وأوضحت الصحيفة، يوم الجمعة 24 يوليو (تموز)، أن تقييم الاستخبارات الأميركية لتوجهات مجتبى خامنئي يستند بشكل أساسي إلى معلومات تم جمعها قبل اندلاع الحرب. ووفقاً لهذا التقييم، فإنه وبخلاف علي خامنئي، لا يحمل الشكوك ذاتها التي كانت لدى والده بشأن تصنيع سلاح نووي، بل يدعم إنتاج أسلحة نووية متطورة.
ولم يدعُ مجتبى خامنئي حتى الآن علناً إلى تصنيع قنبلة نووية؛ إذ ركز في مواقفه العامة على ضرورة الحفاظ على القدرات النووية الإيرانية، دون أن يتحدث بشكل مباشر عن ضرورة حصول إيران على هذا السلاح.
وبحسب "نيويورك تايمز"، يعتقد المسؤولون الأميركيون أن النظام الأكثر تشدداً، والذي تشكل عقب مقتل عدد من القادة السابقين في الهجمات الأميركية والإسرائيلية، يمتلك طموحات لتطوير أسلحة نووية متطورة. كما حاول هؤلاء فرض سيطرة أكبر على مضيق هرمز، وأبدوا تعنتاً كطرف مفاوض.
ويحذر التقرير من أنه إذا كانت الحرب الأميركية الإسرائيلية قد دفعت طهران نحو السلاح النووي بدلاً من إبعادها عنه، فإن هذه النتيجة ستكون إحدى التداعيات الرئيسية لمقتل علي خامنئي والمحاولات الأولية لإدارة دونالد ترامب في مسار تغيير النظام.
المعلومات المتاحة تعود إلى ما قبل الحرب
أكد المسؤولون الأميركيون أن معظم المعلومات المتعلقة برؤى مجتبى خامنئي تعود إلى الفترة التي سبقت الحرب. وكان المرشد الجديد قد أصيب بجروح بالغة في المرحلة الأولى من الحرب، ومذ ذاك الحين حدّ من اتصالاته وظهوره العلني.
وبحسب هؤلاء المسؤولين، فإن هذا التواري يعود إلى إصاباته وإلى المخاوف من استهدافه في ضربة جوية. وتشير تقييمات واشنطن إلى أن مجتبى خامنئي لا يزال يمسك بزمام السلطة، لكنه لا يتمتع بالسلطة المطلقة والنفوذ اللذين حظي بهما والده، الذي أمضى أكثر من 36 عاماً على رأس النظام الإيراني.
ويأتي نشر هذا التقييم بالتزامن مع دراسة ترامب لإمكانية تصعيد العمليات العسكرية ضد النظام الإيراني. وذكرت "نيويورك تايمز" أن استنتاج الأجهزة الاستخباراتية حول ميل المرشد الجديد لتصنيع قنبلة نووية قد يوفر ذريعة إضافية لتوسيع نطاق الهجمات الأميركية.
إيران نقلت جزءاً من أجهزة الطرد المركزي
يقول المسؤولون الأميركيون إن طهران لم تتخذ بعد أي خطوات لاستئناف برنامجها النووي، لكنها اتخذت إجراءات للحفاظ على معداتها وأصولها النووية. وجاءت هذه الخطوات عقب الهجمات الأميركية العام الماضي على المنشآت النووية الرئيسية، وكذلك خلال فترات التوقف في الحرب الحالية.
وفقاً للتقرير، نقلت إيران جزءاً على الأقل من أجهزة الطرد المركزي إلى مجمع تحت الأرض شديد التحصين في مركز البلاد، تطلق عليه الولايات المتحدة اسم "جبل كوه كلنك" (Kuh-e Kolang). وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد أفادت سابقاً بأن الاستخبارات الإسرائيلية تعقبت نقل أجهزة الطرد المركزي إلى هذه المنطقة.
وقد يشكل نقل الأجهزة الخطوة الأولى نحو إعادة بناء قدرات التخصيب، غير أن المسؤولين الأميركيين يرجحون أن الهدف الرئيسي لطهران في الوقت الراهن هو الحفاظ على المعدات ونقلها إلى موقع خارج مدى القنابل الأميركية.
وكان ترامب قد أصدر أوامر في يونيو (حزيران) 2025 بضرب ثلاثة مراكز نووية رئيسية في إيران. وخلال تلك العملية، ألقت قاذفات "بي-2" الشبحية أكبر القنابل التقليدية في ترسانة القوات الجوية الأميركية على منشأتي "فردو" و"نطنز"، فيما اُستهدف مركز أصفهان النووي بصواريخ "توماهوك".
وعقب تلك الضربات، ادعى الرئيس الأميركي أن المنشآت النووية الإيرانية دُمّرت بالكامل، لكن التقييمات الاستخباراتية الأولية كانت أكثر حذراً، وأشارت إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يتأخر سوى بضعة أشهر.
ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، لو أن إيران بدأت فوراً بإصلاح أجهزة الطرد المركزي أو التخصيب في مواقع أخرى، لكانت الأضرار قد أخرت البرنامج لستة أشهر فقط تقريباً. ومع ذلك، يؤكد المسؤولون الأميركيون أن طهران لم تنتشل جميع المنشآت المتضررة من تحت الأنقاض على الفور، ولم تستأنف التخصيب في أي مكان آخر، ما أدى بالتالي إلى إيقاف تقدم البرنامج النووي الإيراني على الأقل.
المنشأة الواقعة تحت الأرض مقاومة للقنابل
لم يُستهدف مجمع "كلنك كزلا" في هجمات الصيف الماضي، وأفاد عدة مسؤولين أميركيين بأن تدميره سيكون أكثر صعوبة بالنسبة للجيش الأميركي، إذ تقع أجزاؤه السفلية على عمق لا يمكن لأعتى القنابل التقليدية الأميركية اختراقه.
وبحسب التقرير، أدرك المسؤولون الإيرانيون مدى اختراق القنابل الأميركية بعد معاينة الأضرار في "فردو"، وهم واثقون الآن من أن القاعات السفلية الأكثر عمقاً في هذا المجمع ستكون بمعزل عن الهجمات الجوية التقليدية.
ومع ذلك، تخشى طهران من تنفيذ القوات الأميركية لعملية إنزال (كوماندوز) ضد المركز والدخول برياً لتدميره من الداخل. وأفادت أجهزة الاستخبارات الأميركية بأن إيران نقلت قوات برية إلى المنطقة لمنع وقوع مثل هذا الهجوم.
وهدد ترامب هذا الأسبوع بقصف منشأة مجمع "كلنك كزلا"، رغم أنه صرح في الوقت ذاته بأن الولايات المتحدة لم ترصد أي نشاط نووي فيه. واعتبر المسؤولون الأميركيون تصريحاته إشارة إلى أن طهران، ورغم نقل المعدات، لم تبدأ بعد التخصيب أو أي أنشطة نووية أخرى في ذلك الموقع.
ورفض المسؤولون التوضيح بشأن الخطط المحتملة لمهاجمة المجمع، لكنهم أشاروا إلى تقديم مروحة واسعة من الخيارات والأهداف المحتملة لترامب، مؤكدين أنه من غير الممكن التنبؤ بالأهداف التي سيصادق على ضربها.
مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال متوفراً
رغم الأضرار التي لحقت بالمراكز النووية الإيرانية، فإن المكونات الأساسية اللازمة لبناء قنبلة لا تزال قائمة؛ وأهمها مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي أكد مسؤولون أميركيون أنه لا يزال سليماً وفي متناول طهران.
وكان المرشد الراحل، علي خامنئي، قد أصدر سابقاً "فتوى شرعية" تحرم استخدام إيران للسلاح النووي، وتم إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهذا الموقف رسمياً عام 2005.
وأوضحت "نيويورك تايمز" أن الفتوى كانت لها حدودها: فقد حرمت استخدام القنبلة النووية، لكنها لم تمنع التطوير العام للبرنامج النووي أو اتخاذ خطوات نحو عسكرته. وحتى بعد صدور الفتوى، كان المتشددون في النظام يطالبون بتمكين إيران من امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي بسرعة.
وتشير تقييمات الاستخبارات الأميركية المستندة إلى تصريحات علنية ومكالمات تم اعتراضها قبل الحرب، إلى أن مجتبى خامنئي لم تكن لديه شكوك والده، وكان مهتماً بإنتاج سلاح نووي متطور.
المرشد الجديد يسعى لرأس حربي أكثر تطوراً
أفاد مسؤولون أميركيون في أواخر إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، بأن إيران كانت تدرس سُبل إنتاج سلاح نووي بدائي، يشبه القنبلة التي أُلقيت على هيروشيما، ورغم صعوبة نقله واستخدامه، فإنه كان بإمكانه توفير قدر من الردع.
وفقاً للتقييم الأميركي الجديد، لا يرى مجتبى خامنئي فائدة كبيرة في مثل هذا السلاح البدائي، ويحبذ بدلاً من ذلك تصنيع رأس حربي حراري نووي (هيدروجيني) يمكن تصغيره مستقبلاً وتركيبه على صاروخ بعيد المدى.
كما ابتعد المرشد الجديد عن الاتفاق الذي وقّعته الحكومة الإيرانية والولايات المتحدة في شهر يونيو (حزيران) الماضي، والذي تعهدت طهران بموجبه بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي؛ حيث صرح بأنه سمح بإبرام الاتفاق، لكنه لم يكن موافقاً عليه "من حيث المبدأ".
الحرب قد تكون زادت من دوافع طهران
صرحت مدیرة برنامج الشرق الأوسط في معهد "أولويات الدفاع" المعارض للتدخلات العسكرية الأميركية، روزماري كلانيك، لصحيفة "نيويورك تايمز" بأن الحرب وإبداء واشنطن استعدادها المحتمل لمساعدة السعودية في بناء منشآت تخصيب، "رفعت بشكل كبير" من احتمالية تحرك إيران نحو السلاح النووي.
وأضافت أن إيران باتت تمتلك الآن دافعاً أكبر للحصول على السلاح النووي لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن أي محاولات مستقبليّة لإسقاط النظام أو تفكيك هيكل الدولة. وبحسب قولها، قد تؤدي الحرب إلى نتيجة عكسية للهدف المعلن منها، وهو منع انتشار القدرات النووية الإيرانية.
كما أشار مسؤولون أميركيون إلى أن المسؤولين الإيرانيين الذين كانوا يحتجون في النقاشات الداخلية قبل الحرب بأن السلاح النووي وحده الكفيل بمنع أي هجوم إسرائيلي أو أميركي، يرون الآن أن التطورات الأخيرة قد عززت وجهة نظرهم.