كان سينفذه لو احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس».
ورأت بيزشك أن ترامب قد يسعى إلى إثبات سلطته والتأثير في التغطية الإعلامية عقب خسارة الجمهوريين. وأضافت أن "الكونغرس" المقبل قد يؤخر التمويل العسكري أو يضع عقبات أخرى، لكنه لن يمتلك سوى قدرة محدودة على تقييد الرئيس، الذي سيظل القائد الأعلى للقوات المسلحة بعد 3 يناير المقبل.
وأقر ترامب بالتداعيات الاقتصادية للحرب على إيران عقب هزيمة الجمهوريين، لكنه رفض القول إن الناخبين يعارضون الحملة العسكرية نفسها.
وقال ترامب لشبكة "فوكس نيوز": «لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالحرب. أعتقد أنه يتعلق بأسعار البنزين. فالناس يؤيدون ما أفعله بشأن إيران، لكنهم على الأرجح لم يكونوا مستعدين لتحمل التداعيات قصيرة الأجل المتمثلة في دفع المزيد مقابل البنزين».
ومع ذلك، دافع الرئيس الأميركي عن سياسته تجاه إيران.
وقال ترامب لموقع "بوليتيكو": «أنا مقتنع تمامًا بأن قراري بشأن إيران، لما فيه مصلحة بلدنا على المدى الطويل، بل والعالم أيضًا، كان صحيحًا تمامًا، وما زلت مقتنعًا بذلك».
هل تدفع الهزيمة الانتخابية ترامب إلى شن هجوم أوسع؟
كانت الإدارة الأميركية تستعد لشن هجوم جديد واسع النطاق على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، وقد تعزز نتائج الانتخابات حافز ترامب للمضي قدما خلال الفترة الانتقالية، بحسب ما كتبت الباحثة المتميزة في مركز ستيمسون، باربرا سلافين في 2 نوفمبر الجاري.
وحددت سلافين هدفين محتملين للعملية: إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب.
ولكنها حذرت من أن تجدد الهجمات قد يعرض حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة الخليجية لمزيد من الردود الإيرانية، ويرفع تكاليف الطاقة، ويتسبب في دمار واسع النطاق دون تحقيق أهداف واشنطن.
وقد يوفر التصعيد العسكري أيضًا لترامب وسيلة للسعي إلى حسم المعركة قبل أن يحصل الديمقراطيون على صلاحيات رقابية أوسع.
وقال الصحافي والمحلل السياسي، أميد ممريان، لـ "إيران إنترناشيونال": "إن حسابات ترامب تختلف عن حسابات الرؤساء التقليديين، لأنه يولي أهمية كبيرة لإنجازاته السياسية الشخصية".
وأضاف ممريان: «ترامب رئيس غير تقليدي، وتختلف حساباته المتعلقة بالتكاليف والفوائد اختلافًا كبيرًا عن حسابات السياسيين الآخرين والرؤساء السابقين».
ورأى أن الرئيس الأميركي قد يستغل الفترة السابقة لشهر يناير المقبل لشن عملية عسكرية مكثفة، وإضعاف القدرات العسكرية أو النووية الإيرانية، ثم إعلان النصر والتوجه بعد ذلك إلى المفاوضات أو تقليص التدخل الأميركي.
وقال ممريان: «أعتقد أن احتمال شن هجوم ربما ازداد بالفعل».
وأوضح أن وجود "كونغرس" يسيطر عليه الديمقراطيون سيجعل إدارة الحرب أكثر صعوبة من خلال التحقيقات وجلسات الاستماع في اللجان والتدقيق في القرارات العسكرية. وقد يزيد ذلك من حافز ترامب للسعي إلى إنهاء الحرب بسرعة، بدلاً من التخلي ببساطة عن الخيارات العسكرية.
وهناك سابقة تاريخية لهذا الاحتمال؛ فبعد خسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي عام 2006، زاد الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش، عدد القوات الأميركية المنتشرة في العراق في العام التالي، رغم تصاعد المعارضة الشعبية للحرب.
ولا تثبت هذه السابقة ما الذي سيفعله ترامب، لكنها توضح أن الهزيمة الانتخابية لا تؤدي بالضرورة إلى خفض فوري للعمليات العسكرية.
حجم صلاحيات الديمقراطيين
تمنح السيطرة على "الكونغرس" الديمقراطيين سلطات تشريعية ومالية كبيرة، لكن الرئيس سيظل القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ويستطيع "الكونغرس" التحقيق في أداء الإدارة، وتقييد الاعتمادات المالية، وإقرار تشريعات تتعلق بالعمليات العسكرية. غير أن ترامب يستطيع استخدام حق النقض ضد التشريعات التي تقيد تحركاته، ما يتطلب أغلبية الثلثين في كلا المجلسين لتجاوز "الفيتو".
وقال مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، جون بولتون، لموقع "دويتشه فيله": «حتى لو حصل الديمقراطيون على الأغلبية في كلا المجلسين، فسيظل نفوذهم محصورا في الأدوات التشريعية والسياسية المتاحة للكونغرس».
وسعى الديمقراطيون بالفعل إلى استخدام الصلاحيات المالية للكونغرس لمواجهة الحرب.
وكان السيناتور تيم كين، الذي عارض مرارًا العمليات العسكرية التي ينفذها ترامب دون تفويض من "الكونغرس"، قد تعهد في أغسطس (آب) الماضي بمواصلة جهوده لوقف التمويل.
وقال كين في بيان رسمي: «سأواصل بذل كل ما بوسعي لقطع التمويل عما سيدخل التاريخ باعتباره واحدة من أكثر الكوارث حماقة في السياسة الخارجية الأميركية على الإطلاق».
وفي المقابل، ميّز ديمقراطيون آخرون، من بينهم السيناتور كريس كونز، بين إعادة ملء مخزونات الجيش الأميركي من الأسلحة والذخائر، وتمويل العمليات التي من شأنها إطالة أمد الصراع فعليًا.
لكن تقييد التمويل قد يصبح أكثر صعوبة من الناحية السياسية إذا أمر ترامب بشن هجوم كبير قبل يناير المقبل.
وقال المحلل السياسي، مراد ويسّي، إن الديمقراطيين قد يجدون أنفسهم أمام مسؤولية اتخاذ قرارات تتعلق بإمداد القوات الأميركية الموجودة بالفعل في ساحات القتال. وأضاف أن معارضة الحرب لا تعني بالضرورة استعداد المشرعين لحرمان القوات المنتشرة من الموارد اللازمة لها.
هل يمكن أن يسعى ترامب إلى إسقاط النظام الإيراني؟
لا تزال الأهداف المحتملة لأي عمل عسكري إضافي موضع خلاف كبير بين المحللين الذين تحدثوا إلى "إيران إنترناشيونال".
وقال ويسّي إن ترامب قد ينظر إلى ما تبقى من ولايته الرئاسية باعتباره فرصة لترسيخ إرث تاريخي، وربما يشمل ذلك عملا عسكريا يسهم في إسقاط الجمهورية الإسلامية.
وأضاف: «أعتقد أن ترامب يستطيع أن يترك إرثًا سياسيًا من خلال المساعدة في إسقاط النظام الإيراني. لا أقول إنه سيفعل ذلك بالتأكيد، لكن هذا يتوافق مع شخصيته، ولديه 60 يومًا».
وربط ويسّي هذا الاحتمال بما وصفه بأنه سعي إسرائيلي متزايد الوضوح إلى إنهاء حكم النظام الإيراني. ورأى أن ترامب قد يدعم حملة عسكرية أوسع إذا اعتقد أنها ستمنحه إنجازًا سياسيًا فارقًا.
وأشار المحلل أيضًا إلى أن توسيع الحرب قبل يناير المقبل قد يضع الديمقراطيين الذين سيتولون مناصبهم لاحقًا أمام التزامات عسكرية يصعب التراجع عنها.
وقدمت بيزشك تقييمًا مختلفًا؛ إذ ميّزت بين إجبار النظام الإيراني على الرضوخ للمطالب الأميركية والسعي المتعمد إلى إسقاطه.
وقالت لـ "إيران إنترناشيونال": «ما زلنا لا نرى أدلة على أن ترامب يتخذ خطوات تسمح لنا باستنتاج أنه يعتزم إسقاط النظام الإيراني، بدلا من إجباره على الرضوخ».
وأضافت أن ترامب يبدو أكثر ميلاً إلى اتباع نهج شبيه بما حدث في فنزويلا، بدلاً من التدخل على غرار العراق، الذي يستلزم تحمّل الولايات المتحدة مسؤولية طويلة الأمد عن إعادة بناء النظام السياسي.
كما شككت في امتلاك واشنطن خطة واضحة لاستبدال مؤسسات الحكم في إيران.
هل يمكن أن تسيء طهران تفسير نتائج الانتخابات؟
وصف رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، نتائج الانتخابات بأنها رفض للحرب، وحذر واشنطن من تجاهل ما وصفه بإرادة الناخبين الأميركيين.
وكتب قاليباف على منصة «إكس»: «سواء بدافع الضمير أو بسبب تكاليف المعيشة، قال الأميركيون: لا للحرب، ونحن نؤيد هذه الرسالة».
وأضاف: «إذا خانت الحكومة الأميركية إرادة شعبها لخدمة جهات ابتزاز وراعين دوليين، فستكتشف أن كلمة لا التي نقولها ستتحول إلى كابوس».
وجمعت رسالة قاليباف بين تفسيره لنتائج الانتخابات والتحذير من العواقب إذا واصلت واشنطن حملتها العسكرية.
لكن تغيير السيطرة على "الكونغرس" لا يعني بالضرورة حدوث تغيير مماثل في الأهداف الاستراتيجية لواشنطن.
وقال خبير الأمن القومي المقيم في واشنطن، أمير حميدي، لـ "إيران إنترناشيونال"، إن على القادة الإيرانيين ألا يخلطوا بين الانقسامات السياسية في واشنطن وبين تراجع القوة الأميركية.
وأضاف حميدي: «قد يخسر الرئيس ترامب أغلبيته في الكونغرس، لكنه لم يفقد سلطاته الرئاسية. إن الهزيمة الانتخابية لحزب لا تعني هزيمة القوة الوطنية الأميركية».
وأشار إلى أن النظام الإيراني قد يدفع ثمنًا باهظًا إذا أساء تفسير نتائج الانتخابات، مؤكدًا أن الرئيس الأميركي لا يزال القائد الأعلى للقوات المسلحة ويتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الدبلوماسية والأزمات.
وأوضح حميدي أن الرقابة البرلمانية على العمليات العسكرية والإنفاق الحربي قد تزداد في ظل سيطرة الديمقراطيين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع قدرة الولايات المتحدة على الردع أو تخليها عن التزاماتها الأمنية الراسخة.
نافذة زمنية ضيقة
ربما غيّر فوز الديمقراطيين الجدول السياسي للحرب على إيران، لكنه لم يغيّر الجهة التي تتحكم في مسارها المباشر.
فحتى تولي "الكونغرس" الجديد مهامه في 3 يناير المقبل، سيظل ترامب يمتلك صلاحية اتخاذ قرارات عسكرية قد ترسم مسار الصراع لفترة طويلة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
وقد يؤدي شن هجوم واسع خلال هذه الأسابيع إلى وضع المشرعين الجدد أمام قرارات اتُخذت بالفعل والتزامات عسكرية يصعب التراجع عنها.
وتطرح نتائج الانتخابات أيضا تساؤلاً أمام النظام الإيراني: هل ستؤدي الانقسامات السياسية الداخلية في واشنطن إلى ضبط النفس، أم أن اقتراب الموعد المحدد لتولي الكونغرس الجديد مهامه قد يشجع على مزيد من العمل العسكري؟
ولذلك، قد تكون الأسابيع المقبلة أكثر أهمية من التوازن الجديد للقوى داخل الكونغرس. فالانتخابات التي استهدفت تغيير اتجاه السياسة الأميركية قد تسبق تحولاً حاسمًا في حرب لم يحصل المشرعون الجدد بعد على الصلاحيات اللازمة للتأثير في مسارها.