وقال مسؤولون سابقون وخبراء مستقلون إن هذه الاضطرابات قد تؤدي إلى امتلاك صانعي السياسات صورة غير مكتملة عن التهديدات التي تواجه البلاد، في وضع يذكّر بإخفاقات استخباراتية كُشف عنها عقب هجمات تنظيم "القاعدة" في 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
وبحسب "رويترز"، يأتي تباطؤ تبادل المعلومات في وقت تدرس فيه الإدارة الأميركية احتمال استئناف الهجمات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة الثلاثاء 3 نوفمبر (تشرين الثاني).
وأضافت الوكالة، في تقرير خاص، أن هذه المشكلات ظهرت خلال تولي تولسي غابارد منصب مديرة الاستخبارات الوطنية، وفي خضم توترات حادة بين مكتبها ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه). ووفقًا لمسؤولين أميركيين مطلعين على الأمر، فإن هذه التوترات تراجعت بعد استقالة غابارد في يونيو (حزيران) الماضي، لكن المشكلات الناجمة عن تلك الخلافات لا تزال قائمة.
وقال المسؤولان إن وكالة الاستخبارات المركزية أوقفت العام الماضي مشاركتها في إعداد التقييمات المشتركة مع مجلس الاستخبارات الوطني، وهو فريق تحليلي تابع لمكتب مديرة الاستخبارات الوطنية. وأدى ذلك إلى انخفاض عدد التقارير التي تجمع وتوحّد وجهات نظر مختلف أجهزة الاستخبارات الأميركية بشأن قضايا، من بينها إيران، لتقديمها إلى صانعي القرار. وقال مسؤول استخباراتي أميركي إن الوكالة استأنفت خلال الأشهر الأخيرة المشاركة في إعداد بعض تقييمات المجلس بصفة شريك في الكتابة.
كما ذكر شخصان مطلعان على الأمر أن أعضاء في "الكونغرس" وموظفي مكاتبهم فوجئوا بتوقف تلقي التقارير الاستخباراتية من مكتب غابارد لفترات من الوقت، في الأيام التي أعقبت الهجوم العسكري الأميركي على إيران في يونيو 2025، ثم مرة أخرى عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) 2026. وكان فريق غابارد قد اتهم أعضاء الكونغرس بتسريب معلومات إلى وسائل الإعلام.
ولم يسبق الإبلاغ عن اضطراب تبادل المعلومات الاستخباراتية هذا.
وقالت المتحدثة باسم وكالة الاستخبارات المركزية، ليز ليونز، إن الوكالة تشارك "بشكل كامل" في عملية تقديم التقييمات الاستخباراتية، من خلال التقرير الاستخباراتي اليومي للرئيس، الذي يُعد تحت إشراف مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، وكذلك عبر مجلس الاستخبارات الوطني.
ووفقًا لأربعة مسؤولين أميركيين سابقين، يعمل بعض المسؤولين السابقين حاليًا في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وبالتعاون بين الحزبين، على إعداد خطط لإعادة بناء منظومة أجهزة الاستخبارات الأميركية في الإدارة المقبلة.
وقالت بيث سانر، نائبة مديرة الاستخبارات الوطنية السابقة خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب: "كل هذه القضايا تتراكم فوق بعضها، وذلك في عالم شديد التعقيد بالفعل، يحتاج فيه صانعو السياسات إلى صورة أكثر دقة وعمقًا وتكاملًا للعالم، لكنهم يحصلون عمليًا على معلومات أقل".
خلافات حول الصلاحيات وتراجع التعاون
بدأت المشكلات داخل منظومة أجهزة الاستخبارات الأميركية العام الماضي، بالتزامن مع خفض كبير في موارد وأعداد العاملين في مؤسسات الأمن القومي، بما فيها مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية ووكالة الاستخبارات المركزية. وجرت هذه التطورات في وقت كان فيه ترامب يسعى إلى إقالة أو إبعاد المسؤولين الذين اعتبر أنهم لا يبدون الولاء له.
ووفقًا لمسؤولين أميركيين سابقين ومسؤول حالي، بات بعض المحللين الذين لا يزالون يعملون في أجهزة الاستخبارات يتوخون الحذر عند إعداد تقييمات تتعارض مع مواقف البيت الأبيض، خشية التعرض لإجراءات انتقامية ذات دوافع سياسية. ولم يحدد هؤلاء المسؤولون الموضوعات التي يتجنب المحللون تناولها.
وقالت المحللة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية، جوليا كورلي، والتي تقول إنها أُقيلت العام الماضي من مجلس الأمن القومي في إدارة ترامب بسبب كونها متحولة جنسيًا: "لا يزال المحللون يؤدون عملهم، لكن البيت الأبيض همّشهم، لأن الرئيس يعتبر المعلومات غير المرغوب فيها دليلًا على عدم الولاء".
ولم يرد البيت الأبيض على طلب "رويترز" للتعليق.
وبحسب التقرير، تفاقم هذا الوضع نتيجة خلافات وصفها مسؤولون بأنها واحدة من أكبر الصراعات على نطاق الصلاحيات خلال العقود الثلاثة الماضية، بين مؤسستين بالغتي الأهمية: وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، الذي أُنشئ بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وكانت "رويترز" قد نشرت سابقًا تفاصيل عن الخلاف بين المؤسستين.
وقال ثلاثة مسؤولين سابقين إن الخلافات الداخلية بين المؤسستين، التي بدأت قبل عام عندما ألغى مكتب غابارد التصاريح الأمنية لمسؤولين استخباراتيين حاليين وسابقين، تصاعدت إلى حد اضطرار كبيرة موظفي البيت الأبيض، سوزي وايلز، إلى التدخل عدة مرات لاحتواء التوترات.
وفقد مجلس الاستخبارات الوطني، الذي ظل لعقود أحد المصادر الرئيسية للمسؤولين والمشرعين في اتخاذ قرارات السياسة الخارجية، العام الماضي أهم مؤسسة مشاركة في إعداد تقاريره، بعد أن أوقفت وكالة الاستخبارات المركزية مشاركتها في صياغة التقييمات.
وكان الهدف من إعداد هذه التقييمات هو جمع وجهات نظر أجهزة الاستخبارات الأميركية الـ 18، فيما اعتمد المجلس بدرجة كبيرة على وكالة الاستخبارات المركزية في تحليل قضايا مثل إيران وروسيا.
ورغم أن وكالة الاستخبارات المركزية واصلت تبادل المعلومات مع مجلس الاستخبارات الوطني والتعاون معه في إعداد بعض التقارير، فإن محللي الوكالة ركزوا جهودهم على إعداد تقييمات مستقلة خاصة بها.
وبحسب شخصين مطلعين على الأمر، أدى هذا التغيير إلى إبطاء وتيرة إعداد تقييمات مجلس الاستخبارات الوطني، الذي واجه بدوره خفضًا في عدد موظفيه. وقال خمسة مسؤولين حاليين وسابقين إنه لم يركز أي من هذه التقييمات على الحرب مع إيران.
وردًا على طلب للتعليق، قال مسؤول في مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية إن حجم إنتاج المجلس من التقييمات لا يزال قريبًا من "المعدلات التاريخية".
وقال مسؤول أميركي، مشيرًا إلى مدير الاستخبارات الوطنية، جاي كلايتون: "رغم أن تولسي لم تستخدم مجلس الاستخبارات الوطني، فإن مدير الاستخبارات الوطنية، كلايتون، أثبت أنه مدير جيد لمنظومة أجهزة الاستخبارات، وأنه يدرك قيمة مجلس الاستخبارات الوطني".
عقبات جديدة
يشعر بعض مسؤولي الاستخبارات السابقين بالقلق من ظهور عقبات جديدة تعترض التعاون بين الأجهزة.
وقال مورغان موير، نائب مديرة الاستخبارات الوطنية السابق في إدارة الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، والذي سبق له أيضًا تقديم تقارير استخباراتية إلى الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش: "تكمن المشكلة في أنك عندما تتخذ خطوات تؤدي عمليًا إلى إضعاف المؤسسات المسؤولة عن التنسيق الحقيقي بين أجهزة الاستخبارات من الداخل، فإنك تنشئ جزرًا صغيرة ومعزولة، وعندها يستطيع كل شخص اختيار الجزيرة التي يريدها للحصول على المعلومات".
ووفقًا لشخصين مطلعين على الأمر ومسؤول أميركي سابق، أوقف مكتب غابارد أيضًا، في عام 2025، تقديم الإحاطات إلى الكونغرس بشأن التهديدات الانتخابية.
وقال المسؤولون إن كلايتون، الذي تولى منصب مدير الاستخبارات الوطنية في أغسطس (آب) الماضي، استأنف تقديم الإحاطات إلى الكونغرس بشأن التهديدات الانتخابية.
وجاء في بيان لمكتب مديرة الاستخبارات الوطنية إلى "رويترز": "لا يزال مدير الاستخبارات الوطنية، كلايتون، ملتزمًا بضمان امتلاك مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية ومنظومة أجهزة الاستخبارات الموارد اللازمة لمواصلة إطلاع كبار صانعي القرار في الإدارة الأميركية على المعلومات، والحفاظ على أمن الأميركيين".
وفي واقعة أخرى تعكس الخلاف بين الأجهزة، أوقف مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، في أواخر العام الماضي، تبادل بعض المعلومات الاستخباراتية مع المركز الوطني لمكافحة الإرهاب لعدة أسابيع، وفقًا لمسؤولين سابقين. وجاء ذلك بعدما حاول جو كينت، الرئيس السابق للمركز، وموظفوه التحقيق في حادثة إطلاق النار على مؤسس منظمة "ترنينغ بوينت يو إس إيه"، تشارلي كيرك.
وقال قادة مكتب التحقيقات الفيدرالي لكينت إنهم يعتقدون أن المركز الوطني لمكافحة الإرهاب تجاوز حدود صلاحياته.